حجر الظلت
03-09-2005, 09:19 PM
بقلم : جعفر حامد البشير
ماذا عساي أن أقول .. ماذا عساي أن أكتب والهول أكبر وأعظم من كل هول ومن كل حول ومن كل طول ، إن شمس الشموس قد أذنت بالمغيب وهي تسابق شمس الخميس التاسع عشر من ربيع الثاني 1424هـ وهو التاسع عشر نفسه من يونيو 2003م ، ويونيو كذلك هو شهر المرحلة الأولى من الأحزان ، ففي يوم الخميس التاسع من يونيو عام 2000م غاب في لندن الفكر الوقاد والعقل النقاد ولا حول ولا قوة إلا بالله !
إن رحلة التعارف والتقارب والإخاء بيني وبين شمس الشموس هي رحلة طويلة بدأت في في أواخر عام 1948م في مدينة الدامر وكان سببها الأول أنه بعث من لندن إلى مجلة الثقافة بقصيدة عنوانها (خواطر غريب) وكانت هي والرسالة أكبر مجلتين مصريتين تنتشران في العالم العربي كله !
قرأت القصيدة وأنا في الدامر بإعجاب وإكبار بالغين في أكتوبر 1948م وراودتني نفسي أن أجاريها بوزنها وقافيتها ولكني سرعان ما تهيبت الموقف لسببين : الأول هو كيف يمكنني التطاول ومسايرة مثل هذا الشاعر العملاق وأنا ما زلت في بداية الطريق !!
والثاني هو أني أعلم مكانة مجلتي الرسالة والثقافة المصريتين في عالمنا العربي وكانتا توصفان بالأرستقراطيتين وإن أبوابهما لا تفتح إلا لمستوى خاص من الكتاب والشعراء ، ويكفي أنه كان يكتب فيهما رجال أمثال العقاد وطه حسين والرافعي وزكي مبارك وأمثالهم من مشاهير العالم العربي في الشام والعراق وشمال إفريقيا كتونس على سبيل المثال وطن أبي القاسم الشابي !
وتضمنت قصيدة الدكتور ((فيما بعد)) عبدالله الطيب حنينا جارفا للسودان وللنيل وللخرطوم ولدامر المجذوب وشكوى مريرة من الاغتراب الأمر الذي دفعني لمواساته وتشجيعه فتوكلت على الله وكتبت قصيدتي وبعثت بها إلى أحمد أمين بك صاحب ورئيس تحرير مجلة الثقافة ، فإذا به يعجل بنشرها في الشهر نفسه وإذا بي وأنا أطالعها أكاد لا أصدق عيني .. وبعد أيام وصلتني تهاني عديدة من بعض الأصدقاء الأدباء والشعراء في السودان من شباب جيلنا آنذاك فهم كانوا يعتبرون الخطوة الأولى بالنشر في تينك المجلتين بمثابة الإجازة الثقافية والاعتراف للأديب والشاعر بتجاوز القيود والسدود التي تقف أمام الرواد الجدد ثقافيا وفنيا .
