المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ذكرى أيام العاصمة


حجر الظلت
28-08-2005, 04:12 PM
ذكرى أيام العاصمة
عبد الله رجب
نحن في سنة 1931م وأنا أشتغل بمحل أحد كبار تجار سنجة أولا والسودان ثانيا ... بدأنا نسمع بكلمة غريبة جديدة وهي " الأزمة " ويقولون أحيانا " الأزمة الاقتصادية " بدأت الحكومة تطرد صغار موظفيها السودانيين وبدأ التجار يقلدونها وكنت أحد أولئك المطرودين . كان صاحب العمل يحبني لأني كنت دقيقا في عملي نشيطا فيه ، ثم بدأ يكرهني لأني أقرأ كثيرا ولكنه لم يشأ أن يطردني بصراحة ..
بدأت مصلحة البوستة في نشر شبكة جديدة من التلفونات ، وحيث أن مخدومي هو من أوائل المشتركين فإن مفتش التلفونات ووكيل البوستة يزورونه ، سمع منهم أنهم في حاجة إلى شاب يقوم بوظيفة المودموزيل في السنترال الجديد ، فقال لهم أن كاتب هذه السطور لازم له ولكنه يتنازل عنه للمصلحة العامة أولا ولمصلحة الشاب نفسه ثانيا ، فقبلوا وقبلت . قبل إيجاد هذا السنترال كان بسنجة سنترال محلي صغير ببناية المديرية ، ويدير السنترال أحد " المراسلات" أرسلني وكيل البوستة إلى المراسلة إياه ليمرنني على تأدية العمل ، وهناك أخبرني صديقي المراسلة بمهمتي وآمالي بنفس مستوى الصراحة التي أتحدث بها الآن إلى أصدقائي القراء ، وقد بدأ فعلا يمرنني حتى وصلت درجة من الدربة سوغت له أن يستأذن في الصعود إلى الطابق الثاني من العمارة .. بعد لحظات ضربت نمرة نائب المدير وأمرني (سعادته) أن أعطيه ( البوستة ) ففعلت راجعا ، وبعد دقائق ضرب لي وكيل البوستة طالبا مني العودة إليه ، وهناك أخبرني أن نائب مدير المديرية طلب استخدام نفس العامل الذي يدير السنترال المحلي لأنه أخبر وأرخص .
ولما عدت إلى صاحب عملي القديم وأفهمته بما جرى لوى وجهه عني ، فعرفت أن في الأمر (( أزمة اقتصادية )) .
إن شقيقي الأصغر قد ظل سنة وهو يعمل في قرية بجوار الرصيرص ، لكن والدتي تأبى أن تسمح لي برحلة مماثلة . إنها تحبني أكثر من شقيقي وهذا الحب الأموي هو الذي أفسدني كما يدعي المحلل النفساني الذي عرفته في السنوات الأخيرة . ظللت أياما ألح علي الوالدة لتسمح لي بالسفر فتأبى .. وأخيرا أسرق الكتب إلى السوق ثم أشتري لي صندوق ملابس صغيرا من أحد النجارين ، ثم أسرق الملابس ، ثم أرى أن (الفردة) الضخمة لا تخرج من (طاقتنا) الصغيرة فأتخلى عنها . ثم أسرق جنيها من مال كان بالبيت ، وكنت شريكا في ادخاره ، ثم أسدد دينا كان علي لا يتجاوز 25 مليما ، ثم أركب السيارة إلى مكوار التي بدأوا يسمونها سنار .
وهناك بت في الوكالة ، ورسم المبيت قرش صاغ ، وفي الليل شعرت بأحد الرجال الذين كانوا نائمين في نفس الموضع يتحسس (جزلاني) فنهضت (على حيلي) فإذا به يعود إلى (عنقريبه) مسرعاً ، وفي الصباح غسلت ملابسي بالسوق والتقيت بشاب أعرفه زودني ببسائط المعلومات عن الخرطوم وأم درمان ، كما التقيت برجل آخر تطوع فكتب خطاب توصية للعمل بواد مدني ، فقد كنت مترددا في تبيان وجهتي ، وذلك لأقطع السبيل على أهلي أحيانا أقول أنا ذاهب إلى (الأزهر) وأحيانا أقول إلى (الجامع) بأم درمان .
وفي واد مدني بت بالوكالة أيضا على الرغم من وجود عديد من أهلي . ثم وصلت عصرا إلى الخرطوم لأول مرة ، فأدركت من تعداد الخواجات بها أن ليس لي مكان فيها ، فذهبت بالترام الذي أرشدت إليه إلى أم درمان ، وجلست في أحد المقاهي لأستريح وشربت شايا وأكلت كيكا وبرتقالا ، ثم سألت عن وكالة فقيل لي ليس بأمدرمان من وكالة ، فلجأت إلى صاحب أحد الدكاكين أرجوه إيداع صندوقي هذا للصباح فأبى ، وقيل لي أن أصحاب الدكاكين يرفضون الودائع لأن اللصوص عادة ( يخفون الأثر بالتخزين لديهم ) .
