حجر الظلت
27-08-2005, 02:04 PM
الإخوة أعضاء وزوار السودان أون لاين
هذا المقال نشرته صحيفة الرأي العام بعد رحيل البروفسور عبد الله الطيب وهو لأحد طلابه ، وها نحن نعيد نشره هنا للتاريخ والذكرى .
والمقال بعنوان
عبد الله الطيب .. من يوميات طالب متوسط الذكاء في القاعة 102 بكلية الآداب
بقلم : د . مبارك بشير
مطلع عقد السبعين من المئوية الراحلة ، صباح أحد ما ، والطريق بين داخليات البركس والمبنى الرئيسي للجامعة " الأم " حافل بالحافلات المسرعة ، الطلاب يغسلون خدر النعاس بالتحديق في عيون السابلة والطالبات القادمات من جهة الجنوب ، يعبرن بخفة وجلة " الزبر الاين " بين نادي الأساتذة والبوابة الوسطى ، في الطريق إلى " قهوة النشاط" يلتحم الجمعان ، كان أمرا عاديا لا يثير الأسئلة الغبية ، قبل أن يعرف معنى "الجندرة " أن يكون التعليم العالي مختلطا باحترام كافة الأطراف ، في إتفاق غير مكتوب قريبا من مقصف الشاي نلقي بالتحية والسلام لمتعهد القهوة المستدام " عمي السر " ، ونشاغب في شقاوة الصبا الباكر حمودة الحلاق ، ويتصفح في إنتباهة عجلى أصحاب " الفضول السياسي " جرائد النشاط الصباحية ذات المانشيتات البراقة ، الناطقة بلسان القطبين المتقابلين ، " مساء الخير " و" آخر لحظة"
، تلك الأيام ، كانت قراء صحف الحائط الجامعية يأتون من كل أنحاء الولاية التي كانت تسمى "العاصمة القومية " ذات المدن الثلاث ، أليس غريبا أن نثير الجدل والغبار هذه الأيام حول أمر ظل متفقا عليه قبل زمان طويل ؟ أم نحن في حالة إدمان غير قابل للتطبيب للتقدم خطوة إلى الأمام ، وثلاث خطوات للخلف ، منذ رفعنا للعلم في الموكب التاريخي يناير 1956م ،تلك الأيام ، نصل الآن إلى مشارف القاعة 102 بكلية الآداب ، بالجامعة "الأم" ، التي كانت دار حكمة بالغة فأصبحت في زمن تال دار حرب وقتال ، في القاعة .. ذات القاعة ، صافحت عيوننا لأول مرة عبد الله الطيب ..، ومن يومها تنامى عشقنا المستدام للغة العربية الجميلة ، وابتدأ كلفنا باللغات العالمية . حقيقةً ، كانت لحظات اللقاء الأول شبيهة بتفاصيل حدث سعيد لا يخلو من ترقب وتوجس ورهبة ومهابة حيث كان العالم العبقري .. ، في كامل عافيته الجسدية والنفسية والفكرية ، أشبه بالشعراء العرب ، كان في كامل هندامه المتناسق الوريف ، أشبه بفرسان الإمبراطورية البريطانية ، قبل أن تغيب عنها الشمس ، شاهدناه للمرة الأولى ، بطلعته الآسرة فتطابقت رؤيته عيانا بيانا مع رؤيتنا له عبر الأذن ، وخبرة إستماعنا البهي لصوته ، العولمي يأتينا كل يوم من إذاعة أمدرمان يناجي الشيخ صديق أحمد حمدون أن يسترسل في تلاوة الآيات الكريمات من كتاب الله العظيم . تلك التفاسير البسيطة المفردات ، العميقة الإيماءات ، السهلة المركبة ، النسيج المنتقى بين الشكل والمحتوى ، إضافة إلى أن ذواكرنا الطموحة ، حملت في تلافيفها الباطنية صيت عبد الله الطيب الذي ملأ الدنيا ، وشغل الناس أصداء النيل " من نافذة القطار بانت رامة .. والأحاجي السودانية .. وربابة ربة البيت تصب الخل في الزيت .. والمرشد إلى فهم أشعار العرب ، من جزأين يسلمنا أحدهما إلى الآخر فينقسم ليل القراء متوسطي الإلمام والذكاء إلى عالمين في برزخ واحد . كيف ترى الشمول والإحاطة والجدة والإبداع . يا إلهي !.
في القاعة 102 بكلية الآداب بالجامعة الأولى ، والتي كانت دار علم ونور ، فأصبحت في أعوام تلت ساحة للوغى والنزال الهمجي ، أنعم الله علينا بالجلوس إلى عبد الله الطيب في الصباحات التي تضيء حتى اللحظة في الذاكرة التي أصابها الوهن يدخل القاعة الرحيبة الرهيبة أستاذنا عبد الله الطيب ، تثبت الخطى ، سريعة .. سريعة .. واثقة مموسقة فالمسافة بين مكتب العمادة ومنصة المحاضرات بضعة أمتار يستولي علي المشهد الذي يتكرر في عذوبة ، كل صباح بين الجدران قراميد الطوب الأحمر ، المجرى المائي الضيق بين المكاتب والقاعة ، السيارات الرابضة التي يملكها الأساتذة عندما كان في قرتهم عصرئذ أن يقتنوا سيارة بعد الابتعاث لأعالي البحار ويتمتعون بدفء العملات الصعبة ، في إجازتهم السبتية ، ويتناولون بطاقات السفر لحضور السمنارات والمؤتمرات خارج الوطن حتى أقاصي الدنيا من مكتب مسجل الكلية بسهولة وترتيب ، حيث يقوم بإجراءات الحجز " سليمان " الذي له في عطف وتقدير عبد الله الطيب وجريزيلدا الطيب شأن ومكان تلك الأيام التي أصبحت أرقاما بعيدة في عقود قضت من القرن الذي رحل بعد أن شهد نصفه المليء بالأحداث والمتغيرات، عصر "عبدالله الطيب المجذوب " .
في القاعة 102 يتوسط العالم الفريد ، ناحية المصطبة الأمامية ، ظهره للوحة السوداء والمعينات التدريسية ، أصبع من الطباشير وذاكرة ما أنزل الله مثلها كثيرا بهامة إنسان ، هكذا تبدأ محاضرات عبد الله الطيب ساعة كاملة من الزمان المعرفي الوثير تحليق ساحر للعقول والمهج والألباب ، تطواف لا يعرف الرتابة والملل ، من عصر إلى عصر ، من شاعر إلى آخر ، مستشهدا في كل مقطع من الحديث بالآيات والنبويات والمأثور من السير والروايات . يا للتلامذة السعداء كانوا يطلبون العلم على يد عبد الله الطيب.
من لم يسعده الحظ والإنتساب المدرسي إلى مجلس عبد الله الطيب فقد غابت عنه أشياء وأشياء ، لكنهم لا ريب محظوظون تماما بالعيش في زمانه العبقري والممتد جغرافيا من بخت الرضا والجامعة وبينهما لندن .. في معهد دراساتها الشرقية ، حتى وصل الختام في مجمع اللغة العربية ظل فقيدنا العظيم وساما وميسما على عصر بأكمله . والقاعة التي شهدت سياحاته العلمية الغنية وعودته بعد استغراقه العذب ، في رصد الشواهد المرجعية إلى نقطة الارتكاز مجددا لآلاف المرات ، بلا تعب أو مشقة ، تعلم ذات القاعة التي يحاضر فيها أنبغ طلبته الذين اصطفاهم واحدا بعد الآخر ليصبحوا أساتذة وعلماء ، يشاركهم بكل تواضع واعتزاز الهيئة التدريسية ومجلس الكلية "The Faculty Board"
، عون الشريف قاسم ويوسف فضل حسن وعزالدين الأمين والريح والواثق والحبر نورالدائم ومحمد عبد الحي وعلي عبد الله عباس وكمال شداد ويوسف الياس وخالد المبارك ونور الدين ساتي وعبد الرحيم علي وجعفر ميرغني إبراهيم أحمد عمر والزبير بشير طه وزروق وصلاح المليك وزكية عوض ساتي والشوش وعباس إبراهيم وعمر النقر وحران وجلال الطيب وعلي المك وتوحيدة حضرة ومحاسن حاج الصافي وعشاري وسيد حامد حريز .
مع اعتذاري لمن غاب عني ذكرهم .. صار تلامذته أساتذة وعلماء يشار إليهم ببنان الخاصة والعامة من الشهود العدل ، في عصر عبدالله الطيب وعلى نحو آخر لا يزال .. لا يزال نبع عبد الله الطيب ملهما ودافعا للإبداع .. في شعر صلاح أحمد إبراهيم من طلبته المبدعين ، عبد الله علي إبراهيم ، علي عبد القيوم ، اسحق القرشي ، عبد الهادي الصديق ، فضيلي جماع ، محمد المهدي بشرى ، تيراب الشريف ، وعشرات الكتاب والأدباء والمتأدبين الذين أسعدهم الحظ يوما بالجلوس في مقاعد القاعة 102 بكلية الآداب بالجامعة الأم .. جامعة الخرطوم وارتشاف قطرة علم نافع من بحر " عبد الله الطيب " .
-------
د . مبارك بشير
----
الرأي العام العدد 2115 ، السبت 5 يوليو 2003م ، الموافق 6 جمادي الأول ، 1424م .