القصيدتان في أبيات فماذا قال عبد الله الطيب وماذا قلت ؟ قال :
أشاق قلبك روض النيل
ترمقه ودون ذلك أماد بعيدات
بحر خضم تضل الساريات به
وراؤه مصر والبيد التنوفات
ويقول :
وقد أرى ملتقى النيلين في حلم
فتزدهيني إلى الخرطوم جنات
ويقول :
فذكرتني قماري العشير
إذا ناحت على عشرٍ ورقُُ شجيات
--
والعشير حي قديم من أحياء الدامر ومثله الفريع وبكسر الحرف الأول من كل منهما في العامية السودانية وهما تصغير عشر وفرع .. ويتألق عبد الله الطيب وهو يختتم قصيدته ( خواطر قريب ) أو قصيدة الحنين حتى للعشر بالدامر وهو في لندن بقوله :
قد كنت في دامر المجذوب في بلد
في الكرامة والسوح الرحيبات
ومعشر من ألي صدق ومكرمة
تضمهم في ذرا مجد أرومات
وفيه من قرأوا عمرا ومن
درسوا متن الرسالة والدنيا دجنات
إذا تلو سور القرآن حيّ لهم
ميت الظلام إذا النوام أموات
وجلجلت جنبات العرش وارتجفت
له الملائك والسبع السماوات
إنها أبيات قليلة انتقيتها من قصيدة طويلة ، فماذا قلت وأنا أجاريها بكل تهيب أو تخوف أو تواضع ؟ والقصيدة سميتها (صدى خواطر قريب) ، فهي ليست أكثر من صدى لقصيدة أستاذنا الجليل (خواطر قريب) ، وقلت في مطلعها :
هل هذه يا أسير البين حنات
أم هذه يا جريح الشوق أنات ؟
لم أدر كيف سمعناها وقد
عرضت تلك البحار وهاتيك المفازات ؟
وقلت أواسيه بالنيابة عن أهل الدامر بل والسودان كله :
يا نازحا ببلاد الغرب يؤلمه
فرط الحنين وتدميه الصبابات
هذي رحابك في حي الفريع
وفي حي العشير أمينات وفيات
وقلت أشجعه وأبشره بتفاؤل عظيم أحمد الله على أن حققه لنفسه ولشعبه السوداني العظيم :
يا نازحا في سبيل العلم مغتربا
لا تضجرن فكم للفوز فرحات
إذا تستهل على السودان منبثقا
كالبدر حفت به الدجن هالات
وأكتفي بهذا القدر من قصيدتي التي كانت بدرها طويلة .
والطريف أن البروفسور عبد الله الطيب رحمه الله ظل يذكر هذه الأبيات في الفترة من 1948م إلى 1998م حينما قدمني في قاعة الشارقة لألقي محاضرة عن الشاعر الخالد توفيق صالح جبريل وهو يقول للحضور : (( جعفر ده ما تشوفوه قليل كده ، جعفر ده عجوز لقد صححني ونصحني )).
ولا بد أن هذه الشهادة لي من عالم علامة مثل عبدالله الطيب قد تثير الكثير من دهشة جمهور المستمعين والمشاهدين ، فكيف لمثلي أن يصحح وينصح من هو مثله ، وبما أني قد أدركت في الحال ما كان يرمي إليه فقد بادرت إلى تهوين الأمر أمام جمهور القاعة فشرحت لهم الموقف بالنسبة للنصح وقد قرأه الآن القارئون لهذا المقال في الأبيات المنشورة آنفا ، أما التصحيح فإنه حينما نشر ديوانه الأول (( أصداء النيل)) لم يعثر على نص قصيدته التي نشرها في مجلة الثقافة عام 1948م فكتبها وكتب عنوانها من ذاكرته ، فبادرت إلى تصحيح العنوان وتصحيح بعض الأبيات في ديواني ((حرية وجمال)) الذي صدر عام 1953م للمرة الأولى وعام 1977م في المرة الثانية .
الرحلة الطويلة :
كانت الرحلة الطويلة التي سعدت فيها بأجمل علاقات الصداقة والإخاء مع المرحوم قد بدأت منذ عام 1948م واذكر أنه عقب نشر قصيدتي ((التعارف)) في مجلة الثقافة صادف أن جاء الراحل المقيم إلى مدينة الدامر وكان أول سؤال قاله لمستقبليه في نادي الدامر : أين الأخ جعفر؟ قالوا له لم يصل بعد ولكنه سيحضر الآن إن شاء الله ، فحضرت فعلا وكان ذلك أول لقاء بيننا ، وشكرني وأشاد بالقصيدة وضحك حينما قلت له أن كتابتها وإرسالها إلى مصر حدث بعد تهيب وتخوف وتردد وقال إنه تواضع منك . قلت له والله فما كنت أحسب أنني سأنال ذلك الشرف !!
ومرت عشرات الأعوام واللقاء ما زال قائما وديا ومتناميا ، أزوره في جامعة الخرطوم وفي العاصمة ومنتدياتها واجتماعاتها الثقافية ، ونلتقي في المنتديات الأدبية خارج السودان ، وأخيرا بعد تأسيس المجمع اللغوي واختياره له رئيسا بحق وجدارة حيث تكاثرت زياراتي له ومناقشاتي ومشاوراتي له في قضايا الأدب والشعر ، وأخيرا في كتاباتي لقضايا ((اللغويات)) التي لم يختلف معي فيها قط وإنما كان يرتاح لما أتوصل إليه فيشجعني ويشكر جهدي .
