المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الشاعر محمد الفيتوري: سر عذابي أني مزيج من الأساطير العربية


حجر الظلت
31-08-2005, 01:56 PM
الشاعر محمد الفيتوري: سر عذابي أني مزيج من الأساطير العربية والأفريقية

حوار: سيد رزق

منذ فجر قضيته الأولى ضد الظلم والطغيان والفيتوري علم واضح في مسيرة الشعر العربي، منحته الحياة مبررات تنوعها حيث ولد بالقرب من الحدود السودانية التشادية في مدينة اسمها، الجنينة، ثم احتضنته القاهرة وباركته طرابلس، ومابين العواصم العربية المختلفة عاركته الحياة وعاركها، ومارسته ومارسها، وفي كل الأحوال هو شاعر افريقيا الأول.


لم يأخذ الفيتوري حقه كواحد من جيل الرواد، وعنده أسبابه يلخصها في ذلك الفساد الذي تغلغل في أنسجة الوسط الثقافي العربي، والشللية والمصالح لأولئك الذين لا تؤهلهم موهبتهم قط لتأسيس مكانتهم الشعرية.. لكنه مدرسة يشار لها لدى النقد الأدبي والدرس الأكاديمي الذي تناول أعماله بمختلف اللغات.


في حواره مع «بيان الثقافة» يتحدث الفيتوري عن نشأته والمؤثرات التي ساهمت في تكوين الابداعي والعديد من القضايا الخاصة بواقع الشعر العربي، يقول الفيتوري عن نشأته: ـ لو سألتني في أي أرض ولدت لكانت اجابتي أسهل لانني ممن يؤمنون بوحدة الأرض العربية، وهكذا تختلط في عيني الحدود الجغرافية مادامت داخل هذه الأرض، وتتداخل التجمعات السكانية مثلما تتداخل الأزمنة والخصائص واللهجات.


لقد ولدت في أقصى الغرب السوداني في مدينة اسمها الجنينة، الجزء الأكبر منها يقع داخل حدود السودان، والجزء الآخر يقع داخل تشاد. وأسرتي بسيطة جدا تتكون من أب وأم وشقيقة. الوالد هو شيخ صوفي كبير، الشيخ مفتاح رجب الشيخي الفيتوري خليفة من خلفاء الطريقة العروسية الشاذلية الأسمرية، أو كما يسمونها شيخ السجادة الصوفية. والوالدة السيدة فاضلة،


وفي جذور القبيلة تتداخل دماء كثيرة لقبائل بعضها ليبي والأخر مصري والثالث افريقي، هذه المركبات المتداخلة فيها امتدادي في أجساد وأرواح الاخرين. ومنذ دب الوعي في وجداني، وبدأت أدرك معنى بعض الكلمات التي كان يرددها والدي ليلا مع بعض زواره من أدعية وترانيم دينية، تعلقت بما أسمع وبدأت أفكر تفكيرا عميقا، لدرجة أنني تركت رفاقي في اللعب وانا طفل لأنضم الى رفاق أبي في فناء البيت مستمعا ومستمتعا بآيات الذكر الحكيم والتواشيح الصوفية والاوراد والقصص،


وبعد ذلك عرفت أناشيد سيد درويش وعبده الحامولي وصالح عبدالحي، تلك التي كانت ترددها الاسكندرية في الأربعينيات، بالاضافة الى أغاني جدتي التي كانت مزيجا من التراث الافريقي السوداني والليبي المصري.


ـ ما هي المؤثرات التي ساهمت في تشكيل وجدانك وتكوينك الابداعي؟


ـ أشياء كثيرة تداخلت لتشكيل وعيي الابداعي، لكن هناك ركائز رئيسية لا تستطيع فصل احداها عن الاخرى، يأتي في مقدمتها واقعنا الثقافي العربي الزاخر بآماله وتطلعاته في مشارف الاربعينيات. أيضا حركة التحولات الاجتماعية والاقتصادية العميقة التي طرأت على أنظمة الحكم واشكال العمل السياسي في المنطقة العربية منذ بداية الخمسينيات من القرن الماضي، حين اشتعلت حركات التحرر والنضال الوطني بداخلنا ومن حولنا، مما كان له أكبر الأثر لدى أجيالنا كلها.


