حجر الظلت
31-08-2005, 12:10 PM
حدث شيء ما في وقت ما
بشير الطيب
إحدى بنات الليل ظلت ترهق أمسيات عثمان ردحا من الزمن يكاد يتجاوز الربع الأول من عمره .. عثمان نفسه بدأ بطول الوقت يتكئ على تبرير إن بدا منطقيا فكثيرا ما يبدو له واهيا مهزوزا – ها أنا عاجز عن الزواج .. يتسكع على دخلي أبي وأمي وإخوتي الصغار .. ماذا يمكن لي أن أجني من زمن تتسع مساربه لمن يقول نعم حتى في أشد أنواع الرذيلة والخراب النفسي ضلالاً ؟ على الدنيا اللعنة .. وألف لعنة على أزمان يدميها الطاعون ..
لكزته في رفق حين شعرت أنه حلق في غير دنياواتها .. وأن عريها الشفاف لم يعد كافيا ليبذل عليه .. يكفيه ظل جزيرتها الوارف في أمسيات الحزن تلك .. عادت تثيره وتستثيره في بقاع معينة من جسده وفي غنج مموج كمن يحس أن ما ظنه ما استحال – هكذا فجأة- إلى سراب .. انتبه لها ضاحكا مثيرا ومستثيرا هو الآخر في صدق .. وكان هذا ترياق يضاد ، بل ويطرد أزمته العامة والتي يطلق عليها دائما أزمة جذورها ضاربة في أصل الوجود ..ولا حل لها إلا الموت كمدا وحسرة وغلا .
قالت له خليلته بنت ألف ليلة وليلة وقد لفت جسدها بعفاف خجول بأن وضعت ساقا على أخرى ودفست نهديها تحت المخدع :
دعك من التفكير .. ماذا تجني من هواجس الليل وأضغاث الأحلام ؟ ما تجنيه الساعة ماتعا .. وما تتوهم أنك ستجنيه غدا قبض ريح ..
قال لها ووجهه معتمد على راحة يده اليسرى:
- لا بد من شيء نظيف يا بثينة ..
- وما هو الشيء المتسخ عندك ؟
- قلت لا بد من شيء نظيف ..
- خذ كأسك ففي الثمالة تجد ضالتك .. وقلبي لك شراع والجزيرة مرفأه..
وخطف عثمان الكأس من يدها وابتلع ما فيها وتكرع .. وأشعل سيجارة وضحك مرتميا على صدرها في حزن رهيف غائم في دوامة فرحة شبه كاذبة .. وضعت بثينة يدها على ظهره داعبت خدوده بنظراتها ، وبشفتيها عضت أرنبة أنفه في شقاوة الأطفال .. ثم ضحكت بعنف ، وران عليهما في النهاية صمت لا يخلو من كآبة ..
- إذا كان الأمر كذلك فلماذا لم ترني هذا المساء ؟
قلت لها إنني لك حتى النخاع .. وكنت أحس أنني كاذب .. أليست هي واحة يستزيد منها المرء الماء أنى ورد؟ .. خاتم الخطوبة على إصبعها .. هذا حق .. ولكنها تقول إنها تكره خطيبها ، وإن تزوجته فباسم العرف .. ستظل جسدا لزوجها .. جسدا باردا .. وجسدا وروحا ساخنين لي.. يا الله ، ماذا تعني وهي تعرف أنني من ذوي الدخل المحدود ؟ .. حب هذا أم لعنة ؟ أم ذكاء بنت حادة الطبع ؟ .. ما لي ولوظيفتها .. إذ ليس لي من اللحم في النهاية غير العظم .. قبلتها لا تقل متعة عن قبلة بثينة .. وأحيانا تضحي لي أكثر برودا .. حتى جسدها داخل الفستان هو جسد بثينة داخل الفستان . ما الفرق إذن ؟ لكنه تذكر خطابها الساخن له .. كلمات حنون مسكينة تثير الشفقة والعاطفة معا .. ولا تدري أتشفق أنت أم تعطف ؟ وأنت إن أشفقت فقد أذللتها .. وإن تعاطفت فالطريق مسدودة .. ألا تكفي بثينة يا عثمان ؟ .. لا ونعم .. بثينة أثبتها الليل ولا تستقي منه .. وابنة الشمس تلك تصبر حتى على أذى الليل ..
