المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مريود قصيدة في العشق والمحبة .. بقلم رجاء النقاش


حجر الظلت
25-08-2005, 10:03 AM
الإخوة في السودان أون لاين
تحية طيبة
هذه القراءة الأدبية لأعمال الطيب صالح للكاتب والناقد رجاء النقاش وهي جدير بالإطلاع عليها ، وهي بعنوان :
مريود قصيدة في العشق والمحبة
رجاء النقاش
(مريود) هي الجزء الثاني من رواية بندرشاه للطيب صالح ، والجزء الثاني يرتبط بالجزء الاول ذاته الذي يكون بين الإبن والأم فهما متصلان منفصلان ، متصلان عن طريق الدم المشترك الذي يجري في العروق ولكنهما بعد ميلاد الإبن ينفصلان ويستقلان استقلال الكائن الحي عن غيره من الكائنات وهذا الإنفصال أو الإستقلال هو الذي يتيح لنا قراءة مريود وحدها من غير أن نشعر بأنها عالم فني ناقص فهي رغم غرتباطها ببندرشاه رواية مستقلة لها عالمها الخاص وموسيقاها المتميزة .
والمفتاح الأساسي الذي يساعدنا على فهم مريود وفهم أدب الطيب صالح كله هو أنه ليس كاتبا واقعيا بالمعنى التقليدي للواقعية ، وقد يفهم البعض من هذا النفي للواقعية في أدب الطيب صالح أنه ببعده عن الواقعية إنما يبتعد عن معالجة هموم الإنسان العربي التي يعانيها في مجتمعه وفي الحياة بوجه عام ، والحقيقة أن ابتعاد الطيب صالح عن الواقعية لا يحمل هذا المعنى ، فالطيب صالح كفنان صادق أصيل غارق في الهموم الإنسانية لعصره وفي الهموم الاجتماعية لوطنه وبلاده ، ولكنه لا عبر عن موضوعاته عن طريق تصوير الواقع المباشر أو رصد مشاكل فئة من الناس أو طبقة من طبقات المجتمع ، إنه يعبر عن مشاكل الإنسان الداخلية العميقة ، يعبر عن روحه ووجدانه ونظرته إلى الحياة والمصير الإنساني كله ، والطيب صالح يترك العالم المنطقي الواقعي الذي وقفت الرواية العربية عند حدوده قبل ظهور الطيب صالح ، وكان الفتح الأدبي والروحي الذي قدمه الطيب صالح للرواية هو انه لجأ إلى نبع جديد لم يشرب منه أحد من قبل في مجال الأدب الروائي العربي ، لقد تجاوز الطيب العالم الروائي الواقعي إلى عالم آخر أسطوري او كما يقول التعبير العلمي الدقيق " عالم ميثولوجي " فقصص الطيب هي نوع من الأحلام ولكنها ليست أحلام فرد واحد إنما هي أحلام تراكمت في وجدان أمتنا ومجتمعنا جيلا بعد جيل وتجسدت هذه الأحلام في قصص قصيرة وخرافات غير منطقية وانعدم المنطق في هذه الأحلام والقصص والأساطير يواجهنا إذا نظرنا إليها نظرة شكلية خارجية ولكننا إذا تجاوزنا هذه النظرة وحاولنا أن نفهم المغزى الكامل وراء التراث الأسطوري فإننا سوف نجد لهذا التراث منطقا تنسجم فيه المقدمات مع النتائج والحق ان الطيب صالح هو رائد هذه المدرسة الروائية الجديدة في الأدب العربي وهو مكتشف الطريق ، وأقصد هنا مدرسة الرواية التي تعتمد إعتمادا كبيرا على الميثولوجيا أو الأسطورة شكلا وموضوعا ، وسوف نجد أن الترابط المنطقي الخارجي بين أجزاء رواية مريود مثلا هو ترابط مفقود ذلك أنها تشبه الحلم والتصورات الوهمية الخيالية والأسطورة ، أما الواقع الخارجي العادي فهو كامن في باطن الرواية وليس ظاهرا على السطح وهذا ما يفسر لنا تلك الأبيات الثلاثة التي اختارها الطيب من أبي نواس ووضعها في صدر روايته وهي :
غير أني قائل ما أتاني من ظنوني مكذب للعيان
آخذ نفسي بتأليف شيئ واحدفي اللفظ شتى المعاني
قائم في الوهم حتى إذا ما رمته رمت معمىالمكان
فهذه الأبيات النواسية تمثل طريقة في رواية الحياة والنظر إلى الواقع الإنساني ، هذه الطريقة هي الرؤية بعين الوهم أو الخيال وهي رؤية ما لا يرى بالعين المجردة وهي اعتبار الأشياء التي يراها الإنسان بخياله حقيقة كالحقيقة نفسها فليس صحيحا أبدا أن الواقع المادي الظاهر هو كل العالم الإنساني ، فالعالم الإنساني أشمل من ذلك وأعمق وأكثر اتساعا ورحابة ، وعالم الباطن فيه مهم كعالم المرئيات الظاهرة ، بل هو عند بعض أصحاب الرؤى مثل الطيب صالح وأبي نواس في أبياته السابقة أهم وأصدق وأعمق .