ثالث هذه الركائز هو ذلك الميراث الثقيل والمتدفق في عروقي من الدماء السودانية والليبية والمصرية، والتي تشكل بداخلي الكثير، بدءا من مجموعة الاساطير العربية والافريقية، والايقاعات الزنجية، والمدائح الصوفية. انني ـ وربما كان هذا سر عذابي ـ مزيج من كل هذه التناقضات. ولهذا فأنا صوت خالص يعبر بعفوية عن كل هذه التناقضات.


ـ متى كانت قصيدتك الشعرية الأولى؟


ـ قصيدتي الاولى من حيث احساسي الشخصي بنضجها الفني كانت في مدينة الاسكندرية، حينذاك كنت طالبا في السنوات الأولى من الدراسة الثانوية معهد الاسكندرية الديني أظن أنها كانت قصيدتي (خطوط) أو ربما كانت قصيدتي التي أقول في مطلعها: فقير أجل..


ودميم.. دميم


بلون الشتاء.. بلون الغيوم


يسير فتسخر منه الوجوه


وتسخر حتى وجوه الهموم


فيحمل أحقاده في جنون


ويحضن أحزانه في وجوم


ولكنه أبدا حالم


وفي قلبه يقظات النجوم


ـ لماذا يتم انكار دورك في تطور القصيدة العربية، رغم أنك من أقدم الشعراء الذين كتبوا قصيدة التفعيلة، ربما قبل الكثير من الرواد؟


ـ أنا مثلك لا أدري؟! ربما الفساد الذي تغلغل في أنسجة الوسط الثقافي، الشللية والمصالح، كثيرون يملكون جوقة تنشد لهم، وكثيرون يجيدون الحيل والالاعيب، وغيرهم ممن لا تؤهلهم موهبتهم فقط لتأسيس مكانتهم الشعرية.


أما مسألة الريادة فهي رغم اخطاء ومغالطات النقاد، تعود إلى أقدم ممايتصورون، فهي تعود الى محمود حسن اسماعيل، الذي اعتبره جوجول الشعر العربي. فقد وضع الاسس والعناصر المميزة للقصيدة الجديدة، وكذلك فعل شعراء المهجر، ترجموا الشعر الامريكي والغربي، مماأدى الى تغييرات على مستوى الشكل والمضمون وطريقة التناول الشعري.


ثم جاءت نازك الملائكة بقصيدة الكوليرا وأعقبها السياب.. وهنا تم تجاهل شاعر مصري جميل هو كمال عبدالحليم الذي أثار ديوانه اصرار غضب حكومة اسماعيل صدقي باشا، لما يحمله من هجوم شرس على حكومة الملك، وكان كمال عبدالحليم أنذاك أحد أقطاب الحزب الشيوعي المصري، ولذا تم تجاهله.


ـ هل تتفق أم تختلف مع المقولة التي تتردد كثيرا بأن الشعر في أزمة؟ ـ الشعر في أزمة.. نعم، ولكنها ليست أزمة شعراء، فالصالونات الأدبية والمهرجانات والامسيات الشعرية، والجوائز المادية والتقديرية متعددة، والاصدارات كثيرة، والمعارض مكتظة بمختلف الرموز والاجيال.


الأزمة في تقديري تتمثل في واقع هذه الأمة.. أزمة حضارة تشبعت بماضيها، وتضخمت في ذاتها، ولم تعد لديها القدرة على التعامل الايجابي الخلاق مع تحديات ثورة المجتمع الصناعي والكوني الهائلة، والتي اقتحمت الحدود، وعمرت بطوفانها العلمي والتكنولوجي بقاع وآفاق العالم من حولنا.


الشعر في أزمة هي في حقيقتها انعكاس لأزمة أمة تتطلع بعيون زجاجية الى جدران القرن الحادي والعشرين.


ـ ما السر في تقدم الرواية لاحتلال مكان الشعر كما يرى البعض؟


ـ مقولة زمن الرواية ترددت كثيرا، وأصبحت مضغة في أفواه بعض الكتاب والنقاد على سذاجتها واعتباطيتها، ذلك لانها لا تستند الى أساس منطقي أو جمالي أو نقدي أو واقعي. الشعر لا يزال رغم غلبة الردئ على ماينشر منه هو مرآة حياتنا الواسعة التي نرى فيها الإنسان والمجتمع بكل حقائق واقعه وصورة حياته.


