حجر الظلت
28-08-2005, 04:16 PM
إبراهيم عوض ..عزيز دنياي
بقلم : أنس العاقب
كانت خمسينات القرن العشرين تعج بعوامل ومتغيرات اجتماعية وسياسية وثقافية وفنية ، فقد كان السودان في تلك السنوات الحاسمة يتقدم حثيثا نحو الحكم الذاتي ليليه الاستقلال التام في عام 1956م ، وما سبقه وما تلاه من تحولات جذرية في الهيكلة الأفقية والرأسية للثقافة والفنون وإنه لجدير بالملاحظة – إذا صدقت – أن مسارات التغيير السياسي على قوة عنفوانها واختلاف انتماءاتها الفكرية التقليدية والمتردة فإنها لم تجعل من الثقافة والفنون تابعا أعمى يسير في ركابها بلا هدى ولا وعي ، ومما يدلل على ذلك هو تلك العلاقة الواهنة الحذرة بين أهل السياسة وأهل الفن وهي علاقة تأرجحت من الحذر إلى التجاهل ثم من التربص إلى العداء المبطن حينا والسافر أحيانا ، غير أن ذلك كله لم يثن التيارات الثقافية والفنية أخص منها الغناء بألا تقف في إنتظار عفو الساسة والقادة وألا تستسلم لأوهام التجذر في باطن التخلف الاجتماعي ، فكان لا بد للفنون والثقافة أن تحجزا لهما مكانا رحيبا بمساحة السودان كله وشمسه الوضيئة . ثم إن العالم نفسه في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية كان يشهد فورانا لا يتوقف في كل قارات الدنيا سعيا للخروج من محنة الحرب أو طلبا للحرية من قبضة الاستعمار وساعد على ذلك ظهور المعسكر الاشتراكي المحرض والداعم لكل حركات التحرير في العالم .. ثم انطلقت ثورة يوليو 1952م في مصر لتزلزل أركان الواقع السياسي والاجتماعي لا في مصر فحسب ، ولكن في كل أنحاء العالم داعمةً لحركات التحرر السياسي داعمة ومؤسسة لحركة عدم الانحياز فكان لا بد للسودان أن ينفعل بثورة يوليو 1952م التي كان لها دور أساسي في نيل استقلاله .
غنائيا رسخت أقدام المدرسة التجديدية وساخت أقدام مدرسة الحقيبة فلم تستطع أن تتخلص من نمطها الذي اعتادته واعتاده الناس . مدرسة التجديد كان يقودها أحمد المصطفى وحسن عطية والكاشف وعثمان حسين والتاج مصطفى وعبد الحميد يوسف فقد اجتهدوا في تأسيس أسلوب موسيقي غنائي ما انفك مبتعدا عن قالب الغناء الذي وصفه سرور وأبدع فيه كرومة ، ومع أن خليل فرح كان هو المبشر الوحيد بالمدرسة التجديدية إلا أن أسلوبه والقفزة التي جاء بها في أغنية عزة كانت أبعد من أن يتحملها الفكر التجديدي الذي سيطرت عليه مدرسة الحقيبة ، وبانتشار الأغنية الفنية الجديدة ( الحديثة ) وتأكيد مسارها الأفقي إنتاجا والرأسي أداءً بفرقة موسيقية يتزايد عدد أعضاؤها ثم خروج الغناء إلى عامة الناس في الإذاعة والحفلات واحتدام التنافس بين مطربي الجيل الأول من المجددين في هذا الخضم ظهر إبراهيم عوض .
كان لإبراهيم عوض ظهور أول في عام 1953م مرافقا للمطربين الجدد ، سيد خليفة وصلاح محمد عيسى ، وأجيز صوته ولكن لم يجد حظه من الشهرة ولربما يعود ذلك إما لأن المطرب الجديد إرتكز على الأسلوب التقليدي في تقديم نفسه ، أو لربما كانت تجربة المطرب الشاب سيد خليفة أكثر نضجا باعتبار نشاطه المكثف في مصر وقربه من إذاعة ركن السودان في القاهرة واحتفاء الأوساط الفنية بسيد خليفة في مناسبات عديدة .