حملت الصندوق ( ودقشت الحلة ) ومررت بجامع فطلبت أن أنام فطردوني ، فطلبت ترك الصندوق فأبوا ، ومررت بأكثر من مقهى ، وجلست لأستريح ، وكان القوم يقامرون ، فيسترحمون بي ، ويبعثون الجرسون إلي فأطلب الشاي مكرها وأتجرعه ولا أكاد أبلعه ثم احمل أوزاري وأسير .
ورأيت سيرة عرس نساؤها يغنين ( جينا فوق عزنا وقبيلة لا تهزنا .. إلخ ) فتبعتها وكان العريس يركب فرسا مفروشا على ظهره ( القرمصيص) وبعد أن سرت مع السيرة شوطا طويلا تخلف منها ثلاثة نسوة فقالت لي إحداهن ويحك يا فتى :
اذهب بالصندوق إلى بيتكم ثم عد إلى السيرة ، فرميت بالصندوق (تج) إلى الأرض وقلت وأنا ألهث – وأين أجد أصحابي ولا أعرف أين أضع الصندوق ولا أين أنام . قالت إحداهن سر بهذا الشارع ثم نم في جامع السيد عبد الرحمن ، قلت لها لا أعرف إذا كانت هناك عناقريب مفروشة في الجامع المذكور أم لا ، ولكن في بعض الجوامع طردوني .
قالت أخرى : هل جئت من سنجة ؟ وهل تعرف فلانا ؟ وهل هو صحيح ؟ فأجبتها بالإيجاب ووصفته جيدا ، وكنت لا أذكى من أن أقول لها أنه يسلم عليها .
فرق قلبها وقالت لزميلتها : تالله لنأخذنه لينام بالديوان مع الفتيان ، فحمدت الله وأدركت أن ترديدي لآية الكرسي لم يذهب عبثا .
وكان الديوان رفع الله -عماده- عبارة عن مصنع نهاري للمراكيب يستخدم ليلا للنوم ، وكانت " القرم " تقوم بوظيفة الطقاطيق جيدا ، تعشيت معهم على قلة حاجتي بملاح " أم رقيقة "
جيد الصنع ، وأديت الصلاة التي كنت أنوي أن أضرب عنها إلى الأبد لو حدث لي في تلك الليلة حادث ، وكانوا قوما كراما – هل يتصور القارئ إن في ذلك الصباح الباكر جاء أحد الفتيان من أهل الدار بقراصة القمح المترعة سمنا وعسلا وهو ضاحك السن يتلقى تهاني الزملاء والجيران على الوليد الذي رزق به في ذلك الصباح ، ثم يقول المرة بعد المرة ( الخير علي قدوم الواردين ) .
في الصباح تطوع أحدهم أن يوصلني لمحل يونس بأم درمان حيث كان لي به صديق بحكم ما صار فيما بعد ، لأنه حتى ذلك اليوم لم يكن سوى واحد من أهالي قرية بينها وبين سنجة لجة النيل زائدة بضعة أميال ، ولم أره سوى مرة واحدة .
وبعد أن تركني مرشدي علمت أن الصديق الذي أبحث عنه غائب منذ يومين . حملت صندوقي وذهبت الخرطوم وصرت أتسكع من برندة إلى برندة ثم وقفت أمام مكتب محمود عزت المغني لا ستمع إلى أسطوانة جديدة على الرغم من أني لا أحسن الغناء ولا أحسن السماع – ولكن الصدفة السعيدة ربما بسبب آية الكرسي قد جعلتني ألتقي بصديقي (عثمان) الذي أنشده ، ولكنني وجدته محنقا على ريال (عشرة قروش) سقط منه ، وبعد أن عزيته أخذني إلى أمدرمان وأنبأني أنه كان بالخرطوم لأنه يسعى للإلتحاق بقسم العرفان (المعلمين) فشجعته وتمنيت له أن يصير وزير معارف فإنني أن أذكر أني في بالخرطوم طردت من أمام الحلواني ( بار اللورد بايرن ) مع أننا نرى هذا المحل في هذه الأيام مرتعا لباعة ( السجاير ولعة ) وأصحابهم الذين لا (يتاوقون) فقط بل يجلسون ويشربون البيرة .
وفي أم درمان أخذنا عثمان لأتعشى في السوق وطلب لي صنفا أستطيبه في تلك الأيام اسمه (سركينة) ثم صار أخيرا يسمى (سلكيمة) وكان المطعم مزينا بعدة لوحات مكتوب عليها (اتق شر من أحسنت إليه) قرأها صديقي عدة مرات بصوت مسموع ولم أجرؤ على سؤاله عن السبب في ترديدها .
ثم بت ليالي كنت أسير وإياه في النهار إلى مكان عمله وقد يجد لي عملا بتسعين قرشا في أحد المحلات التجارية ، وقال لي (تمسك به حتى يعرفك الناس) .
ثم اعتذر الخواجة وطبعا كان السبب هو أزمة 1931م الاقتصادية ، ثم فكر عثمان في أن يسعى في تعييني كمساريا بالترام فصرت ليالي أحلم بالطربوش والصفارة ( وفي تلك الأيام لم يسترق موظفوا الحكومة أنفسهم إلى "أف" ودعك من الكماسرة ).
ثم علمت أن أهلي قد جندوا حملة كاملة مؤلفة من عدة أشخاص متعقبة أثري ، ففضلت العودة ناسيا الأزهر والمعهد والعاصمة واستقريت بالسوكي .