ولا يزال الشعر هو صوت وايقاع المرحلة تاريخيا، ولا تزال قيمة ومكانة الشاعر ـ ليس في الوطن العربي وحده بل في كافة ثقافات العالم المعاصرة ـ هي القيمة العليا المتميزة في آفاق الابداع وحسبنا ذلك الاهتمام الاعلامي الدولي الذي يحيط بالشاعر وبجائزة نوبل للشعر، ولجوائز الشعر عموما كلما حان وقت الاعلان عنها، على الرغم من أن نوبل وكثير من الجوائز الدولية والعربية الاخرى ليست وقفا على الشعر، بل تعطى لمبرزين في شتى حقول المعرفة والعلم، انما الشعر زهرة الثقافة الانسانية جمعاء.


ـ اسمح لي اتساءل.. ماهي وظيفة الشاعر في عالمنا العربي وماالفارق بينه وبين نظيره الأوروبي؟


ـ الشعر ليس وظيفة، وبالتالي ليس للشاعر وظيفة، بل له رسالة هي في مجملها رؤية جمالية قادرة على التعبير عن ذاتها وموقف واع من أحداث الكون، ورغبة في التقدم تجاه المستقبل.


ولا أرى فوارق بين شاعر عربي أو غربي أو آسيوي.. الشعراء الحقيقيون والمبدعون بشكل عام هم بشر حقيقيون، مجردون من الانتماءات الضيقة والمشاعر العنصرية البغيضة.


انهم سدنة الكون في أجمل فضائله، وأصفى مزاياه سواء كانوا هنا أو هناك. ربما كانت الفوارق التي أردت الاشارة اليها هي ماتفرزه أو ترشح به أحيانا بعض التمايزات الناشئة عن اختلاف المواقع والظروف.


ـ قصيدة النثر بكل ماتثيره من اشكاليات.. ماذا تمثل بالنسبة لك؟ ـ لست ضد محاولات شعراء القصيدة النثرية، وأسميهم شعراء لا كتابا لهذه القصيدة كما يقول الرافضون. ولن أكون أبدا ضد هذه القصيدة شريطة أن تكون نبعا جديدا يضاعف من رصيدنا في الشعر، ويضيف الى تراثنا في الايقاع والنبض الموسيقى.


إن الجوهر الأساسي في القصيدة ـ كل قصيدة ـ هو احساس الشاعر الجمالي ومقدرته على التفاعل مع روح العصر، وهو الطموح الصادق لتقديس الحياة وتأكيد كرامة الإنسان. فعندما ترجمت أشعار ناظم حكمت الى العربية، وعندما قرأنا: أجمل الأطفال، طفل لم يولد بعد.. وأجمل اللحظات لم نعيشها بعد.. لم نستطع أن ننكر هذ الكم الهائل من الشعرية الذي تحمله هذه الكلمات رغم انها ترجمت نثرا، ولم تترجم شعرا منظوما عموديا أو تفعيليا.


اذا فالعناصر الخفية للقصيدة موجودة، رغم غياب الايقاع والموسيقى الظاهرية، ولكنها موسيقى داخلية جميلة وصادقة. فالشعر عندي يرتبط بالصدق والابتعاد عن التهويمات الزائفة والصورة الشعرية أحد أهم العناصر.


ـ عندما ظهرت قصيدة التفعيلة كان لها ضرورة.. فهل هناك ضرورة فرضت قصيدة النثر؟


ـ بكل تأكيد، لا أعتقد أنها انطلقت من رغبة عابثة هناك بالفعل ضرورة اجتماعية أو تاريخية وربما نفسية هي التي دفعت شعراء هذه القصيدة الى البحث عن ايقاع أشد تأثيرا وملامسة للروح، وفي نفس الوقت اعظم قدرة وايصالا للقيم والمعطيات والحقائق الاجتماعية والإنسانية الجديدة التي تطرحها الأحداث.


