المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : عبد الله الطيب .. هوية عروبة السودان وأوراقها الثبوتية


حجر الظلت
27-08-2005, 02:11 PM
الإخوة أعضاء وزوار السودان أون لاين
هذا المقال نشرته صحيفة الرأي العام بعد رحيل البروفسور عبد الله الطيب وها نحن نعيد نشره هنا للتاريخ والذكرى .
والمقال بعنوان

عبد الله الطيب .. هوية عروبة السودان وأوراقها الثبوتية
بقلم الأستاذ : محمد خير البدوي*
--------
شيعت العاصمة في مشهد مهيب عصر الخميس 19 يونيو المرحوم البروفسور عبد الله الطيب إلى مثواه الأخير بمقابر الختمية في الخرطوم بحري . ترى هل ضاقت ساحة جامعة الخرطوم العتيدة عن مرقد لجثمانه الطاهر وهي التي عرفته طالبا متلقيا للعلم وحلق بها أستاذا معلما إلى سماوات وآفاق ما كانت لترتادها لولاه .
قلت للعميد قاسم بدري الذي كان واقفا إلى جانبي متسائلا : ترى هل يدرك هؤلاء القوم إنما يودعون تحت التراب هوية عروبتهم والأوراق الثبوتية التي تؤكد انتسابنا إلى يعرب ؟؟
الخرطوم تأتي ضمن العواصم الأفريقية في النشرة الجوية التي يقدمها تلفزيون الجزيرة !!
وأحد زملائي العرب في إذاعة لندن سألني مرة : أين تعلمت اللغة العربية ؟ ظنا منه أننا في السودان نتحدث لغة أخرى ، فأجبته بأني تعلمتها خلال عملي كبائع فستق العبيد في عاصمة بلاده .. وفستق العبيد هو الاسم الشائع في المشرق العربي للفول السوداني الذي يباع كتسالي مع حب البطيخ والقرع في معظم عواصمه . وليس زميلي حالة معزولة منفردة وإنما يشاركه في مثل هذه التساؤل الساذج الفج كثيرون من العرب والأجـانب . وعندما اعتلى محمد أحمد المحجوب منبر الأمم المتحدة في حقبة الستينات ناطقا باسم العرب ومدافعا عن قضاياهم أبدى بعض العرب تضايقا وعز على أحفاد سحبان بن وائل أن يكون خطيبهم في المحافل الدولية سودانية أسمر اللون!! ولكن البلد الذي أنجب عالما فذا في اللغة العربية وتاريخ الأدب في قامة فقيدنا عبد الله الطيب لا يمكن أن يكون أهله إلا عربا أقحاحا ومن الخضر الجلاعيد .
إن الأمة العربية لم تعرف منذ عهد سبويه والأصمعي عالما بأسرار اللغة العربية ودررها شعرا ونثرا وتاريخا ونوادر في مقام فقيدنا ولا يساوي العالمان اللغويان الكرملي واليازجي اللذان يفاخر بهما المشرق العربي قلامة ظفر لدى مقارنتهما مع فقيدنا ابن الدامر وسليل السادة المجاذيب . قلت هذا في صالون العقاد في القاهرة عام 1960م وأبدى صاحب الصالون ارتياحا عندما قلت أن اليازجي والكرملي عالمان يتقيآن ما يقرآنه في آخر اليوم أمام جلسائهما وتلاميذهما أو في ما يكتبان ، أما عبد الله الطيب فإنه يقدم لهم علمه بعد تلوينه وتذويقه ومعالجته بالبهارات وهضمه في صحاف من ذهب على مائدة سيقانها من لؤلؤ ومرجان فقد كان طلق اللسان في حديثه طلاوة وحلاوة يختار كلماته اختيارا دقيقا فتشق طريقها سربا إلى المسامع لتستقر في القلوب .