أما الظهور الثاني كما ورد في كتاب ( أنا أمدرمان تاريخ الموسيقى في السودان – د. الفاتح الطاهر ص 92) فقد جاء أن انطلاقته الفعلية كانت في نهاية عام 1955م مع بشريات الاستقلال . إذن فمثلما جاء ظهور عبد الحليم حافظ مع انطلاقة ثورة يوليو 1952م وأصبح أحد أهم رموزها فإن إبراهيم عوض هو في الحقيقة من مواليد الاستقلال فنيا ولذلك فقد صعد إبراهيم عوض مسرح الغناء في تمرد واثق لم يأبه فيه للكيد والدس والتشكيك رغما عن الجماهيرية الكاسحة التي وجدها إبراهيم من المستمعين الشباب من الجنسين على وجه الخصوص.
لم يكن الإستقلال السياسي يعني فقط التحرر من قبضة الاستعمار لشباب الخمسينات ، بل كان يعني أيضا الإنعتاق من الفكر التقليدي وقيود المجتمع المحافظ وهيمنة التبعية الفكرية والسياسية للطائفية والتقليدية والنفور المفتعل بين السياسي والفنان ، فكان ظهور إبراهيم تحديا لهذا الواقع ليس فقط في المظهر الجديد الأخاذ الذي لم يعتاده المطربون ولم يألفه الناس ، ولكن أيضا في نزعة غنائية كانت أيضا متمردة خصوصا في شعرها ومعانيها وكثير من ألحانها وإيقاعاتها . أما أداء إبراهيم عوض فقد اتسم بأسلوبين : أولهما صوته المتفرد واسع المساحة واضح النبرات ذو النفس الطويل والقدرة التعبيرية التي تنتقل بين مدى الحدة والغلظة في سهولة ويسر ولولا صوته المتفرد وعبقريته في الأداء والتعبير ما كان ممكنا لإبراهيم عوض أن يقف لأول وهلة نداً للمطربين الكبار ولا أجد حرجا في أن أؤكد – وهذه قناعتي – أن ظهور إبراهيم عوض كان على حساب معجبي أحمد المصطفى الذي ظل عطاؤه الغنائي يهيمن على جمهرة الشباب عموما فبينما اتسم أداء أحمد المصطفى بالوقار والهدوء في مساحة صوتية محدودة جاء إبراهيم عوض ليغني بصوت عالٍ وبأداء راقص جاذب بل وبمعاني جديدة استجابت لنوازع التمرد الوجداني والعاطفي والتأكيد على الواقع الاجتماعي بما فيه من تناقض وتضاد ، فبينما تقول كلمات أحمد المصطفى " يا ظبية سارحة وين في الوديان مع الغزلان" أو " أيام بتمر وراها ليالي سقتني المر وأبت تصفالي " أو " قربه يحنن وبعده يجنن ... الهين ولين وديع وحنين شغل بالي " وكل أغانيه القصار الراقصة فإن إبراهيم عوض يختزل المسافة ويعلن بوضوح ماكان يجب ألا يقال إلا خفية " ليه تعتذر لي .. أنا ما بكن ليك غير كل حنية .. من قلبي وعيني " أو " ليه تظلمني ليه تظلمني في هواك أنا ليه بتلومني " أو " ياخائن " أو " حبيبي جنني وغير حالي " وكثير من الأغاني التي اخترق بها إبراهيم عوض حائط الصمت والخوف ، فقد قدم نفسه للحركة الغنائية الموسيقية بأسلوب عصري واقعي ومتجدد ، بل إنتهج نفس النهج محافظا على أسلوبه التجديدي وبلاغة تعبيره الصوتي فقد امتدت تجربة إبراهيم عبر العقود الخمسة المنصرمة وقد تلاقت فيها أشعار وألحان المرحلة الأولى للعبقري عبد الرحمن الريح وتداخلت معه تجربة الشاعر الملحن الأول التي قدمها كمرحلة متقدمة جدا الأستاذ الطاهر إبراهيم واتسعت لتشمل أجمل الأغاني التي كتبها سيف الدين الدسوقي والمجال لا يسع للكتابة عن إبراهيم عوض ونصف قرن من الإبداع .. عسير علي أن أخوض لوحدي في هذا البحر الزاخر بالكنوز والدرر ولا أستطيع الغوص فيه .. إنّ إبراهيم عوض – متعه الله بالصحة والعافية – كتاب كبير ليس بمقدوري إلا أن أقول فيه كلمة أو كلمتين .. وبصدق وبحب .