- عثمان .. وين يا أبو الرجال ؟ دعنا نحتسي خمرنا .. مالنا وللعقل ؟ فقد مات على أعتابه الكثيرون .. ضمني إليك وخذ نفسا من سيجارتي .. فعبيقها أنثوي ..
- شكرا يابثينة .. إلا قوليلي .. ماذا لو تزوجنا ؟ على الأقل أهيل على ماضيك ترابا يستحيل إلى هضبة بمرور الزمن ..
- حديثك يخلو من التعزية .. هذا ليس وقت الحزن .. فكر في أننا نقضي أمسياتنا في سعادة .. لا شيء يدوم غير شيء تسرقه في غفلة من الناس .. يكفي أننا نجتهد في بحث النقاء من ركام الأوساخ .. هذا إجتهاد ليته يدوم فنقتات منه لتمشي السفينة في هجيع الليالي وترسو عند الجزيرة متى ضلت طريقها ..
- يبدو يا بثينة أن كل الجذر تتشابه .. فالذي أورثها الخلود والدوام واحد .. غير أن بعضها ينبت ثمارا غير طيب ..
- مثلي أنا ؟
- ومثلي أنا أيضا .. ومثل سواد الناس ..
ندت عن ابن السفاح الذي كان يرقد بعيدا عن أمه صرخة جريئة .. خفت إليه بثينة لاعنة وساخطة حتى استحال ذلك إلى ضربة من يدها قاسية على فخذي الطفل ..
همس عثمان إلى نفسه :
- وهذا أيضا نبت جزيرة عشبها متداول وكثيف ..
ودارت في خاطرة عثمان فكرة أن يتوكل على الله ويتزوج بثينة .. هو يرى أن ذلك أخف ضررا .. وليك زواجا عرفيا غير مسئول ولا تترتب عليه أية مسؤولية أو أي إحساس بها .. وحين يطوقه الملل يجدع بها كالنواة ليبحث عن نواة أخرى ..
انشغل سريعا بخاطر آخر .. تذكر جارته سكينة .. متزوجة من حديث .. حلوة ، ذات تقاطيع أخاذة ووجه مستدير كالبدر ، وصدر بارز لم يحط عليه عبء ثقيل بعد .. تزوجها رجل أعمال ينفق أغلب يومه بالسوق ولكنك يا عثمان قد حدثتها يوما بمنزلكم عن معنى الشرف والكرامة والزهد في خراب البيوت .. لكنها – لا ننسى – قد قالت لي بكل جسدها أن قبرا واحد يطويها ولا تذكر .. بعينيها سرقت مني مذهبي ومثالياتي التي قرأتها في الكتب .. قل إذن إنك خائب يا عثمان .. شغلتك زميلتك المخطوبة بشبابها .. وانشغلت أنت تبحث عن الحقيقة فيها .. ظللت ترتاب للحديث الحلو .. فتظن أن الحلاوة طلاء ، والجوف علقم .. وها هي جارتك تدعو لك دعوة حب مماثلة .. أقدم وجرب فسيتبين لك الخيط أبيض أو أسود أو مشوبا بهذا وذاك .. أنا لا أرتاب ولا أخشى سوى أن أجد نفسي وقد جرفني الطوفان .. والتفت عنقي بحبل أسود ..
تساءلت بثينة :
- ما رأيك في الحياة الزوجية ؟
- لم أتزوج بعد ..
- المرأة لا تخلص .. والرجل يعيش طول العمر في الشك الذي يورده عدم الوفاء .. ليس من شيء أجل مذاقا من الحرية ..
- هل نحن أحرار ؟
- ولم لا ؟ .. نمشي مشوارنا كما نريد نحن .. لا أحد ينتظرك على الرصيف المقابل وحول معصمه ساعة .. مشيرا بها إلى الوقت والميعاد .. كل واشرب واختمر.. وارتمي على صدر بثينة دون أن تشير إلى ساعتك .. قام عثمان في أبعاد المسألة من الأصل وقد تدلى رأسه وكأس الخمر تتلاعب بين يده ..
- حسن .. لماذا هي الأخرى تلح علي بجسدها .. أم ترتو من زوجها ؟ وقد ارتوى من السوق ؟ قالت لي مرة إن بعض الرجال بارد .. وضحكت كمن خجل وحاول أن يغتسل من خجله بضحة عذبة صافية ..
