حجر الظلت
26-04-2005, 10:55 AM
أرقام فضيَّة و أخرى حمراء
بقلم النقاز
{ .. عفواً سادتي فأنا مضطر لتحذيركم منذ البداية بضرورة متابعة الحكاية حتى نهايتها، واحمِّلكم مسؤولية التقصير كاملةً، فلطالما خيَّبتم ظني في السابق عندما حذَّرتكم من الوقوع بمثل ما حدث لصاحبي هذا، لكنكم كنتم تضربون صفحاً عني حتى وقعتم في المحظور!!.
ما حدث له أسجله هُنا وهو عين ما يحدث لكل واحد منكم الآن بصورة أقل أو أكثر غبنا ًبدرجة أو درجتين على أعلى تقدير، هذا على الرغم من إنه لا يعرف ما يحدث بالضبط .. حتى هذه اللحظة ورغم مرور ما يزيد على اثنتي عشرة عاماً ما زال يجهل مدى جدِّية العمل الذي يمارسه أو تفاهته! صحيح إنهم يرهقونهم من السادسة صباحاً حتى الرابعة عصراً، لكنه لا يستطيع أن يجزم برأي قاطع يحدد طبيعة عمله، وقصارى ما يستطيعه هو أن يصف ما يحدث حوله. ولا يمكن لأي مغرض أن يفسِّر جهله هذا بقصور ذهني طارئ أو موروث، فهو – دون حاجة لإدعاء التواضع – كان أستاذاً في الفلسفة وكاتب قصة مبدع وكانت له إسهامات نقدية جادة ومحاولات شعرية واعدة. وإليكم ما رواه .. إذ قال الراوي.. }
( .. أعمل في الصحراء.. أين؟ لا أعرف! فقد جرى إنتقاؤنا بعناية خاصة، ثم جيئ بنا إلى هذا المكان ليلاً وسلمونا لأناس لا أسماء لهم .. جبابرة .. جذوعهم عارية وسياطهم مجدولة يُعرفون بأرقام فضيِّة تتأرجح على صدورهم. وفور وصولنا نزعوا قمصاننا وأعطونا أرقاماً بلاستيكية حمراء عُلِّقت حول رقابنا .. وهكذا دخلنا المشروع وإبتلعتنا الصحراء بسرعة عجيبة. في البداية حلقوا رؤسنا ثم حقنونا بعقار يسمونه «الغفران» …)
{ يحقنونك «بالغفران» فيتساوى لديك سقوط الإزميل مع قطع الذراع! ولا تعود تفرِّق بين جرش المنشار وتغريد العصفور، تنخفض درجة الغضب لديك إلى الصفر وتختفي الدهشة من عالمك الجديد، فترى الأشياء والناس كُتلاً مجرَّدة ذات أبعاد مكانية وسرعات لا تخضع إلا لحتمياتها الرياضية الصِرفة، ويصبح الزمن إمتداداً مجرداً لحالة من الإستمرار الحتمي اللانهائي، لا فرق فيه بين الليل والنهار.. ثم تابع الراوي حديثه قائلاً .. }
( .. بعد ذلك عرضونا لمجموعة من الإختبارات تشمل الذكاء ودرجة الإنفعال وحجم الدماغ والإفراز الهرموني والقدرة على التخيُّل والتصوُّر وحِدَّة الإبصار. إختبارات لا أول لها ولا أخر. عرضونا على أجهزة كشف الكذب، وكشفوا سرعة الإستجابة العصبية ثم أجبنا على آلاف الأسئلة حول الأحلام والرغبات والصبوات والميول، فعرفوا كل ما نشتهي وما نكرهه …)