هذا هو المفتاح الرئيسي لفهم أدب الطيب صالح وعالمه الروائي وبدون هذا المفتاح فإننا يمكن أن نفقد أنفسنا في عالم الطيب ، ويمكن أن نحس بالغربة والغرابة معا ، وسأتوقف هنا أمام لحظة واحدة من لحظات رواية مريود هذه اللحظة هي علاقة الطاهر ود الرواسي بسمكة من سمكات النيل ، إنها علاقة أسطورية كاملة يحكمها الخيال والعقل الباطن ، والتاريخ الأسطوري للنيل ولا يحكمها المنطق العادي والعقل الواعي على الإطلاق وهذه هي الصورة كما رسمها الطيب صالح وهي شريحة فنية تكشف أمامنا بوضوح عن عالمه الفني والروحي وعن طريقته في إستخدام الأسطورة والميثولوجيا استخداما فنيا رائعا . يقول الطيب صالح في مريود :
( مال الطاهر ود الرواسي نحوي دون أن يحول وجهه عن النهر ولكن سؤالي ظل معلقا في الهواء بين النهر والسماء كأن وجهه واضح المعالم يلمع وسط ذلك الظلام ، كأن الضوء ينبع من داخله .
فجأة صرخ :
بنت الكلب الليلة وقعت معاي .
قلت له :
كيف عرفت أنها أنثى ؟
قال :
حتى في الحوت المرة مرة والراجل راجل .
كنت أعمى في تلك العتمة ولكن الطاهر ود الرواس كان يسمع ويرى . قال :
أصلها عندها تار معاي قبل خمسين سنة واحدة من حبوباتها ( جداتها ) قلبت بي المركب وقت وقعت في الموية بقت تجرجرني من سروالي لي تحت .
وإنت شن سويت ؟
خليتلها السروال ومرقت من الموية عريان جل صوته في تلك الدجنة مفعم بالحياة والمرح كأن السمكة في الماء تتحدث إليه بلغة يفهمها :
أكثر من تلاتة شهور وأنا وراها مرة تقطع الخيط ومرة تاكل الطعم وتشرد بنت الحرام تقول جنية من جنس العفاريت .
كنت أصادفه في رحلاتي عند الفجر أحيانا في قاربه في عرض النهر وأحيانا في حقله واحيانا على الشاطئ جالسا يرقب صنارته وكنت قد نسيت عذوبة صوته إلى أن سمعته ذلك الصباح يغني غناء كأنه غلالة من الحرير إنتشرت بين الضفتين ، ومرة لمحته من بعد ساهما يحدق في الماء ، ناديته فلم يجب وبعد زمن أمام دكان سعيد سألته ضحك وقال :
إنت شفتني يومداك ؟ حكاية عجيبة والله تقول صحيح الواحد وكت يكبر يصيبه الوسواس عليك أمان الله خمسين سنة وأنا أصيد في النيل لا شفت شي ولا سمعت شي ، ذاك الصباح بت الحرام قطعت الجبادة ( الصنارة ) وغطست شويتين شبت فوق وش الموية عليك أمان الله زول بني آدم ، بت فتاة إني آمنت بالله ، وسمع أضاني دي قالت بي حسا واضح زي كلامي وكلامك يا ود الرواسي أخير لك تبعد مني وقبل ما ألقى الكلام ال أرد بيه عليها غطست تاني جب في الموية ، أنا اخوك يا محجوب ، أنا أخو الرجال قعدت متمحن أعاين للموية ) .