هذا تلميح صريح ودعوة لشبابي كي يضاجع شبابها ويضطجع عليه ومن يدري .. لعله شرك .. لعله نوع من النغمة كرد فعل لتجاهلي لها أول الأمر .. ربما هو نوع من كيد النساء .. لكل شيء سببه ومنفعته .. الصدق المجرد .. الأمانة المجردة .. نوع من الأكاذيب المسكينة .. لكن يا عثمان أين الصدق والأمانة فيما تفعلانه أنت وبثينة ؟ سؤال وجيه .. بثينة لا تعرف شيئا في التجريد والمطلق .. كل شيء عندها ابن لحظته .. لا يهمها إن تزوجنا أو ظللنا هكذا .. وفاؤها ينبت عند اللحظة التي تنسى فيها القيود والماضي والحاضر والمستقبل .. الزمن يتجمد عندها في ضحكة عريضة من بين ذوبان دخان سيجارتها في رذاذ الكأس ، وفي المتعة التي يهبها لها مثلي في الهزيع الأخير من الليل وفي المخدع .. أناتها آنذاك هي طوق النجاة وهي قمة حريتها ..
سارع عثمان وقرصها على خديها .. ثم دعك لها نهديها براحة يده توكيدا منه لها أنه هو أيضا يمكن أن يهبها لحظة سرور .. ثم ارتمي عليها وخطف منها قبلة ذاق لها طعما مريحا تسرب إلى أعماقه ..
- تصور يا عثمان أنني كثيرا ما أفكر في قتل هذا الطفل الشقي فقد أقلق نومي وأزعج أصدقائي .
- القانون لا يبيح ذلك يا بثية .. ثم ما ذنب الطفل ؟
- وما ذنبي أنا ؟
- أنت ولدته وأنت المسؤولة عنه ..
- وأنا من ولدني ومن المسؤول عني الآن ؟
- أنا .. ألا أملأ عينيك .
- حتى تفيضا ..
وضحكت بعمق حتى شهقت .. من أعمق أعماق ذكرياته برزت على السطح حكاية كان عثمان قد ظن أنها اندثرت في تلابيب الزمن .. قبل أربع سنوات خلت وقبل أن يقطن أم درمان كانت الخرطوم بحري مسرحا لحكاية بسيطة هول من شأنها الناس حتى أضحت كالعورة في حياته .. كنت يا عثمان عائدا يومذاك من السينما .. وكانت هي الأخرى كذلك .. جمعكما الشارع في غير ما ترصد أو اتفاق .. حاولت من خيبتك أن تحادثها .. فلذ لها ذلك .. حاولت لمرة ثانية أن تمد لها بسيجارة .. فاعتذرت في رفق .. وساد الصمت .. ورأسك يا عثمان مظاهرة ..من بين هتافاتها أن الصيد أجدى وأحلى وأمتع في ظلمة الليل .. ورائحة الشواء لذيذة على كأس الخمر .. حاولت من خلال المظاهرة أن تتسرب إليها وتأخذ منها موعدا .. وكانت أكثر منك ذكاء .. استحسنت بالفعل منك الدعوة وشكرتك على حسن ذوقك .. ولكنها قالت لك إنها لا تستطيع أن تخرج من منزلها ، وتستطيع أنت أن تعودها وأنت مطمئن .. أرتك المنزل ليلتها يا عثمان من على البعد .. وفي إحدى ساعات الليل من يوم آخر كنت أنت داخل المنزل .. وفي دقائق معدودة يا عثمان سبقك عويلك إلى الشارع ، وسبقك إلى الشارع كذلك جيران دفعهم شرف الجيرة .. أنقذك ذلك الشيخ الجليل ذو اللحية البيضاء المعتمة :
- يا ابني حرام .. ألست ترى أن لك شرفا وأن لأهلك كرامة ؟ عنيت عبث الشباب ولكنك دفعت الثمن غاليا .. ليست كل امرأة كما تحسب وتظن .. ولئن فقدت هذه المرأة زجها .. فهذا لن يحل لها فقدان شرفها ، النظرة السريعة للمرأة مقياس خاطئ لتحديد ماهيتها .. أسرع يا بني لثدي أمك وارضع.
- عثمان .. لن تذوق للبيرة طعما وهي ساخنة .. الثلاجة ملأى بالخير فاشرب حتى تغتسل من أدران الهموم ..
- لا أبدا .. كنت أفكر في كيف أقضي إجازتي هذا العام .. وأين ؟
- أقضيها بين ضفتي الجزيرة .. أهي طويلة إلى حد السأم ؟
- تشغلني ظروفي المادية ..