{ .. كانت الآلات الحاسبة الجبارة تحيل كل هذه المعلومات إلى أرقام حسابية تقوم بمعالجتها بالضرب والقسمة والجمع والطرح لتخرج في النهاية بتقدير نهائي لحالتك الإنسانية، يأتي على صورة رقم حسابي مفرد يضيئ على شاشة خاصة، فإذا كنت مواطناً صالحاً وحصلت على رقم « 7 » فأنت العنصر المثالي العياري اللائق للعمل، وسرعان ما تجد نفسك بين أيدي المختصين المهرة الذين يأخذون بيدك للتدريب على العمل، أما إذا زاد تقديرك أو نقص عن رقم « 7 » فإنهم يخضعونك لنوع من العلاج لتسوية حالتك ويتحدد نوع العلاج بمقدار الأنحراف عن الرقم القياسي … واصل الراوي سرده قائلاً .. }
( .. كانت معظم النتائج تتراوح ما بين الرقمين « 5 » و « 9 » وهي أرقام تقترب من المعدَّل على أي حال ولا تدعو للقلق، لكن الكارثة كانت في حظي السيئ، إذ كانت محصلة بياناتي الرقم « 19 »، وهو نفس الرقم الذي لطالما كرهته عندما كنت أقرأ الشعر واحب رائحة البرتقال وأبنة الجيران. لاحظتُ القلق في وجوه المسؤولين ودبَّ في الآلات نشاط مضاعف وبعد التحري والتدقيق قرروا حقني بجرعة مضاعفة من «الغفران» ثم أعادوا فحصي وتفريغ بياناتي من جديد فحصلت على الرقم « 19 » مرة أخرى وعندها ساد الذعر في وِحدة الفحص التأهيلي وقرروا عزلي عن النور في جناح خاص يسمونه «إركع» وهو الإسم المختصر لوحدة «إنصياع روحك كلياً وعضوياً» وهناك تداعى عليَّ الخبراء من كل حدب وكل مِلَّة وجرت عملية مراجعة شاملة لمجمل أرقامي فتبين أنَّ المعدات سليمة والقراءات لا تشوبها شائبة، وسمعت أحدهم يقول: أي فاجر هذا الذي يصل جنوحه إلى رقمٍ كهذا؟! الا يكون إبليساً متنكراً جاء ليفسد مشروعنا الوطني؟؟. وسألني كبيرهم الذي يحمل الرقم « 77 » بعد الجرعة الثالثة من «الغفران» أن أميِّز ما بين القُبلة والصفعة، وأذكر أن إجابتي كانت على النحو التالي: كلتاهما .. فِعلٌ .. إيجابيٌ .. عٌضويٌ .. إراديٌ .. ثُنائيُ الطَرَف .. يصاحبه إرتفاع طفيف في درحة الحرارة وإحمرار في الخد!. فقال: إستجابته صحيَّة وقابليته مناسبة فأين الخطأ إذن؟ ولا أدري كيف إندفع الكلام على لساني فصرتُ أقول: الا يمكن أن يُعزى الخلل إلى حُبي للشعر ورائحة البرتقال؟ فكما ترون إنَّ حصيلة هذين العنصرين هي رقم « 2 » فقط، الأمر الذي يجعل حاصل القسمة النهائي كبيراً على هذا النحو!! _ إخرس! _ ثم أغلقوا فمي بشريط لاصق. وساعتها بدأتُ أشعر بجسامة المسؤولية .. إنَّ عُنصر يحمل رقم « 19» لهو إنسان خطير بالفعل، فالدستور يسمح بالتجاوز في حدود درجة واحدة زيادةً أو نقصان عن المعدل المعياري « 7 »، وحتى الحاصلون على رقم « 9 » يمكن علاجهم فيزيائياً دون حاجة للجوء إلى العقارات أو التعرض للإشعاع .. فالصيحات التي تنطلق من ذوي الأرقام الجانحة عادةً أثناء معالجتهم جسدياً - سواء عوملوا بالسياط أو بغيرها من الأدوات – قد أعطت نتائج مدهشة، بل إنَّ بعض الاختصاصيين من المتفائلين يذهبون إلى حد بعيد ويعتقدون أن مجرَّد المثابرة على مشاهدة أفلام التوعية التقويمية التي يبثها