هذا المقال نشرته صحيفة الرأي العام بعد رحيل البروفسور عبد الله الطيب وهو لأحد طلابه ، وها نحن نعيد نشره هنا للتاريخ والذكرى .
والمقال بعنوان
عبد الله الطيب .. من يوميات طالب متوسط الذكاء في القاعة 102 بكلية الآداب
بقلم : د . مبارك بشير
مطلع عقد السبعين من المئوية الراحلة ، صباح أحد ما ، والطريق بين داخليات البركس والمبنى الرئيسي للجامعة " الأم " حافل بالحافلات المسرعة ، الطلاب يغسلون خدر النعاس بالتحديق في عيون السابلة والطالبات القادمات من جهة الجنوب ، يعبرن بخفة وجلة " الزبر الاين " بين نادي الأساتذة والبوابة الوسطى ، في الطريق إلى " قهوة النشاط" يلتحم الجمعان ، كان أمرا عاديا لا يثير الأسئلة الغبية ، قبل أن يعرف معنى "الجندرة " أن يكون التعليم العالي مختلطا باحترام كافة الأطراف ، في إتفاق غير مكتوب قريبا من مقصف الشاي نلقي بالتحية والسلام لمتعهد القهوة المستدام " عمي السر " ، ونشاغب في شقاوة الصبا الباكر حمودة الحلاق ، ويتصفح في إنتباهة عجلى أصحاب " الفضول السياسي " جرائد النشاط الصباحية ذات المانشيتات البراقة ، الناطقة بلسان القطبين المتقابلين ، " مساء الخير " و" آخر لحظة"
، تلك الأيام ، كانت قراء صحف الحائط الجامعية يأتون من كل أنحاء الولاية التي كانت تسمى "العاصمة القومية " ذات المدن الثلاث ، أليس غريبا أن نثير الجدل والغبار هذه الأيام حول أمر ظل متفقا عليه قبل زمان طويل ؟ أم نحن في حالة إدمان غير قابل للتطبيب للتقدم خطوة إلى الأمام ، وثلاث خطوات للخلف ، منذ رفعنا للعلم في الموكب التاريخي يناير 1956م ،تلك الأيام ، نصل الآن إلى مشارف القاعة 102 بكلية الآداب ، بالجامعة "الأم" ، التي كانت دار حكمة بالغة فأصبحت في زمن تال دار حرب وقتال ، في القاعة .. ذات القاعة ، صافحت عيوننا لأول مرة عبد الله الطيب ..، ومن يومها تنامى عشقنا المستدام للغة العربية الجميلة ، وابتدأ كلفنا باللغات العالمية . حقيقةً ، كانت لحظات اللقاء الأول شبيهة بتفاصيل حدث سعيد لا يخلو من ترقب وتوجس ورهبة ومهابة حيث كان العالم العبقري .. ، في كامل عافيته الجسدية والنفسية والفكرية ، أشبه بالشعراء العرب ، كان في كامل هندامه المتناسق الوريف ، أشبه بفرسان الإمبراطورية البريطانية ، قبل أن تغيب عنها الشمس ، شاهدناه للمرة الأولى ، بطلعته الآسرة فتطابقت رؤيته عيانا بيانا مع رؤيتنا له عبر الأذن ، وخبرة إستماعنا البهي لصوته ، العولمي يأتينا كل يوم من إذاعة أمدرمان يناجي الشيخ صديق أحمد حمدون أن يسترسل في تلاوة الآيات الكريمات من كتاب الله العظيم . تلك التفاسير البسيطة المفردات ، العميقة الإيماءات ، السهلة المركبة ، النسيج المنتقى بين الشكل والمحتوى ، إضافة إلى أن ذواكرنا الطموحة ، حملت في تلافيفها الباطنية صيت عبد الله الطيب الذي ملأ الدنيا ، وشغل الناس أصداء النيل " من نافذة القطار بانت رامة .. والأحاجي السودانية .. وربابة ربة البيت تصب الخل في الزيت .. والمرشد إلى فهم أشعار العرب ، من جزأين يسلمنا أحدهما إلى الآخر فينقسم ليل القراء متوسطي الإلمام والذكاء إلى عالمين في برزخ واحد . كيف ترى الشمول والإحاطة والجدة والإبداع . يا إلهي !.