هذا المشهد الأسطوري الواقعي معا الذي يقدمه الطيب صالح هو مشهد فريد في الأدب العربي كله ، لأنه يقدم إلينا علاقة بين إنسان وجنية من جنيات النهر ، وهي علاقة لا يشك الطاهر بأنها حقيقة فالإنسان هنا لا يعيش في العالم المنطقي الذي نسلم به جميعا ، ولكنه يعيش باقتناع كامل في عالم أسطوري نابع من داخله ومن رؤاه الخاصة وهذا هو الجديد الرائع في عالم الطيب صالح وهو الكشف الصوفي الكبير الذي يعطي للعالم عند هذا الفنان بعدا جديدا لم يكن موجودا من قبل في الأدب العربي إلا عند الصوفيين والعشاق الروحانيين وأصحاب الطريق .
على أن هذه اللمسة الأسطورية الكشفية الصوفية التي تعطي اتساعا للدنيا وتضيف قدرات جديدة للإنسان في عالم الطيب صالح الروائي تواجهنا في شيء آخر ، ذلك الشيء هو أن المشاكل في عالم الطيب صالح الروائي لها دائما حل وذلك لأن أبطاله يتمتعون بالرؤية الداخلية الروحية الصادقة وعندما تظهر أمامهم مشكلة لا ترى لها عيوننا الخارجية حلا ، فإن أبطاله ربما باستثناء الراوي يجدون الحل دائما رغم أن الطريق يبدو أمام عيوننا وهو مسدود لا منفذ فيه ، والحل باستمرار قائم في قلب المشكلة ، وطريقة العثور على حل في عالم الطيب صالح لها سبيلان ، الأول هو الإرادة الإنسانية المصممة الخلاقة والتي هي عند الصوفية جزء من إرادة الله على هذه الأرض ، والنماذج التي تكشف عن دور الإرادة الإنسانية في مريود كثيرة جدا ، منها أن مريم تريد أن تتعلم وتصر على ذلك ولكن مدرسة القرية لا تقدم التعليم إلا للأولاد فهل ينغلق الطريق أمام الإرادة الإنسانية المتجسدة في مريم ؟ كلا ، إن الإرادة تبدع حلها وهو أن تلبس مريم ملابس الصبيان وتدخل المدرسة على أنها ولد . مثل آخر وهو حواء بنت العريبي ، تحب بلال وتريد أن تتزوجه وبلال متصوف عزلته صوفيته عن الإستجابة لنداء هواها العميق وفي آخر الأمر تبتكر حلا عجيبا وهو أن تضع الأمر كله بين يدي الشيخ نصر الله ود حبيب شيخ بلال في الطريقة ، ويطلب الشيخ نصر الله ود حبيب من بلال الزواج من حواء ويقدم له تفسير أهل الطريق فيرضى بلال ويستكين . يقول الشيخ نصر الله لبلال ما معناه أنه ربما كان في عشق حواء العنيف له سر من أسرار الله وعلى الصوفي أن يستجيب للعشق وإلا حاد عن الطريق . ويتزوج بلال من حواء ليلة واحدة يفترقان بعدها ، وتثمر هذه الليلة الواحدة ولدا هو الطاهر تعطيه حواء حياتها كلها ولا تفكر في شيء آخر ، فالإرادة الإنسانية هنا مجسدة في حواء بت العريبي قد وجدت حلا للمشكلة التي واجهت حواء في عشقها العظيم .
على أن الإرادة الإنسانية المبدعة ليست هي الطريق الوحيد لحل المشكلات في عالم الطيب صالح ، فهناك سبيل آخر للحل وذلك هو ما يمكن أن نسميه باسم الرضا ذلك الشعور العميق الذي يملأ بعطره عالم الطيب صالح وهو رضا جميل عفيف مترفع وليس رضا عاجزا مخذولا ينبع من الاستسلام لهزائم الروح أو هزائم الجسد ، الرضا بما تجري به الأقدار ولا بد له من سره المخبوء وإن لم يظهر هذا السر للعيون ونغمة الرضا تعزف في عالم الطيب بوضوح وصدق وإذا اضفنا هذه النغمة الراضية إلى نغمة الإرادة المبدعة التي تحرك الإنسان وتمنحه الرؤية والإلهام كلما ظهر طريق مسدود ، إذا أضفنا الرضا إلى الإرادة فإننا نجد عالم الطيب صالح بعيدا عن المشاكل المغلقة التي لا حل لها ، وهل ينغلق الطريق أمام أهل الطريق والمتصوفين وأصحاب الرؤية ؟ إن عالم الطيب صالح منفتح وفسيح بلا أسوار ولا قيود .