----
الوفاق ، بتاريخ 5/7/2003م
ماذا عساي أن أقول .. ماذا عساي أن أكتب والهول أكبر وأعظم من كل هول ومن كل حول ومن كل طول ، إن شمس الشموس قد أذنت بالمغيب وهي تسابق شمس الخميس التاسع عشر من ربيع الثاني 1424هـ وهو التاسع عشر نفسه من يونيو 2003م ، ويونيو كذلك هو شهر المرحلة الأولى من الأحزان ، ففي يوم الخميس التاسع من يونيو عام 2000م غاب في لندن الفكر الوقاد والعقل النقاد ولا حول ولا قوة إلا بالله !
إن رحلة التعارف والتقارب والإخاء بيني وبين شمس الشموس هي رحلة طويلة بدأت في في أواخر عام 1948م في مدينة الدامر وكان سببها الأول أنه بعث من لندن إلى مجلة الثقافة بقصيدة عنوانها (خواطر غريب) وكانت هي والرسالة أكبر مجلتين مصريتين تنتشران في العالم العربي كله !
قرأت القصيدة وأنا في الدامر بإعجاب وإكبار بالغين في أكتوبر 1948م وراودتني نفسي أن أجاريها بوزنها وقافيتها ولكني سرعان ما تهيبت الموقف لسببين : الأول هو كيف يمكنني التطاول ومسايرة مثل هذا الشاعر العملاق وأنا ما زلت في بداية الطريق !!
والثاني هو أني أعلم مكانة مجلتي الرسالة والثقافة المصريتين في عالمنا العربي وكانتا توصفان بالأرستقراطيتين وإن أبوابهما لا تفتح إلا لمستوى خاص من الكتاب والشعراء ، ويكفي أنه كان يكتب فيهما رجال أمثال العقاد وطه حسين والرافعي وزكي مبارك وأمثالهم من مشاهير العالم العربي في الشام والعراق وشمال إفريقيا كتونس على سبيل المثال وطن أبي القاسم الشابي !
وتضمنت قصيدة الدكتور ((فيما بعد)) عبدالله الطيب حنينا جارفا للسودان وللنيل وللخرطوم ولدامر المجذوب وشكوى مريرة من الاغتراب الأمر الذي دفعني لمواساته وتشجيعه فتوكلت على الله وكتبت قصيدتي وبعثت بها إلى أحمد أمين بك صاحب ورئيس تحرير مجلة الثقافة ، فإذا به يعجل بنشرها في الشهر نفسه وإذا بي وأنا أطالعها أكاد لا أصدق عيني .. وبعد أيام وصلتني تهاني عديدة من بعض الأصدقاء الأدباء والشعراء في السودان من شباب جيلنا آنذاك فهم كانوا يعتبرون الخطوة الأولى بالنشر في تينك المجلتين بمثابة الإجازة الثقافية والاعتراف للأديب والشاعر بتجاوز القيود والسدود التي تقف أمام الرواد الجدد ثقافيا وفنيا .
القصيدتان في أبيات فماذا قال عبد الله الطيب وماذا قلت ؟ قال :
أشاق قلبك روض النيل
ترمقه ودون ذلك أماد بعيدات
بحر خضم تضل الساريات به
وراؤه مصر والبيد التنوفات
ويقول :
وقد أرى ملتقى النيلين في حلم
فتزدهيني إلى الخرطوم جنات
ويقول :
فذكرتني قماري العشير
إذا ناحت على عشرٍ ورقُُ شجيات
--
والعشير حي قديم من أحياء الدامر ومثله الفريع وبكسر الحرف الأول من كل منهما في العامية السودانية وهما تصغير عشر وفرع .. ويتألق عبد الله الطيب وهو يختتم قصيدته ( خواطر قريب ) أو قصيدة الحنين حتى للعشر بالدامر وهو في لندن بقوله :
قد كنت في دامر المجذوب في بلد
في الكرامة والسوح الرحيبات
ومعشر من ألي صدق ومكرمة
تضمهم في ذرا مجد أرومات
وفيه من قرأوا عمرا ومن
درسوا متن الرسالة والدنيا دجنات
إذا تلو سور القرآن حيّ لهم
ميت الظلام إذا النوام أموات
وجلجلت جنبات العرش وارتجفت
له الملائك والسبع السماوات
إنها أبيات قليلة انتقيتها من قصيدة طويلة ، فماذا قلت وأنا أجاريها بكل تهيب أو تخوف أو تواضع ؟ والقصيدة سميتها (صدى خواطر قريب) ، فهي ليست أكثر من صدى لقصيدة أستاذنا الجليل (خواطر قريب) ، وقلت في مطلعها :
هل هذه يا أسير البين حنات
أم هذه يا جريح الشوق أنات ؟
لم أدر كيف سمعناها وقد
عرضت تلك البحار وهاتيك المفازات ؟
وقلت أواسيه بالنيابة عن أهل الدامر بل والسودان كله :
يا نازحا ببلاد الغرب يؤلمه
فرط الحنين وتدميه الصبابات
هذي رحابك في حي الفريع
وفي حي العشير أمينات وفيات
وقلت أشجعه وأبشره بتفاؤل عظيم أحمد الله على أن حققه لنفسه ولشعبه السوداني العظيم :
يا نازحا في سبيل العلم مغتربا
لا تضجرن فكم للفوز فرحات
إذا تستهل على السودان منبثقا
كالبدر حفت به الدجن هالات
وأكتفي بهذا القدر من قصيدتي التي كانت بدرها طويلة .