التلفاز المركزي لحَمَلَة الرقم « 9 » والتي تعرض صوراً شتى للمعالجات الروحانية مع ما يرافقها من صيحات تشخيصية تكفي لتفريغ الجملة العصبية وإعادة الإتزان. أما في مثل حالتي فإنَّ الأمر يتطلب إظهار شئ من الجديَّة والحزم، لذا أُجريَ لي إستئصال الجسم الصنوبري من قاعدة المخ، فهبطت نسبة الكبرياء عندي للصفر.. لكن حصيلة خصوصيتي ظلَّت على حالها، فعند إعادة الإختبار وحصولي على رقم « 19 » جُنَّ جنون المسؤولين أمام تكرار الفشل في إستيعاب هذه الحالة النادرة .. ومن باب إحساسي بالمسؤولية وإظهاراً لحسن النية إقترحت عليهم أن يكشفوا على جهازي العصبي السمبثاوي .. فأستجابوا لمبادرتي وجرى قص جميع الزوائد العصبية ذات الإرتباط العاطفي المباشر ثم ومن باب الإحتياط أتلفوا مراكز التخيُّل على جانبي المخ. وعند إعادة الفحص وظهور الرقم « 19 » مرة أخرى سقط أحدهم بذبحة صدرية وأغمي على إثنين بينما راح كبيرهم يشد شعره بكلتا يديه ويطلق صرخات غير معتادة .. )
{ .. واسترسل الراوي قائلاً .. }
( .. كان الرقم « 19» ثابتاً على الشاشة مثل الصحراء الثابتة حولنا، الشاسعة الممتدة كبحر لانهائي من حُبيبات خشنة من أكسيد السيليكون الزجاجي اللامع الملفوح بشمس عمودية .. حرارتها تفوق الوصف. كُنتُ ما ازال جالساً امام آلة الإختبار مفرَّغاً من المشاعر تماماً وكان في مواجهتي على بعد عدة أمتار باب مفتوح على مصرعيه، يؤدي إلى مخزن مُهمل به خزانات مياة صدئة .. لا تنفك تبُزّ الماء بإستمرار خلف المبنى، وكنتُ أجلس في شبه غيبوبة أُحدِّق في الفراغ .. وكانت الأشياء تُحيق بي صامتةً صماء محايدة .. تفاصيل جامدة تمتد امامي فوق جدار من الصمت تعلوه مئات الشاشات والازرار .. و وراء ذلك باب نصف مفتوح، ربما تُرك سهواً ذات يوم .. يفيض إلى نافذة صغيرة في جدار المخزن المهجور .. تسللتْ الصحراء عبر النافذة وعبرتْ فراغ المخزن ثم دلفت من فتحة الباب و وصلتْ إلى عينيَّ .. فتشوَّفتُ مدة ثانية واحدة – فيما يشبه الحلم – شجرة برتقال مزهرة وراء النافذة. كيف سُمحَ لهذة الشجرة أن تخترق صمت هذا المكان بهذه الرعونة؟! أي طائر أخرق هذا الذي أسقط بذرتها عندما غامر بإختراق دستور هذه الصحراء ذات يوم!؟ .. وفيما يشبه الهذيان وجدتُ نفسي أسأل الخبراء : كيف تستطيع شجرة كهذه أن تُزهر في هذا المكان؟ وعندما تلفتوا إلى حيثُ أشرتُ و وقعت أعينهم عبر النافذة على شجرة البرتقال المزهرة إنفجروا بهستيريا أرخميدسية : « إنها السبب .. إنها السبب .. » وسرعان ما إنهالت عليها الفؤوس ضرباً وتمزيقاً .. فتهاوت شجرة البرتقال ذات الأزهار البيضاء بذهول!! .. )
{ .. وما حدث بعد ذلك معروف لكم جميعاً و لا حاجة لإثارة البلبلة بسرد التفاصيل!! .. و هكذا صمتُ أنا و صاحبنا .. الراوي.. }.