نعود بعد ذلك إلى رواية مريود نفسها لنجدها صعبة جدا على التلخيص ذلك لأنها حقا وصدقا تقترب من الموسيقى حيث لا يمكن تلخيص الأنغام والسيمفونيات ولكن الصحيح هو أن نسمعها كلها أو نسمع أجزاء منها ، فلكل جزء سحره وجماله وهكذا نجد أنفسنا مع مريود فهي من الأعمال الروائية القليلة جدا في أدبنا العربي والتي يحن الإنسان بعد أن يطوي صفحتها الأخيرة إلى إعادة القراءة لصفحة معينة منها أو سطور محدده فما تعطيه لنا الرواية من متعة روحية وفكرية في معناها العام لا يلغي المتعة الأخرى التي تنبع من الجزئيات في هذه الرواية ، سواء كانت هذه الجزئيات جملة أم عبارة أم مقطعا كاملا أم أسطورة أم وصفا لمنظر من المناظر أم تأملا في لحظة من لحظات النفس والحياة .
ومعظم الروايات العربية وحتى الممتاز منها ترتبط في أذهاننا بمعناها العام وفكرتها الرئيسية وشخصياتها وأبطالها المختلفين ، ولكن القليل النادر من الروايات العربية هو الذي يستطيع أن يعطينا هذه المتعة العميقة في الجزئيات بجانب المتعة بما هو عام وشامل ، وهذه القيمة الفنية العالية للجزئيات هي ما نجده على العكس في كثير من نماذج الأدب العالمي الراقية ، فنحن نستطيع أن نقف عند صفحات معينة في رواية الحرب والسلام لتولستوي ، ونستطيع أن نقف طويلا في استمتاع عميق أمام عبارات أو صفحات أو فقرات من رواية الأخوة كرامازوف لدوستويفسكي ، بل أن كاتبا معاصرا مثل همنغواي قد وصل في هذا المجال إلى درجة عالية من النضج فاهتم بالتركيز الشديد في الوصف والتعبير وبناء الكلمة والجملة ، حتى أصبحت الأحداث والمواقف عنده أحيانا كثيرة نوعا من الشعر الخالص الرقيق الذي ينساب في وجدان الإنسان كأنه موسيقى خفية ، ونستطيع أن نقف أمام سطور من " العجوز والبحر " وأمام عبارات أو صفحات قليلة منها فنجد فيها متعة العمل الفني الكامل ، كل ذلك دون أن تذوب في أيدينا مثل الثلوج تلك المتعة الفنية النابعة من المعنى العام والشامل .
ولعل هذا العيب في معظم نماذج الرواية العربية المعاصرة وهو عدم الاهتمام بالجزئيات يعود إلى اهتمام الكتاب بالأحداث والأفكار والشخصيات أكثر من اهتمامهم باللغة التي يكتبون بها ، ولو أن هناك اهتماما باللغة لاستطاعت الرواية العربية أن تنجز تلك القيمة التي أنجزتها الرواية العالمية وهي ما يمكن أن نسميه دون أن نزعم لأنفسنا الدقة في التسمية باسم ( الروح الغنائية أو الروح الشعرية الموسيقية ) ، ولعل المهتمين بالرواية العالمية يذكرون ذلك الروائي الفرنسي الفذ صاحب الإنتاج القليل والموهبة النبيلة أنطوان دي سانت اكسوبري وذلك في روايته المعروفة " أرض البشر " ، ففي هذه الرواية التي يمكن أن نصفها بأنها ألتحمت في نبع من الشعر فخرجت تقطر أشعارا وتمتلئ في كل سطورها بموسيقى لها عطر يفوح من الكلمات ، في هذه الرواية يطربنا المعنى العام الذي يتناول كفاح الإنسان وصبره وصموده في وجه المصاعب والعقبات وذلك من خلال تجربة الطيران عندما كانت جديدة على الإنسان ، ولكن الرواية تطربنا أيضا بعباراتها وكلماتها المختلفة وتطربنا في المواقف الجزئية التي تتناثر كالنجوم على صفحات الرواية ، وكثيرا ما كنت في بعض اللحظات أحن إلى قراءة سطور معينة من هذه الرواية وأحن إلى ترديد عبارات معينة فيها ، وذلك كله لأن الروائي قد توصل إلى لغة خاصة لها استقلاليتها وقيمتها الذاتية بالإضافة إلى وظيفتها في الرواية وهي وظيفة وصف الأحداث وتسلسلها والشخصيات وما تتطور إليه من مواقف وحالات .