والطريف أن البروفسور عبد الله الطيب رحمه الله ظل يذكر هذه الأبيات في الفترة من 1948م إلى 1998م حينما قدمني في قاعة الشارقة لألقي محاضرة عن الشاعر الخالد توفيق صالح جبريل وهو يقول للحضور : (( جعفر ده ما تشوفوه قليل كده ، جعفر ده عجوز لقد صححني ونصحني )).
ولا بد أن هذه الشهادة لي من عالم علامة مثل عبدالله الطيب قد تثير الكثير من دهشة جمهور المستمعين والمشاهدين ، فكيف لمثلي أن يصحح وينصح من هو مثله ، وبما أني قد أدركت في الحال ما كان يرمي إليه فقد بادرت إلى تهوين الأمر أمام جمهور القاعة فشرحت لهم الموقف بالنسبة للنصح وقد قرأه الآن القارئون لهذا المقال في الأبيات المنشورة آنفا ، أما التصحيح فإنه حينما نشر ديوانه الأول (( أصداء النيل)) لم يعثر على نص قصيدته التي نشرها في مجلة الثقافة عام 1948م فكتبها وكتب عنوانها من ذاكرته ، فبادرت إلى تصحيح العنوان وتصحيح بعض الأبيات في ديواني ((حرية وجمال)) الذي صدر عام 1953م للمرة الأولى وعام 1977م في المرة الثانية .
الرحلة الطويلة :
كانت الرحلة الطويلة التي سعدت فيها بأجمل علاقات الصداقة والإخاء مع المرحوم قد بدأت منذ عام 1948م واذكر أنه عقب نشر قصيدتي ((التعارف)) في مجلة الثقافة صادف أن جاء الراحل المقيم إلى مدينة الدامر وكان أول سؤال قاله لمستقبليه في نادي الدامر : أين الأخ جعفر؟ قالوا له لم يصل بعد ولكنه سيحضر الآن إن شاء الله ، فحضرت فعلا وكان ذلك أول لقاء بيننا ، وشكرني وأشاد بالقصيدة وضحك حينما قلت له أن كتابتها وإرسالها إلى مصر حدث بعد تهيب وتخوف وتردد وقال إنه تواضع منك . قلت له والله فما كنت أحسب أنني سأنال ذلك الشرف !!
ومرت عشرات الأعوام واللقاء ما زال قائما وديا ومتناميا ، أزوره في جامعة الخرطوم وفي العاصمة ومنتدياتها واجتماعاتها الثقافية ، ونلتقي في المنتديات الأدبية خارج السودان ، وأخيرا بعد تأسيس المجمع اللغوي واختياره له رئيسا بحق وجدارة حيث تكاثرت زياراتي له ومناقشاتي ومشاوراتي له في قضايا الأدب والشعر ، وأخيرا في كتاباتي لقضايا ((اللغويات)) التي لم يختلف معي فيها قط وإنما كان يرتاح لما أتوصل إليه فيشجعني ويشكر جهدي .
----
الوفاق ، بتاريخ 5/7/2003م