بقلم : أنس العاقب
كانت خمسينات القرن العشرين تعج بعوامل ومتغيرات اجتماعية وسياسية وثقافية وفنية ، فقد كان السودان في تلك السنوات الحاسمة يتقدم حثيثا نحو الحكم الذاتي ليليه الاستقلال التام في عام 1956م ، وما سبقه وما تلاه من تحولات جذرية في الهيكلة الأفقية والرأسية للثقافة والفنون وإنه لجدير بالملاحظة – إذا صدقت – أن مسارات التغيير السياسي على قوة عنفوانها واختلاف انتماءاتها الفكرية التقليدية والمتردة فإنها لم تجعل من الثقافة والفنون تابعا أعمى يسير في ركابها بلا هدى ولا وعي ، ومما يدلل على ذلك هو تلك العلاقة الواهنة الحذرة بين أهل السياسة وأهل الفن وهي علاقة تأرجحت من الحذر إلى التجاهل ثم من التربص إلى العداء المبطن حينا والسافر أحيانا ، غير أن ذلك كله لم يثن التيارات الثقافية والفنية أخص منها الغناء بألا تقف في إنتظار عفو الساسة والقادة وألا تستسلم لأوهام التجذر في باطن التخلف الاجتماعي ، فكان لا بد للفنون والثقافة أن تحجزا لهما مكانا رحيبا بمساحة السودان كله وشمسه الوضيئة . ثم إن العالم نفسه في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية كان يشهد فورانا لا يتوقف في كل قارات الدنيا سعيا للخروج من محنة الحرب أو طلبا للحرية من قبضة الاستعمار وساعد على ذلك ظهور المعسكر الاشتراكي المحرض والداعم لكل حركات التحرير في العالم .. ثم انطلقت ثورة يوليو 1952م في مصر لتزلزل أركان الواقع السياسي والاجتماعي لا في مصر فحسب ، ولكن في كل أنحاء العالم داعمةً لحركات التحرر السياسي داعمة ومؤسسة لحركة عدم الانحياز فكان لا بد للسودان أن ينفعل بثورة يوليو 1952م التي كان لها دور أساسي في نيل استقلاله .
غنائيا رسخت أقدام المدرسة التجديدية وساخت أقدام مدرسة الحقيبة فلم تستطع أن تتخلص من نمطها الذي اعتادته واعتاده الناس . مدرسة التجديد كان يقودها أحمد المصطفى وحسن عطية والكاشف وعثمان حسين والتاج مصطفى وعبد الحميد يوسف فقد اجتهدوا في تأسيس أسلوب موسيقي غنائي ما انفك مبتعدا عن قالب الغناء الذي وصفه سرور وأبدع فيه كرومة ، ومع أن خليل فرح كان هو المبشر الوحيد بالمدرسة التجديدية إلا أن أسلوبه والقفزة التي جاء بها في أغنية عزة كانت أبعد من أن يتحملها الفكر التجديدي الذي سيطرت عليه مدرسة الحقيبة ، وبانتشار الأغنية الفنية الجديدة ( الحديثة ) وتأكيد مسارها الأفقي إنتاجا والرأسي أداءً بفرقة موسيقية يتزايد عدد أعضاؤها ثم خروج الغناء إلى عامة الناس في الإذاعة والحفلات واحتدام التنافس بين مطربي الجيل الأول من المجددين في هذا الخضم ظهر إبراهيم عوض .
كان لإبراهيم عوض ظهور أول في عام 1953م مرافقا للمطربين الجدد ، سيد خليفة وصلاح محمد عيسى ، وأجيز صوته ولكن لم يجد حظه من الشهرة ولربما يعود ذلك إما لأن المطرب الجديد إرتكز على الأسلوب التقليدي في تقديم نفسه ، أو لربما كانت تجربة المطرب الشاب سيد خليفة أكثر نضجا باعتبار نشاطه المكثف في مصر وقربه من إذاعة ركن السودان في القاهرة واحتفاء الأوساط الفنية بسيد خليفة في مناسبات عديدة .