وفي هذا المجال يمكننا مرة أخرى بلا أي مبالغة أن نعتبر الطيب صالح رائدا من رواد الأدب الروائي العربي ، فقد إهتدى بموهبته الرقيقة النبيلة العميقة إلى لغة روائية خاصة ، وهي لغة شعرية موسيقية تلعب دورها الأساسي الذي تلعبه اللغة عادة في توصيل المعاني والأفكار والأحداث ولكنها تحتفظ لنفسها بقيمتها الجمالية والروحية الخاصة والمستقلة .
والطيب صالح في هذا المجال قريب جدا من مدرسة همنغواي ، ومدرسة أنطوان دي سانت اكسوبري ، وهو أقرب إلى الفنان الفرنسي منه إلى الفنان الأمريكي ، ذلك لأن في اكسوبري حنانا يتدفق في كلماته وسطوره ، وفيه عطف وعاطفة ، وفي عينيه كثير من الدموع النادرة وتلك كلها نجدها عند الطيب صالح في وضوح وجلاء . أما همنغواي فهو على شاعريته الجميلة العالية مقاتل فيه قسوة على نفسه وعلى العالم وشعره ينبع من اليأس والصبر وقوة الإرادة ، لا من الحنان والعطف في شيء جميل غامض مثلما نجد عند إكسوبري والطيب صالح .
هذا النبع الصافي من الشعر أو الشعر الروائي إذا صح التعبير نلتقي معه كثيرا في رواية مريود . يقول الشيخ نصر الله ود حبيب لبلال المؤذن :
يا بلال إنت عبد الله كما أنا عبد الله ، نحن إخوة في شان الله ، أنا وإنت مثل ذرات الغبار في ملكوت الله عز وجل ، ويوم لا يجزي والد عن ولده يمكن كفتك ترجح كفتي في ميزان الحق جل جلاله كفتي أنا أرجح من كفتك في موازين أهل الدنيا ولكن كفتك يا بلال سوف ترجح كفتي في ميزان العدل ، أنا أجري جري الإبل العطاش يا بلال لكن أحظى بقطرة من كاس الحضرة وإنت شربت إلى أن ارتويت ، يا بلال إنت سمعت ورأيت ، إنت عبرت و عديت ، ولما ناداك الصوت قلت نعم ، قلت نعم ، قلت نعم .
أليست هذه الكلمات قصيدة كاملة ممتعة للقلب والروح ؟
وهذا مقطع آخر يفيض بالشعر والسمو الوجداني ، حيث نقرأ في مريود هذا الوصف لبلال : ( كان إسمه حسن وسماه الناس بلال لأن صوته في الآذان كان جميلا لكن قالوا إن الشيخ نصر الله ود حبيب هو الذي أعطاه هذا الاسم لما سمع صوته وعلمه الآذان وجعله مؤذنا وكان يقول له ( طوبي لمن شهد صلاة الفجر في المسجد على صوتك يا بلال ، فوالله إن صوتك ليس من هذه الدنيا ولكنه نزل من السماء وأحيانا كانوا ينادونه هلا هلا ولد لا إله إلا الله ، أما هلا هلا فلأنها كانت العبارة الوحيدة التي يتفوه بها إذا خوطب ، واما لا إله إلا الله فلأنه كان حين يسأل عن أبيه يجيب : أنا ولد لا إله إلا الله .
------------
* من كتاب الطيب صالح .. درسات نقدية .. تحرير الدكتور حسن أبشر الطيب .