ـ في قصيدتك تعتمد على القافية التفعيلية ,احيانا التقليدية بحيث تكون القافية نهاية لكل فقرة شعرية.. لماذا؟


ـ هي طريقة وحالة، فأنا أفعل ذلك دائما. مثلا قصيدتي عن أوجلان أتكئ فيها على لفظ الآن بحيث تنتهي عند الدورة الموسيقية، ولكن يظل للموسيقى الداخلية دورها في التعبير عن تجربة انفعالية صادقة.


ـ بمناسبة الحديث عن الصدق الانفعالي والتجربة الشعرية.. قلت انك تستطيع ان تكتب القصيدة وقتما شئت، ثم عدت وقلت انك تكتب بعد ان تكون قد خططت لما تريد أن تقوله، وانك لا تخضع لما يسمونه بالالهام الشعري.. فهل مازال موقفك من الكتابة كما هو؟


ـ لا، قلت هذا قديما، في لحظة احسست فيها بأن لدي رصيدا موروثا على مستوى الايقاع والفكر، يمكنني من خبرة اللغة والصورة لاخرج ما أشاء من الشعر، ولكنني أدركت بأنها لحظة من لحظات غروري البشري، وبالتجربة لم استطع فعل ذلك، لأن ماكتبته تحت تأثير هذه الرؤية لم يخرج عن كونه نظما يخلو من الصدق الانفعالي الذي يخلق القصيدة الحية.. وكأنما الاقدار أرادت أن تؤكد لي انني مخطئ، وأن غروري تجاوز بي حدود المسموح به، باختصار.. فوجئت بحالة من الخرس والجمود والعجز تجاه تجربة ما، ومنذ ذلك الحين أدركت ان ثمة فرقا كبيرا بين الشاعر الشاعر، والشاعر النظام الذي ينظم الشعر ، والآن أؤمن تماما بمسألة الوحي والالهام، فالقصيدة ليست عملية ذهنية باردة، ولكنها اطار مرجعي نفسي وانفعالي يدفعك الى التدفق.


ـ افريقيا في شعرك ماذا تعني؟


ـ افريقيا احساس ووجدان تعني بالنسبة لي المنابع الاساسية التي لم يكن لي أن أكون لولا ارتطامها بي، وتدفقها الدائم في عنقي وعروقي.


ـ هل كان لديك تخطيط مسبق لأغاني افريقيا؟


ـ أبدا لم أخطط لشئ من ذلك، لقد كنت أشبه بنبع تفجر فجأة في أعماق الأرض، لم يكن لدي أي وعي سياسي أو حتى اجتماعي فجأة وانا ابحث عن ذاتي عثرت على جوهرة العذاب الافريقي المندسة داخلي، وفجأة وجدتني أغني مأساة التاريخ الانساني، تحولت الكلمات في داخلي الى هذه القطرات المدموغة بعذابات الاخرين، وأنا مجرد صوت عربي عبرت من خلاله عن تصورات وأحزان الشعوب السوداء. وعندما أصدرت اغاني افريقيا كان ذلك عام 1955، وكنت حينذاك طالبا بالسنة الأولى بكلية دار العلوم، وأقيم لي حفل بالكلية تحدث فيه الاساتذة وعميد الكلية عن ظهوري كشاعر بين طلاب الجامعة.


ـ هل كنت تتوقع أن يكون لقصائدك كل هذا الصدى في افريقيا؟


ـ ابدا لم يكن هذا من طموحي، واعني انني لم أكتب شعري المتطلع نحو شعوب القارة الافريقية بهدف اقناعها بالرضوخ لواقع مشين يسوده الاضطهاد العنصري والبؤس الحضاري والضياع التاريخي،


لقد كنت من شعراء القارة السوداء يتقدمهم أيمي سيزار المارتينيكي رئيس مجلس الشعب في المارتينيك بأمريكا الجنوبية، وليوبولد سنجور رئيس جمهورية السنغال الأسبق في الستينيات، وليون داماش شاعر من غانا وآخرون ينتمون الى العديد من المستعمرات في الشمال والجنوب وكانت أعمالنا تستهدف اشعال النار في تراكمات التاريخ وبذر بذور الوعي والمعرفة في خبايا القارة وذاكرة ابنائها بحيث تنطلق من الماضي نحو المستقبل مسلحة بشخصيتها الافريقية مدعومة بايمانها الراسخ في أحقيتها بالحياة الحرة الكريمة، وكل منا كان يحاول التعبير عن هذه الحقيقة، وهذه الطموحات في لغته الخاصة والعامة وفي موسيقاه المحلية والكونية وفي رؤياه المستخلصة في تراجيديا الأحداث.