بقلم النقاز
:oops:
بقلم النقاز
{ .. عفواً سادتي فأنا مضطر لتحذيركم منذ البداية بضرورة متابعة الحكاية حتى نهايتها، واحمِّلكم مسؤولية التقصير كاملةً، فلطالما خيَّبتم ظني في السابق عندما حذَّرتكم من الوقوع بمثل ما حدث لصاحبي هذا، لكنكم كنتم تضربون صفحاً عني حتى وقعتم في المحظور!!.
ما حدث له أسجله هُنا وهو عين ما يحدث لكل واحد منكم الآن بصورة أقل أو أكثر غبنا ًبدرجة أو درجتين على أعلى تقدير، هذا على الرغم من إنه لا يعرف ما يحدث بالضبط .. حتى هذه اللحظة ورغم مرور ما يزيد على اثنتي عشرة عاماً ما زال يجهل مدى جدِّية العمل الذي يمارسه أو تفاهته! صحيح إنهم يرهقونهم من السادسة صباحاً حتى الرابعة عصراً، لكنه لا يستطيع أن يجزم برأي قاطع يحدد طبيعة عمله، وقصارى ما يستطيعه هو أن يصف ما يحدث حوله. ولا يمكن لأي مغرض أن يفسِّر جهله هذا بقصور ذهني طارئ أو موروث، فهو – دون حاجة لإدعاء التواضع – كان أستاذاً في الفلسفة وكاتب قصة مبدع وكانت له إسهامات نقدية جادة ومحاولات شعرية واعدة. وإليكم ما رواه .. إذ قال الراوي.. }
( .. أعمل في الصحراء.. أين؟ لا أعرف! فقد جرى إنتقاؤنا بعناية خاصة، ثم جيئ بنا إلى هذا المكان ليلاً وسلمونا لأناس لا أسماء لهم .. جبابرة .. جذوعهم عارية وسياطهم مجدولة يُعرفون بأرقام فضيِّة تتأرجح على صدورهم. وفور وصولنا نزعوا قمصاننا وأعطونا أرقاماً بلاستيكية حمراء عُلِّقت حول رقابنا .. وهكذا دخلنا المشروع وإبتلعتنا الصحراء بسرعة عجيبة. في البداية حلقوا رؤسنا ثم حقنونا بعقار يسمونه «الغفران» …)
{ يحقنونك «بالغفران» فيتساوى لديك سقوط الإزميل مع قطع الذراع! ولا تعود تفرِّق بين جرش المنشار وتغريد العصفور، تنخفض درجة الغضب لديك إلى الصفر وتختفي الدهشة من عالمك الجديد، فترى الأشياء والناس كُتلاً مجرَّدة ذات أبعاد مكانية وسرعات لا تخضع إلا لحتمياتها الرياضية الصِرفة، ويصبح الزمن إمتداداً مجرداً لحالة من الإستمرار الحتمي اللانهائي، لا فرق فيه بين الليل والنهار.. ثم تابع الراوي حديثه قائلاً .. }
( .. بعد ذلك عرضونا لمجموعة من الإختبارات تشمل الذكاء ودرجة الإنفعال وحجم الدماغ والإفراز الهرموني والقدرة على التخيُّل والتصوُّر وحِدَّة الإبصار. إختبارات لا أول لها ولا أخر. عرضونا على أجهزة كشف الكذب، وكشفوا سرعة الإستجابة العصبية ثم أجبنا على آلاف الأسئلة حول الأحلام والرغبات والصبوات والميول، فعرفوا كل ما نشتهي وما نكرهه …)