أما الظهور الثاني كما ورد في كتاب ( أنا أمدرمان تاريخ الموسيقى في السودان – د. الفاتح الطاهر ص 92) فقد جاء أن انطلاقته الفعلية كانت في نهاية عام 1955م مع بشريات الاستقلال . إذن فمثلما جاء ظهور عبد الحليم حافظ مع انطلاقة ثورة يوليو 1952م وأصبح أحد أهم رموزها فإن إبراهيم عوض هو في الحقيقة من مواليد الاستقلال فنيا ولذلك فقد صعد إبراهيم عوض مسرح الغناء في تمرد واثق لم يأبه فيه للكيد والدس والتشكيك رغما عن الجماهيرية الكاسحة التي وجدها إبراهيم من المستمعين الشباب من الجنسين على وجه الخصوص.
لم يكن الإستقلال السياسي يعني فقط التحرر من قبضة الاستعمار لشباب الخمسينات ، بل كان يعني أيضا الإنعتاق من الفكر التقليدي وقيود المجتمع المحافظ وهيمنة التبعية الفكرية والسياسية للطائفية والتقليدية والنفور المفتعل بين السياسي والفنان ، فكان ظهور إبراهيم تحديا لهذا الواقع ليس فقط في المظهر الجديد الأخاذ الذي لم يعتاده المطربون ولم يألفه الناس ، ولكن أيضا في نزعة غنائية كانت أيضا متمردة خصوصا في شعرها ومعانيها وكثير من ألحانها وإيقاعاتها . أما أداء إبراهيم عوض فقد اتسم بأسلوبين : أولهما صوته المتفرد واسع المساحة واضح النبرات ذو النفس الطويل والقدرة التعبيرية التي تنتقل بين مدى الحدة والغلظة في سهولة ويسر ولولا صوته المتفرد وعبقريته في الأداء والتعبير ما كان ممكنا لإبراهيم عوض أن يقف لأول وهلة نداً للمطربين الكبار ولا أجد حرجا في أن أؤكد – وهذه قناعتي – أن ظهور إبراهيم عوض كان على حساب معجبي أحمد المصطفى الذي ظل عطاؤه الغنائي يهيمن على جمهرة الشباب عموما فبينما اتسم أداء أحمد المصطفى بالوقار والهدوء في مساحة صوتية محدودة جاء إبراهيم عوض ليغني بصوت عالٍ وبأداء راقص جاذب بل وبمعاني جديدة استجابت لنوازع التمرد الوجداني والعاطفي والتأكيد على الواقع الاجتماعي بما فيه من تناقض وتضاد ، فبينما تقول كلمات أحمد المصطفى " يا ظبية سارحة وين في الوديان مع الغزلان" أو " أيام بتمر وراها ليالي سقتني المر وأبت تصفالي " أو " قربه يحنن وبعده يجنن ... الهين ولين وديع وحنين شغل بالي " وكل أغانيه القصار الراقصة فإن إبراهيم عوض يختزل المسافة ويعلن بوضوح ماكان يجب ألا يقال إلا خفية " ليه تعتذر لي .. أنا ما بكن ليك غير كل حنية .. من قلبي وعيني " أو " ليه تظلمني ليه تظلمني في هواك أنا ليه بتلومني " أو " ياخائن " أو " حبيبي جنني وغير حالي " وكثير من الأغاني التي اخترق بها إبراهيم عوض حائط الصمت والخوف ، فقد قدم نفسه للحركة الغنائية الموسيقية بأسلوب عصري واقعي ومتجدد ، بل إنتهج نفس النهج محافظا على أسلوبه التجديدي وبلاغة تعبيره الصوتي فقد امتدت تجربة إبراهيم عبر العقود الخمسة المنصرمة وقد تلاقت فيها أشعار وألحان المرحلة الأولى للعبقري عبد الرحمن الريح وتداخلت معه تجربة الشاعر الملحن الأول التي قدمها كمرحلة متقدمة جدا الأستاذ الطاهر إبراهيم واتسعت لتشمل أجمل الأغاني التي كتبها سيف الدين الدسوقي والمجال لا يسع للكتابة عن إبراهيم عوض ونصف قرن من الإبداع .. عسير علي أن أخوض لوحدي في هذا البحر الزاخر بالكنوز والدرر ولا أستطيع الغوص فيه .. إنّ إبراهيم عوض – متعه الله بالصحة والعافية – كتاب كبير ليس بمقدوري إلا أن أقول فيه كلمة أو كلمتين .. وبصدق وبحب .