حجر الظلت
27-08-2005, 02:20 PM
الجهبذ النحرير أقيانوس العلم
بقلم : عوض أحمد الضوء*
في عام 1952م ونحن في السنة النهائية بمعهد بخت الرضا أطل علينا الدكتور عبدالله الطيب وكان قد عاد حديثا من بريطانيا بعد أن نال درجة الدكتوراة ومعه زوجته الإنجليزية جرازيلدا وكانت نحيفة وتلبس جلبابا بأكمام وطرحة على الرأس . جاء عبد الله الطيب ليدرسنا مادة الأدب العربي بعد أن لم يجدوا له مكانة في كلية الخرطوم الجامعية آنذاك بسبب سيطرة الأجانب على الجامعة فكلية الآداب بها الدكتور محمد النويهي المصري الجنسية والدكتور إحسان عباس الفلسطيني الجنسية وغيرهما آخرون .
كنا محظوظين أن نكون أول دفعة يدرسها الدكتور عبد الله الطيب بعد نيله الدكتوراة وقبل أن يلتحق بجامعة الخرطوم . كان الدكتور يأتي إلى الفصل وليس بيده مذكرة أو محاضرة مكتوبة ويظل لساعة أو أكثر يتدفق علما ويستطرد في موضوعات شتى في التاريخ واللغة ويقارن بين نحو علماء الكوفة وعلماء البضرة وقضية الكحل وقضية الزنبور والعقرب من القضايا النحوية المشهورة ، ثم يأتي في محاضرة أخرى ليتحدث عن شعر أبي تمام وشعر المتنبئ وشعر أبي العلاء ويدخل بنا في العروض من بحر الرجز إلى بحر المتقارب وقرع الناقوس ، ويدلف بنا إلى أبي العتاهية وبخله وحياته في صباه وزهده . نجلس نحن مبهورون مستمعون إلى هذا الأستاذ الذي جاء من إنجلترا والذي يحفظ كل شيء من شعر وقرآن وتاريخ ولا يرجع إلى مرجع أو مذكرة .
والحقيقة أن طريقته كانت مختلفة عن طرائق جميع من درسنا الأدب مثل الدكتور أحمد الطيب والأستاذ عبد الرحيم الأمين " المعلم " وغيرهما . كان عبد الله الطيب جذابا وترتسم على وجهه ابتسامة دائمة وهو يحاضر ويتنقل بك من موضوع إلى آخر فلا تشعر بالملل .
كنت في تلك السنوات المبكرة قد بدأت في نظم الشعر ، وأذكر أن أول قصيدة ناضجة نظمتها عنوانها " ثورة " وذلك إبان غليان الحركة الوطنية الساعية إلى استقلال السودان ، وكان أول بيت فيها يقول :
يا بني السودان ذودوا
عن حمى النيل وسودوا
عرضتها على الدكتور عبد الله الطيب فلم يعدل فيها إلا كلمة واحدة وهي كلمة " وسودوا " فأصبح البيت يقرا هكذا :
يا بني السودان ذودوا
عن حمى النيل تسودوا
فرحت أيما فرح بهذه الإجازة وكان ذلك دافعا قويا لي لمتابعة نظم الشعر . ثم تخرجنا بعد ذلك من معهد بخت الرضا وخضنا غمار الحياة وانتقل الدكتور عبد الله الطيب إلى جامعة الخرطوم وكان من حظي أن أعمل كل فترة العمل بالتدريس في العاصمة مما أتاح لي الإلتقاء به في صيدلية العاصمة المثلثة حيث كانت جماعة الأدب السوداني تجتمع وفيها منبر صالح عبد القادر الأديب " المقاتل " والدكتور عبد الله الطيب ومحمد المهدي المجذوب المعروف بالشعبي ومحمد محمد علي وبابكر أحمد موسى وغيرهم .
لقد كانت حقبة ثرة وثرية بالمناظرات الأدبية والفكرية وانتعشت فيها الجمعيات الأدبية مثل الندوة الأدبية بأمدرمان وجماعة الأدب السوداني بالخرطوم وغيرهما .
ألا رحم الله ذلك العهد ورحم أستاذنا العالم الجليل الجهبذ النحرير أقيانوس العلم الدكتور عبد الله الطيب .
• سفير "م"
------
الرأي العام العدد 2115 ، السبت 5 يوليو 2003م ، الموافق 6 جمادي الأول ، 1424م .