{ .. كانت الآلات الحاسبة الجبارة تحيل كل هذه المعلومات إلى أرقام حسابية تقوم بمعالجتها بالضرب والقسمة والجمع والطرح لتخرج في النهاية بتقدير نهائي لحالتك الإنسانية، يأتي على صورة رقم حسابي مفرد يضيئ على شاشة خاصة، فإذا كنت مواطناً صالحاً وحصلت على رقم « 7 » فأنت العنصر المثالي العياري اللائق للعمل، وسرعان ما تجد نفسك بين أيدي المختصين المهرة الذين يأخذون بيدك للتدريب على العمل، أما إذا زاد تقديرك أو نقص عن رقم « 7 » فإنهم يخضعونك لنوع من العلاج لتسوية حالتك ويتحدد نوع العلاج بمقدار الأنحراف عن الرقم القياسي … واصل الراوي سرده قائلاً .. }
( .. كانت معظم النتائج تتراوح ما بين الرقمين « 5 » و « 9 » وهي أرقام تقترب من المعدَّل على أي حال ولا تدعو للقلق، لكن الكارثة كانت في حظي السيئ، إذ كانت محصلة بياناتي الرقم « 19 »، وهو نفس الرقم الذي لطالما كرهته عندما كنت أقرأ الشعر واحب رائحة البرتقال وأبنة الجيران. لاحظتُ القلق في وجوه المسؤولين ودبَّ في الآلات نشاط مضاعف وبعد التحري والتدقيق قرروا حقني بجرعة مضاعفة من «الغفران» ثم أعادوا فحصي وتفريغ بياناتي من جديد فحصلت على الرقم « 19 » مرة أخرى وعندها ساد الذعر في وِحدة الفحص التأهيلي وقرروا عزلي عن النور في جناح خاص يسمونه «إركع» وهو الإسم المختصر لوحدة «إنصياع روحك كلياً وعضوياً» وهناك تداعى عليَّ الخبراء من كل حدب وكل مِلَّة وجرت عملية مراجعة شاملة لمجمل أرقامي فتبين أنَّ المعدات سليمة والقراءات لا تشوبها شائبة، وسمعت أحدهم يقول: أي فاجر هذا الذي يصل جنوحه إلى رقمٍ كهذا؟! الا يكون إبليساً متنكراً جاء ليفسد مشروعنا الوطني؟؟. وسألني كبيرهم الذي يحمل الرقم « 77 » بعد الجرعة الثالثة من «الغفران» أن أميِّز ما بين القُبلة والصفعة، وأذكر أن إجابتي كانت على النحو التالي: كلتاهما .. فِعلٌ .. إيجابيٌ .. عٌضويٌ .. إراديٌ .. ثُنائيُ الطَرَف .. يصاحبه إرتفاع طفيف في درحة الحرارة وإحمرار في الخد!. فقال: إستجابته صحيَّة وقابليته مناسبة فأين الخطأ إذن؟ ولا أدري كيف إندفع الكلام على لساني فصرتُ أقول: الا يمكن أن يُعزى الخلل إلى حُبي للشعر ورائحة البرتقال؟ فكما ترون إنَّ حصيلة هذين العنصرين هي رقم « 2 » فقط، الأمر الذي يجعل حاصل القسمة النهائي كبيراً على هذا النحو!! _ إخرس! _ ثم أغلقوا فمي بشريط لاصق. وساعتها بدأتُ أشعر بجسامة المسؤولية .. إنَّ عُنصر يحمل رقم « 19» لهو إنسان خطير بالفعل، فالدستور يسمح بالتجاوز في حدود درجة واحدة زيادةً أو نقصان عن المعدل المعياري « 7 »، وحتى الحاصلون على رقم « 9 » يمكن علاجهم فيزيائياً دون حاجة للجوء إلى العقارات أو التعرض للإشعاع .. فالصيحات التي تنطلق من ذوي الأرقام الجانحة عادةً أثناء معالجتهم جسدياً - سواء عوملوا بالسياط أو بغيرها من الأدوات – قد أعطت نتائج مدهشة، بل إنَّ بعض الاختصاصيين من المتفائلين يذهبون إلى حد بعيد ويعتقدون أن مجرَّد المثابرة على مشاهدة أفلام التوعية التقويمية التي يبثها التلفاز المركزي لحَمَلَة