ومن المفارقات الساخرة أن لعبد الله الطيب نظرية تقول إن إفريقيا وبالذات السودان موطن العرب الأصلي الذي نزحوا منه إلى شبه الجزيرة العربية وله نظرية تقول إن هجرة المسلمين الأولى كانت إلى السودان . وقد وعدني قبل أن يصرعه المرض بعام تقريبا أن يعينني في البحث لاستجلاء بعض الجوانب المشكوك فيها في سيرة أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام ، وهي الجوانب المستمدة من الميثولوجيا الإسرائيلية التي تقول إن كوش الواردة في سيرة أبي الأنبياء قرية صغيرة في العراق لا في السودان الذي كان معروفا في العهود القديمة باسم كوش !! . وهل أمنا هاجر أمة مصرية كما جاء في الإسرائيليات أم أميرة سودانية تزوجها سيدنا إبراهيم عليه السلام وأنجبت له إسماعيل قبل هجرته من كوش "السودان" إلى الساحل الشرقي من البحر الأحمر حيث بنى الكعبة بعد تحطيمه الأصنام والمعابد التي كانت قائمة في الساحل الغربي . وقد يفسر ذلك الحملة الانتقامية التي قادها بعد قرون أبرهة الكوشي السوداني لهذه الكعبة . والمعروف أن تلك الحملة ردت على أعقابها أو أهلكت حتى صارت كعصف مأكول بفضل " انتفاضة الحجارة " التي شنتها السماء على الغزاة وأفيالهم في نفس العام الذي ولد فيه سيدنا محمد (ص) . ويقال أن إبراهيم يسمى عبريا لأنه عبر النهر إلى أرض كنعان ولكن من يدري ربما يرجع ذلك لعبوره البحر الأحمر مع هاجر وابنه إلى سواحله الشرقية !! ، على أية حال تنبغي مراجعة الإسرائيليات مراجعة علمية دقيقة وخاصة ما يستعان بها في تفسير بعض آيات القرآن الكريـم . رأيت عبد الله الطيب أول مرة في أول الأربعينات عندما كان يأتي للتدريب في مدرسة الأحفاد الوسطى مع زملائه من قسم المعلمين في المدارس العليا مثل عبد الرحيم الأمين وبشير محمد سعيد وأحمد الطيب وأحمد المغربي وصلاح المليك . وكان يشرف على تدريبهم المستر لين رئيس القسم والشيخ بابكر بدري . أكثر ما لفت نظرنا إلى عبد الله الطيب يوم ذاك سحنته الإقليمية بكل ما فيها من خشونة أولاد البلد وبساطتهم وصفاءهم . كان لباسه عبارة عن بنطلون قصير وقميص أبيض من قماش رخيص وصندل مصنوع محليا على عكس زملائه الذين كان بينهم من يرتدي بدلة كاملة مع ربطة عنق وقمصان الحرير البوبلين وأحذية أمباسادور البريطانية الفاخرة . كان أكثرهم أناقة صلاح المليك بينما كان حسين كمال أعظمهم رشاقة ووسامة .
وعندما انتقلت من الأحفاد إلى كلية غردون كنت ألتقي مع عبد الله الطيب مرارا في دار ابن عمي محمد عثمان ميرغني شكاك ، عميد مدرسة التجارة الثانوية ، وهو أول سوداني اقتصادي جامعي تخرج في جامعة بيروت الأمريكية ومن زملائه في الدراسة فيها إسماعيل الأزهري وعبيد عبد النور . ويعد محمد عثمان ميرغني شكاك في طليعة رموز الحركة الوطنية وطالما برز اسمه كحل وسط أو بديل كلما احتدم الخلاف بين الزعامات التقليدية داخل مؤتمر الخريجين . وعلمت من لقاءاتي مع عبدالله الطيب حينذاك أنه كان مغضوبا عليه لدى تخرجه في المدارس العليا وأن مدير المعارف البريطاني أوشك على فصله ، ولعله رأى بدون شك في اتجاهات عبدالله الطيب العروبية ومنابع العلم والثقافة التي يتطلع إليها خطرا على السياسة البريطانية الرامية إلى طمس عروبة السودان واستبدال هويته العربية بأخرى أفريقية بحتة عن طريق قانون المناطق المقفولة الذي حرم الشمال من اليد العاملة المتوافرة في الجنوب ، مع فتح الباب على مصراعيه في الوقت نفسه أمام جحافل القادمين من غرب إفريقيا للعمل في مشروع الجزيرة وغيره . وقد لا يعلم كثيرون أن الإدارة البريطانية جلبت زنوجا من أمريكا للعمل في زراعة القطن في مشروع الزيداب عند إنشائه .