- ولا يهمك .. أمامك رجل ..
ودقت صدرها في شهامة حقة ..
قال عثمان في ذات نفسه :
- العيد يقترب .. وتقترب معه المشاكل .. وربما بعد العيد يتم زواج أختي الكبرى .. تهب علي الرياح من الشمال الشرقي جافة كالحديث المر .. وحارة كشوق مكبوت ومرفوض في آن ..
صب كأسا أخرى من البيرة .. وشوشت في فرح وابتلعها عثمان وأعقبها بأخرى ، ثم أخرى وأخرى في تكرار ملتهب مجنون .. ظل لفترة يضحك ثم يهب واقفا .. ثم يجلس .. ثم يرقد على صدر بثينة .. ثم يطفئ النور ويشعله ثانية .. سرور مفاجئ اكتسح عثمان كمن اكتشف شيئا ظل يبحث عنه منذ الأزل .. أشعل سيجارة ونفث دخانها في فم بثينة حتى كحت في مرح .. شعرت به وربما لأول مرة كسيحا إلا من شبابه ومرحه وعفويته .. إرتأت فيه أبعادا وظلالا لا تخلو من الصدق .. وها هو أمامها ينتفض في نشوة ويتلذذ بمداعبتها كأنها عروس يوم واحد .. فرحت من أعماقها وهي تجني ثمار ما بذرت . . لا يهم نوع الثمار ولكنها اللحظة تحس احساس من كان حرا على جبر ، ثم انفك الأسار طليقا لا شائبة فيه ..
- مالك يا عثمان ؟ جننت ؟
قالتها في دعابة ذكية مقصودة ..
- الجنون أنت .. والعذاب أنت .. والحقيقة أنت .. والحرية أنت يا بثينة .. أنت الحقيقة يا عاهرتي .. أنت مثواي الأول والأخير .. المجد للنبت المنحوت من الصخر ، وللصبر الآتي من وادي الجنون .. فلنمتص اللحظة رحيقنا ونستجلب للغد رحيقا آخر ..
جرها عثمان إلى صدره وأطفأ النور وتهشمت زجاجات الخمر مع كؤوسها ..
بشير الطيب
إحدى بنات الليل ظلت ترهق أمسيات عثمان ردحا من الزمن يكاد يتجاوز الربع الأول من عمره .. عثمان نفسه بدأ بطول الوقت يتكئ على تبرير إن بدا منطقيا فكثيرا ما يبدو له واهيا مهزوزا – ها أنا عاجز عن الزواج .. يتسكع على دخلي أبي وأمي وإخوتي الصغار .. ماذا يمكن لي أن أجني من زمن تتسع مساربه لمن يقول نعم حتى في أشد أنواع الرذيلة والخراب النفسي ضلالاً ؟ على الدنيا اللعنة .. وألف لعنة على أزمان يدميها الطاعون ..
لكزته في رفق حين شعرت أنه حلق في غير دنياواتها .. وأن عريها الشفاف لم يعد كافيا ليبذل عليه .. يكفيه ظل جزيرتها الوارف في أمسيات الحزن تلك .. عادت تثيره وتستثيره في بقاع معينة من جسده وفي غنج مموج كمن يحس أن ما ظنه ما استحال – هكذا فجأة- إلى سراب .. انتبه لها ضاحكا مثيرا ومستثيرا هو الآخر في صدق .. وكان هذا ترياق يضاد ، بل ويطرد أزمته العامة والتي يطلق عليها دائما أزمة جذورها ضاربة في أصل الوجود ..ولا حل لها إلا الموت كمدا وحسرة وغلا .
قالت له خليلته بنت ألف ليلة وليلة وقد لفت جسدها بعفاف خجول بأن وضعت ساقا على أخرى ودفست نهديها تحت المخدع :
دعك من التفكير .. ماذا تجني من هواجس الليل وأضغاث الأحلام ؟ ما تجنيه الساعة ماتعا .. وما تتوهم أنك ستجنيه غدا قبض ريح ..
قال لها ووجهه معتمد على راحة يده اليسرى:
- لا بد من شيء نظيف يا بثينة ..
- وما هو الشيء المتسخ عندك ؟
- قلت لا بد من شيء نظيف ..
- خذ كأسك ففي الثمالة تجد ضالتك .. وقلبي لك شراع والجزيرة مرفأه..
وخطف عثمان الكأس من يدها وابتلع ما فيها وتكرع .. وأشعل سيجارة وضحك مرتميا على صدرها في حزن رهيف غائم في دوامة فرحة شبه كاذبة .. وضعت بثينة يدها على ظهره داعبت خدوده بنظراتها ، وبشفتيها عضت أرنبة أنفه في شقاوة الأطفال .. ثم ضحكت بعنف ، وران عليهما في النهاية صمت لا يخلو من كآبة ..
- إذا كان الأمر كذلك فلماذا لم ترني هذا المساء ؟
قلت لها إنني لك حتى النخاع .. وكنت أحس أنني كاذب .. أليست هي واحة يستزيد منها المرء الماء أنى ورد؟ .. خاتم الخطوبة على إصبعها .. هذا حق .. ولكنها تقول إنها تكره خطيبها ، وإن تزوجته فباسم العرف .. ستظل جسدا لزوجها .. جسدا باردا .. وجسدا وروحا ساخنين لي.. يا الله ، ماذا تعني وهي تعرف أنني من ذوي الدخل المحدود ؟ .. حب هذا أم لعنة ؟ أم ذكاء بنت حادة الطبع ؟ .. ما لي ولوظيفتها .. إذ ليس لي من اللحم في النهاية غير العظم .. قبلتها لا تقل متعة عن قبلة بثينة .. وأحيانا تضحي لي أكثر برودا .. حتى جسدها داخل الفستان هو جسد بثينة داخل الفستان . ما الفرق إذن ؟ لكنه تذكر خطابها الساخن له .. كلمات حنون مسكينة تثير الشفقة والعاطفة معا .. ولا تدري أتشفق أنت أم تعطف ؟ وأنت إن أشفقت فقد أذللتها .. وإن تعاطفت فالطريق مسدودة .. ألا تكفي بثينة يا عثمان ؟ .. لا ونعم .. بثينة أثبتها الليل ولا تستقي منه .. وابنة الشمس تلك تصبر حتى على أذى الليل ..
- عثمان .. وين يا أبو الرجال ؟ دعنا نحتسي خمرنا .. مالنا وللعقل ؟ فقد مات على أعتابه الكثيرون .. ضمني إليك وخذ نفسا من سيجارتي .. فعبيقها أنثوي ..
- شكرا يابثينة .. إلا قوليلي .. ماذا لو تزوجنا ؟ على الأقل أهيل على ماضيك ترابا يستحيل إلى هضبة بمرور الزمن ..
- حديثك يخلو من التعزية .. هذا ليس وقت الحزن .. فكر في أننا نقضي أمسياتنا في سعادة .. لا شيء يدوم غير شيء تسرقه في غفلة من الناس .. يكفي أننا نجتهد في بحث النقاء من ركام الأوساخ .. هذا إجتهاد ليته يدوم فنقتات منه لتمشي السفينة في هجيع الليالي وترسو عند الجزيرة متى ضلت طريقها ..
- يبدو يا بثينة أن كل الجذر تتشابه .. فالذي أورثها الخلود والدوام واحد .. غير أن بعضها ينبت ثمارا غير طيب ..
- مثلي أنا ؟
- ومثلي أنا أيضا .. ومثل سواد الناس ..
ندت عن ابن السفاح الذي كان يرقد بعيدا عن أمه صرخة جريئة .. خفت إليه بثينة لاعنة وساخطة حتى استحال ذلك إلى ضربة من يدها قاسية على فخذي الطفل ..
همس عثمان إلى نفسه :
- وهذا أيضا نبت جزيرة عشبها متداول وكثيف ..
ودارت في خاطرة عثمان فكرة أن يتوكل على الله ويتزوج بثينة .. هو يرى أن ذلك أخف ضررا .. وليك زواجا عرفيا غير مسئول ولا تترتب عليه أية مسؤولية أو أي إحساس بها .. وحين يطوقه الملل يجدع بها كالنواة ليبحث عن نواة أخرى ..