ليوبولد وسيزار وداماس وبقية شعراء القارة المعاصرين أولئك الفرسان هم تاريخنا الأسبق وأنا جئت على اثارهم والمسافة الفارقة بيننا تستغرق قرابة عشرين عاما، هم صنعوا الأساس في بداية الثلاثينيات، وأنا الشاعر العربي جئت في منتصف الخمسينيات والشعراء دائما خطوط وأقدار.


ـ بعد حالة التمرد الافريقي دخلت الصوفية لتصير مشكلا واطارا مرجعيا في قصيدتك.. فهل هذا نتيجة لتأثر ثقافي ما، أم انعكاس شعوري وفكري لمرحلة جديدة؟ ـ كما قلت والدي كان من كبار رجال الصوفية، وقد عاينتها طفلا وصبيا، وحفظت القرآن كله عن ظهر قلب في تلك الفترة، لذلك فإن لجوئي الى الصوفية ليس لجوءا ثقافيا أو فلسفيا أو فنيا لمجرد البحث عن أفق جديد، ان صوفية الشاعر أو شاعرية الصوفي، الذي أتكلم عنه موقف إنساني ايجابي واع مدرك، وليس موقف الدرويش المنجذب الى مجموعة من الافكار المشوشة، والاحاسيس التجريدية العمياء، انه الصوفي الثوري، وليس أبدا ذلك الصوفي التقليدي المتهالك المهزوم، وقد عبرت عن الظاهرة الصوفية، كما أراها، من خلال مجموعتي الشعرية.. معزوفة لدرويش متجول.


ـ العلاقة بين المبدع والمتلقي في قطار الشعر الآن.. كيف تراها؟


ـ في تقديري انها علاقة جدلية، هذه الرابطة الدقيقة مابين الشاعر والجمهور شرطها الأساسي: التكافؤ والاحتياج. دائما هناك جسر ما من المشاعر والافكار والرؤى المشتركة لابد له من أن يمتد، وأن يظل متواصلا مابين جانبين هما الشاعر والجمهور. المبدع في عطائه والمتلقى في تذوقه، وسقوط هذا الجسر يعني سقوط المشاركة الوجدانية الخلاقة في منتصف الطريق. ولعل الكثيرين من شعراء المرحلة يفتقدون هذه الحاسة، ومن ثم تضيع ملامحهم لدى المتذوقين عند أول لقاء.


ـ من يطربك الآن من الشعراء العرب؟


ـ لا أحد من الشعراء العرب المعاصرين على الاطلاق، ربما استثنيت الشاعر اللبناني الكبير سعيد عقل، أما فيما قبيل هذه المرحلة كنت أهتز طربا لدى سماعي اداء الشاعر عمر أبوريشة شاعر سوريا الخالد، وشاعر مصر الكبير كامل الشناوي والعبقري عبدالرحمن الخميسي.


واضح انني أتحدث عن تأثير الجانب الايقاعي في أصوات هؤلاء، أما مواقعهم في التاريخ فتلك مسألة تتطلب معبدا اخر.


ـ بعيدا عن الوسط الأدبي ماهي ملاحظاتك على الواقع الثقافي العربي عامة؟


ـ ظاهرتان مثيرتان للاهتمام في مسيرة هذا الواقع وهما الاضطراب والتوجس ثمة حركة نشطة بالفعل في واقعنا الثقافي، وثمة تفاعل معقد يحد من ايجابياتها وهذا يعني ببساطة أن هذا الواقع تسيطر عليه مجموعة أقطاب ومراكز جذب يأخذ منها الهم السياسي بخناق الهم الاجتماعي، وتختلط المصالح الآنية بالمصالح القومية العليا. تلك باختصار هي صورة واقعنا الثقافي كما أراه، ولا تكاد تبدو له نهاية وان كنا نأمل أن نرى هذه النهاية ونحن في بدايات القرن الحادي والعشرين.

نقلا عن البيان