ولما علم محمد عثمان ميرغني شكاك بنية مدير المعارف ذهب إليه مبديا استعداده لقبول عبدالله الطيب أستاذا في مدرسة التجارة الثانوية تحت مسؤوليته فكان له ما أراد . ويعترف عبد الله الطيب نفسه بفضل محمد عثمان ميرغني شكاك عليه . ولعل من شهدوا تأبين المرحوم بشير محمد سعيد يذكرون أن الكلمة التي ألقاها عبد الله الطيب يومذاك كانت معظمها عن أستاذه محمد عثمان ميرغني شكاك الذي لتغير لولاه مجرى حياته جملة وتفصيلا .
وقد اشتهر عبد الله الطيب بذكائه اللماح وشجاعته وبقوة العارضة وتعليقاته الساخرة وهذه صفات لم يكتسبها عن طريق العلم والإطلاع بقدر ما ورثها من أخواله الرباطاب وبرع فيها وله في هذا الصدد مواقف عديدة .
ولا جدال في أن البروفسور عبد الله الطيب عالم موسوعي لا يجارى في كل أبواب المعرفة وقد حظيت قبل سنوات طويلة في لندن بحضور جلسة بينه والأستاذ عوض ساتي دار الحديث فيها شيقا ساعات وساعات حول موضوعات فلكية شائكة أثبت عبد الله الطيب فيها أنه عالم فلكي ضليع بقدر ما هو ضليع في فنون اللغة العربية وآدابها . وفي زماننا في كلية غردون كان الأستاذ ساتي رئيسا للجمعية الفلكية واكتشفت خلال تلك الجلسة في لندن أنه كان وراء فكرة تفسير القرآن تفسيرا مبسطا وتشجيع عبد الله الطيب على تنفيذها عبر إذاعة أمدرمان.
لقد اقتصرت حتى الآن على لمحات من سيرة حياة عبدالله الطيب ألمت بها عن كثب ولمحات من دورة في تأمين هويتنا العربية لغة وثقافة وحضارة ، وكلها مجرد خواطر عابرة طفرت إلى ذهني وأنا أقف مع العميد البروفسور قاسم بدري والأستاذ وليم زكريا مدير قاعة الشارقة على مقربة من شجرة الأكاشيا التي تحتها مثوى فقيدنا المرحوم عبد الله الطيب في مقابر الختمية في الخرطوم بحري . وقلت لصاحبي في تلك اللحظات الحزينة إنني أحلم بيوم يكتشف فيه مستودع العلوم والمعرفة في جسم الإنسان العالم حتى يمكن " شفط " كل ما فيه عند موته ليحفظ في حرز أمين أو جهاز كمبيوتر للانتفاع بها حتى الأبد بدلا من دفن تلك العلوم والمعارف في باطن الأرض مع صاحبها !! . وليس هذا بعزيز في زمان فلق الإنسان فيه الذرة واكتشف أشعة الليزر وارتاد الفضاء كوكبا إثر كوكب بما في ذلك القمر.
رحم الله فقيدنا عبدالله الطيب وأسكنه فسيح جناته مع الصديقين والصالحين وعزائي لأمة العرب والمسلمين قاطبة ولآل المجذوب وأهلي الرباطاب
أخوال الفقيد خاصة .
( إنا لله وإنا إليه راجعون ).
----
• العباسية – أمدرمان .
--------
الرأي العام العدد 2115 ، السبت 5 يوليو 2003م ، الموافق 6 جمادي الأول ، 1424م .