انشغل سريعا بخاطر آخر .. تذكر جارته سكينة .. متزوجة من حديث .. حلوة ، ذات تقاطيع أخاذة ووجه مستدير كالبدر ، وصدر بارز لم يحط عليه عبء ثقيل بعد .. تزوجها رجل أعمال ينفق أغلب يومه بالسوق ولكنك يا عثمان قد حدثتها يوما بمنزلكم عن معنى الشرف والكرامة والزهد في خراب البيوت .. لكنها – لا ننسى – قد قالت لي بكل جسدها أن قبرا واحد يطويها ولا تذكر .. بعينيها سرقت مني مذهبي ومثالياتي التي قرأتها في الكتب .. قل إذن إنك خائب يا عثمان .. شغلتك زميلتك المخطوبة بشبابها .. وانشغلت أنت تبحث عن الحقيقة فيها .. ظللت ترتاب للحديث الحلو .. فتظن أن الحلاوة طلاء ، والجوف علقم .. وها هي جارتك تدعو لك دعوة حب مماثلة .. أقدم وجرب فسيتبين لك الخيط أبيض أو أسود أو مشوبا بهذا وذاك .. أنا لا أرتاب ولا أخشى سوى أن أجد نفسي وقد جرفني الطوفان .. والتفت عنقي بحبل أسود ..
تساءلت بثينة :
- ما رأيك في الحياة الزوجية ؟
- لم أتزوج بعد ..
- المرأة لا تخلص .. والرجل يعيش طول العمر في الشك الذي يورده عدم الوفاء .. ليس من شيء أجل مذاقا من الحرية ..
- هل نحن أحرار ؟
- ولم لا ؟ .. نمشي مشوارنا كما نريد نحن .. لا أحد ينتظرك على الرصيف المقابل وحول معصمه ساعة .. مشيرا بها إلى الوقت والميعاد .. كل واشرب واختمر.. وارتمي على صدر بثينة دون أن تشير إلى ساعتك .. قام عثمان في أبعاد المسألة من الأصل وقد تدلى رأسه وكأس الخمر تتلاعب بين يده ..
- حسن .. لماذا هي الأخرى تلح علي بجسدها .. أم ترتو من زوجها ؟ وقد ارتوى من السوق ؟ قالت لي مرة إن بعض الرجال بارد .. وضحكت كمن خجل وحاول أن يغتسل من خجله بضحة عذبة صافية ..
هذا تلميح صريح ودعوة لشبابي كي يضاجع شبابها ويضطجع عليه ومن يدري .. لعله شرك .. لعله نوع من النغمة كرد فعل لتجاهلي لها أول الأمر .. ربما هو نوع من كيد النساء .. لكل شيء سببه ومنفعته .. الصدق المجرد .. الأمانة المجردة .. نوع من الأكاذيب المسكينة .. لكن يا عثمان أين الصدق والأمانة فيما تفعلانه أنت وبثينة ؟ سؤال وجيه .. بثينة لا تعرف شيئا في التجريد والمطلق .. كل شيء عندها ابن لحظته .. لا يهمها إن تزوجنا أو ظللنا هكذا .. وفاؤها ينبت عند اللحظة التي تنسى فيها القيود والماضي والحاضر والمستقبل .. الزمن يتجمد عندها في ضحكة عريضة من بين ذوبان دخان سيجارتها في رذاذ الكأس ، وفي المتعة التي يهبها لها مثلي في الهزيع الأخير من الليل وفي المخدع .. أناتها آنذاك هي طوق النجاة وهي قمة حريتها ..
سارع عثمان وقرصها على خديها .. ثم دعك لها نهديها براحة يده توكيدا منه لها أنه هو أيضا يمكن أن يهبها لحظة سرور .. ثم ارتمي عليها وخطف منها قبلة ذاق لها طعما مريحا تسرب إلى أعماقه ..
- تصور يا عثمان أنني كثيرا ما أفكر في قتل هذا الطفل الشقي فقد أقلق نومي وأزعج أصدقائي .
- القانون لا يبيح ذلك يا بثية .. ثم ما ذنب الطفل ؟
- وما ذنبي أنا ؟
- أنت ولدته وأنت المسؤولة عنه ..
- وأنا من ولدني ومن المسؤول عني الآن ؟
- أنا .. ألا أملأ عينيك .
- حتى تفيضا ..