في القاعة 102 بكلية الآداب بالجامعة الأولى ، والتي كانت دار علم ونور ، فأصبحت في أعوام تلت ساحة للوغى والنزال الهمجي ، أنعم الله علينا بالجلوس إلى عبد الله الطيب في الصباحات التي تضيء حتى اللحظة في الذاكرة التي أصابها الوهن يدخل القاعة الرحيبة الرهيبة أستاذنا عبد الله الطيب ، تثبت الخطى ، سريعة .. سريعة .. واثقة مموسقة فالمسافة بين مكتب العمادة ومنصة المحاضرات بضعة أمتار يستولي علي المشهد الذي يتكرر في عذوبة ، كل صباح بين الجدران قراميد الطوب الأحمر ، المجرى المائي الضيق بين المكاتب والقاعة ، السيارات الرابضة التي يملكها الأساتذة عندما كان في قرتهم عصرئذ أن يقتنوا سيارة بعد الابتعاث لأعالي البحار ويتمتعون بدفء العملات الصعبة ، في إجازتهم السبتية ، ويتناولون بطاقات السفر لحضور السمنارات والمؤتمرات خارج الوطن حتى أقاصي الدنيا من مكتب مسجل الكلية بسهولة وترتيب ، حيث يقوم بإجراءات الحجز " سليمان " الذي له في عطف وتقدير عبد الله الطيب وجريزيلدا الطيب شأن ومكان تلك الأيام التي أصبحت أرقاما بعيدة في عقود قضت من القرن الذي رحل بعد أن شهد نصفه المليء بالأحداث والمتغيرات، عصر "عبدالله الطيب المجذوب " .
في القاعة 102 يتوسط العالم الفريد ، ناحية المصطبة الأمامية ، ظهره للوحة السوداء والمعينات التدريسية ، أصبع من الطباشير وذاكرة ما أنزل الله مثلها كثيرا بهامة إنسان ، هكذا تبدأ محاضرات عبد الله الطيب ساعة كاملة من الزمان المعرفي الوثير تحليق ساحر للعقول والمهج والألباب ، تطواف لا يعرف الرتابة والملل ، من عصر إلى عصر ، من شاعر إلى آخر ، مستشهدا في كل مقطع من الحديث بالآيات والنبويات والمأثور من السير والروايات . يا للتلامذة السعداء كانوا يطلبون العلم على يد عبد الله الطيب.
من لم يسعده الحظ والإنتساب المدرسي إلى مجلس عبد الله الطيب فقد غابت عنه أشياء وأشياء ، لكنهم لا ريب محظوظون تماما بالعيش في زمانه العبقري والممتد جغرافيا من بخت الرضا والجامعة وبينهما لندن .. في معهد دراساتها الشرقية ، حتى وصل الختام في مجمع اللغة العربية ظل فقيدنا العظيم وساما وميسما على عصر بأكمله . والقاعة التي شهدت سياحاته العلمية الغنية وعودته بعد استغراقه العذب ، في رصد الشواهد المرجعية إلى نقطة الارتكاز مجددا لآلاف المرات ، بلا تعب أو مشقة ، تعلم ذات القاعة التي يحاضر فيها أنبغ طلبته الذين اصطفاهم واحدا بعد الآخر ليصبحوا أساتذة وعلماء ، يشاركهم بكل تواضع واعتزاز الهيئة التدريسية ومجلس الكلية "The Faculty Board"
، عون الشريف قاسم ويوسف فضل حسن وعزالدين الأمين والريح والواثق والحبر نورالدائم ومحمد عبد الحي وعلي عبد الله عباس وكمال شداد ويوسف الياس وخالد المبارك ونور الدين ساتي وعبد الرحيم علي وجعفر ميرغني إبراهيم أحمد عمر والزبير بشير طه وزروق وصلاح المليك وزكية عوض ساتي والشوش وعباس إبراهيم وعمر النقر وحران وجلال الطيب وعلي المك وتوحيدة حضرة ومحاسن حاج الصافي وعشاري وسيد حامد حريز .
مع اعتذاري لمن غاب عني ذكرهم .. صار تلامذته أساتذة وعلماء يشار إليهم ببنان الخاصة والعامة من الشهود العدل ، في عصر عبدالله الطيب وعلى نحو آخر لا يزال .. لا يزال نبع عبد الله الطيب ملهما ودافعا للإبداع .. في شعر صلاح أحمد إبراهيم من طلبته المبدعين ، عبد الله علي إبراهيم ، علي عبد القيوم ، اسحق القرشي ، عبد الهادي الصديق ، فضيلي جماع ، محمد المهدي بشرى ، تيراب الشريف ، وعشرات الكتاب والأدباء والمتأدبين الذين أسعدهم الحظ يوما بالجلوس في مقاعد القاعة 102 بكلية الآداب بالجامعة الأم .. جامعة الخرطوم وارتشاف قطرة علم نافع من بحر " عبد الله الطيب " .
-------
د . مبارك بشير
----
الرأي العام العدد 2115 ، السبت 5 يوليو 2003م ، الموافق 6 جمادي الأول ، 1424م .