•
بقلم : عوض أحمد الضوء*
في عام 1952م ونحن في السنة النهائية بمعهد بخت الرضا أطل علينا الدكتور عبدالله الطيب وكان قد عاد حديثا من بريطانيا بعد أن نال درجة الدكتوراة ومعه زوجته الإنجليزية جرازيلدا وكانت نحيفة وتلبس جلبابا بأكمام وطرحة على الرأس . جاء عبد الله الطيب ليدرسنا مادة الأدب العربي بعد أن لم يجدوا له مكانة في كلية الخرطوم الجامعية آنذاك بسبب سيطرة الأجانب على الجامعة فكلية الآداب بها الدكتور محمد النويهي المصري الجنسية والدكتور إحسان عباس الفلسطيني الجنسية وغيرهما آخرون .
كنا محظوظين أن نكون أول دفعة يدرسها الدكتور عبد الله الطيب بعد نيله الدكتوراة وقبل أن يلتحق بجامعة الخرطوم . كان الدكتور يأتي إلى الفصل وليس بيده مذكرة أو محاضرة مكتوبة ويظل لساعة أو أكثر يتدفق علما ويستطرد في موضوعات شتى في التاريخ واللغة ويقارن بين نحو علماء الكوفة وعلماء البضرة وقضية الكحل وقضية الزنبور والعقرب من القضايا النحوية المشهورة ، ثم يأتي في محاضرة أخرى ليتحدث عن شعر أبي تمام وشعر المتنبئ وشعر أبي العلاء ويدخل بنا في العروض من بحر الرجز إلى بحر المتقارب وقرع الناقوس ، ويدلف بنا إلى أبي العتاهية وبخله وحياته في صباه وزهده . نجلس نحن مبهورون مستمعون إلى هذا الأستاذ الذي جاء من إنجلترا والذي يحفظ كل شيء من شعر وقرآن وتاريخ ولا يرجع إلى مرجع أو مذكرة .
والحقيقة أن طريقته كانت مختلفة عن طرائق جميع من درسنا الأدب مثل الدكتور أحمد الطيب والأستاذ عبد الرحيم الأمين " المعلم " وغيرهما . كان عبد الله الطيب جذابا وترتسم على وجهه ابتسامة دائمة وهو يحاضر ويتنقل بك من موضوع إلى آخر فلا تشعر بالملل .
كنت في تلك السنوات المبكرة قد بدأت في نظم الشعر ، وأذكر أن أول قصيدة ناضجة نظمتها عنوانها " ثورة " وذلك إبان غليان الحركة الوطنية الساعية إلى استقلال السودان ، وكان أول بيت فيها يقول :
يا بني السودان ذودوا
عن حمى النيل وسودوا
عرضتها على الدكتور عبد الله الطيب فلم يعدل فيها إلا كلمة واحدة وهي كلمة " وسودوا " فأصبح البيت يقرا هكذا :
يا بني السودان ذودوا
عن حمى النيل تسودوا
فرحت أيما فرح بهذه الإجازة وكان ذلك دافعا قويا لي لمتابعة نظم الشعر . ثم تخرجنا بعد ذلك من معهد بخت الرضا وخضنا غمار الحياة وانتقل الدكتور عبد الله الطيب إلى جامعة الخرطوم وكان من حظي أن أعمل كل فترة العمل بالتدريس في العاصمة مما أتاح لي الإلتقاء به في صيدلية العاصمة المثلثة حيث كانت جماعة الأدب السوداني تجتمع وفيها منبر صالح عبد القادر الأديب " المقاتل " والدكتور عبد الله الطيب ومحمد المهدي المجذوب المعروف بالشعبي ومحمد محمد علي وبابكر أحمد موسى وغيرهم .
لقد كانت حقبة ثرة وثرية بالمناظرات الأدبية والفكرية وانتعشت فيها الجمعيات الأدبية مثل الندوة الأدبية بأمدرمان وجماعة الأدب السوداني بالخرطوم وغيرهما .
ألا رحم الله ذلك العهد ورحم أستاذنا العالم الجليل الجهبذ النحرير أقيانوس العلم الدكتور عبد الله الطيب .
• سفير "م"
------
الرأي العام العدد 2115 ، السبت 5 يوليو 2003م ، الموافق 6 جمادي الأول ، 1424م .
•