وضحكت بعمق حتى شهقت .. من أعمق أعماق ذكرياته برزت على السطح حكاية كان عثمان قد ظن أنها اندثرت في تلابيب الزمن .. قبل أربع سنوات خلت وقبل أن يقطن أم درمان كانت الخرطوم بحري مسرحا لحكاية بسيطة هول من شأنها الناس حتى أضحت كالعورة في حياته .. كنت يا عثمان عائدا يومذاك من السينما .. وكانت هي الأخرى كذلك .. جمعكما الشارع في غير ما ترصد أو اتفاق .. حاولت من خيبتك أن تحادثها .. فلذ لها ذلك .. حاولت لمرة ثانية أن تمد لها بسيجارة .. فاعتذرت في رفق .. وساد الصمت .. ورأسك يا عثمان مظاهرة ..من بين هتافاتها أن الصيد أجدى وأحلى وأمتع في ظلمة الليل .. ورائحة الشواء لذيذة على كأس الخمر .. حاولت من خلال المظاهرة أن تتسرب إليها وتأخذ منها موعدا .. وكانت أكثر منك ذكاء .. استحسنت بالفعل منك الدعوة وشكرتك على حسن ذوقك .. ولكنها قالت لك إنها لا تستطيع أن تخرج من منزلها ، وتستطيع أنت أن تعودها وأنت مطمئن .. أرتك المنزل ليلتها يا عثمان من على البعد .. وفي إحدى ساعات الليل من يوم آخر كنت أنت داخل المنزل .. وفي دقائق معدودة يا عثمان سبقك عويلك إلى الشارع ، وسبقك إلى الشارع كذلك جيران دفعهم شرف الجيرة .. أنقذك ذلك الشيخ الجليل ذو اللحية البيضاء المعتمة :
- يا ابني حرام .. ألست ترى أن لك شرفا وأن لأهلك كرامة ؟ عنيت عبث الشباب ولكنك دفعت الثمن غاليا .. ليست كل امرأة كما تحسب وتظن .. ولئن فقدت هذه المرأة زجها .. فهذا لن يحل لها فقدان شرفها ، النظرة السريعة للمرأة مقياس خاطئ لتحديد ماهيتها .. أسرع يا بني لثدي أمك وارضع.
- عثمان .. لن تذوق للبيرة طعما وهي ساخنة .. الثلاجة ملأى بالخير فاشرب حتى تغتسل من أدران الهموم ..
- لا أبدا .. كنت أفكر في كيف أقضي إجازتي هذا العام .. وأين ؟
- أقضيها بين ضفتي الجزيرة .. أهي طويلة إلى حد السأم ؟
- تشغلني ظروفي المادية ..
- ولا يهمك .. أمامك رجل ..
ودقت صدرها في شهامة حقة ..
قال عثمان في ذات نفسه :
- العيد يقترب .. وتقترب معه المشاكل .. وربما بعد العيد يتم زواج أختي الكبرى .. تهب علي الرياح من الشمال الشرقي جافة كالحديث المر .. وحارة كشوق مكبوت ومرفوض في آن ..
صب كأسا أخرى من البيرة .. وشوشت في فرح وابتلعها عثمان وأعقبها بأخرى ، ثم أخرى وأخرى في تكرار ملتهب مجنون .. ظل لفترة يضحك ثم يهب واقفا .. ثم يجلس .. ثم يرقد على صدر بثينة .. ثم يطفئ النور ويشعله ثانية .. سرور مفاجئ اكتسح عثمان كمن اكتشف شيئا ظل يبحث عنه منذ الأزل .. أشعل سيجارة ونفث دخانها في فم بثينة حتى كحت في مرح .. شعرت به وربما لأول مرة كسيحا إلا من شبابه ومرحه وعفويته .. إرتأت فيه أبعادا وظلالا لا تخلو من الصدق .. وها هو أمامها ينتفض في نشوة ويتلذذ بمداعبتها كأنها عروس يوم واحد .. فرحت من أعماقها وهي تجني ثمار ما بذرت . . لا يهم نوع الثمار ولكنها اللحظة تحس احساس من كان حرا على جبر ، ثم انفك الأسار طليقا لا شائبة فيه ..
- مالك يا عثمان ؟ جننت ؟
قالتها في دعابة ذكية مقصودة ..
- الجنون أنت .. والعذاب أنت .. والحقيقة أنت .. والحرية أنت يا بثينة .. أنت الحقيقة يا عاهرتي .. أنت مثواي الأول والأخير .. المجد للنبت المنحوت من الصخر ، وللصبر الآتي من وادي الجنون .. فلنمتص اللحظة رحيقنا ونستجلب للغد رحيقا آخر ..
جرها عثمان إلى صدره وأطفأ النور وتهشمت زجاجات الخمر مع كؤوسها ..