الرقم « 9 » والتي تعرض صوراً شتى للمعالجات الروحانية مع ما يرافقها من صيحات تشخيصية تكفي لتفريغ الجملة العصبية وإعادة الإتزان. أما في مثل حالتي فإنَّ الأمر يتطلب إظهار شئ من الجديَّة والحزم، لذا أُجريَ لي إستئصال الجسم الصنوبري من قاعدة المخ، فهبطت نسبة الكبرياء عندي للصفر.. لكن حصيلة خصوصيتي ظلَّت على حالها، فعند إعادة الإختبار وحصولي على رقم « 19 » جُنَّ جنون المسؤولين أمام تكرار الفشل في إستيعاب هذه الحالة النادرة .. ومن باب إحساسي بالمسؤولية وإظهاراً لحسن النية إقترحت عليهم أن يكشفوا على جهازي العصبي السمبثاوي .. فأستجابوا لمبادرتي وجرى قص جميع الزوائد العصبية ذات الإرتباط العاطفي المباشر ثم ومن باب الإحتياط أتلفوا مراكز التخيُّل على جانبي المخ. وعند إعادة الفحص وظهور الرقم « 19 » مرة أخرى سقط أحدهم بذبحة صدرية وأغمي على إثنين بينما راح كبيرهم يشد شعره بكلتا يديه ويطلق صرخات غير معتادة .. )
{ .. واسترسل الراوي قائلاً .. }
( .. كان الرقم « 19» ثابتاً على الشاشة مثل الصحراء الثابتة حولنا، الشاسعة الممتدة كبحر لانهائي من حُبيبات خشنة من أكسيد السيليكون الزجاجي اللامع الملفوح بشمس عمودية .. حرارتها تفوق الوصف. كُنتُ ما ازال جالساً امام آلة الإختبار مفرَّغاً من المشاعر تماماً وكان في مواجهتي على بعد عدة أمتار باب مفتوح على مصرعيه، يؤدي إلى مخزن مُهمل به خزانات مياة صدئة .. لا تنفك تبُزّ الماء بإستمرار خلف المبنى، وكنتُ أجلس في شبه غيبوبة أُحدِّق في الفراغ .. وكانت الأشياء تُحيق بي صامتةً صماء محايدة .. تفاصيل جامدة تمتد امامي فوق جدار من الصمت تعلوه مئات الشاشات والازرار .. و وراء ذلك باب نصف مفتوح، ربما تُرك سهواً ذات يوم .. يفيض إلى نافذة صغيرة في جدار المخزن المهجور .. تسللتْ الصحراء عبر النافذة وعبرتْ فراغ المخزن ثم دلفت من فتحة الباب و وصلتْ إلى عينيَّ .. فتشوَّفتُ مدة ثانية واحدة – فيما يشبه الحلم – شجرة برتقال مزهرة وراء النافذة. كيف سُمحَ لهذة الشجرة أن تخترق صمت هذا المكان بهذه الرعونة؟! أي طائر أخرق هذا الذي أسقط بذرتها عندما غامر بإختراق دستور هذه الصحراء ذات يوم!؟ .. وفيما يشبه الهذيان وجدتُ نفسي أسأل الخبراء : كيف تستطيع شجرة كهذه أن تُزهر في هذا المكان؟ وعندما تلفتوا إلى حيثُ أشرتُ و وقعت أعينهم عبر النافذة على شجرة البرتقال المزهرة إنفجروا بهستيريا أرخميدسية : « إنها السبب .. إنها السبب .. » وسرعان ما إنهالت عليها الفؤوس ضرباً وتمزيقاً .. فتهاوت شجرة البرتقال ذات الأزهار البيضاء بذهول!! .. )
{ .. وما حدث بعد ذلك معروف لكم جميعاً و لا حاجة لإثارة البلبلة بسرد التفاصيل!! .. و هكذا صمتُ أنا و صاحبنا .. الراوي.. }.
بقلم النقاز
:oops: