حجر الظلت
26-04-2005, 10:55 AM
ضفيرتها … رائحة الوطن :!:
أسامة الطيب
كلما زاد أزيز الطائرة التي تعودت أن تمر من فوقه عند الفجر ، كان (طارق عبد المجيد) يزداد تكوُّما في لحافه الأخضر الداكن المتسخ بلون الهزائم كلها ، كان خشنا ومحشوا بليف جريد النخل يحدث طرقعة غريبة عند الجلوس عليه مرَّ عليه الكثير من المساجين ، ناموا عليه و طاردتهم الكوابيس فوقه ، تصدعت رؤوسهم عليه ، سالت خيوط (التمباك) على أطرافه تطبعه بعطن الكيف البالي وتطبع الزنزانة برائحة الفقد ، تركوا بين طياته عالماً ميتاً حين قسوة ليالي البرد ووحشة البعد عن عيون الحيشان الواسعة والملاءات التي تعرف كيف تستفز النسيم ، ومضوا بعد أن حمَّلوه بآمال مثقلة بحدود القضبان وأمانٍ يائسة تحت الرتاج العظيم ، ذهبوا على أحسن حالٍ لسجن المدينة ذي الرتاج الأعظم .. بالوا على جدران احتمالاتهم .. ما عاد الموت يعنيهم .. ما عادوا يعنون الحياة.
كانت زنازين الشرقيات ، هكذا يسمونها ، ترتج كلها مع أزيز طائرة الفجر .. لكن لطارق خوفه الخاص وهو يتلملم من أطراف جلبابه الناصع الصفرة رغماً عن بياضه السابق ، ليذوب في هاجس الأيام ، هيكل الزنازين يكاد ينقض عليه وهو يرقد تحت شجرة السدر الباهتة ، ما أقسى سجون الإنسان طالت أحلام هذه الشجيرة الصحراوية فأسلمت شوكها اللديح لمسكنةٍ قاتلة ، تطالعه الأسماء والذكريات من كل الجدران ، بعض أبيات علّمت ساحة السجن الصغيرة معنى النضال وهي مازالت تمدُّ لسانها صوبها ، والحمامات تضع يدها على أنفها وتؤثر نازليها بفائض العفن ، تبدأ من حيث تنتهي الأرجل وتنتهي قبل أن تصل لعظمة الكتف ، الذي ما زال يحتفظ ببعض خيوط إنسانه الأول يدخلها ليلاً والآخرون يكملون أحاديثهم من داخلها.
السماء صافية ، السجن لا يحسن لغة أهل الأرصاد هذه كان غاصاً في غيومه الخاصة و (آدم) … ذلك الفتى الجنوبي الذي قضى ثلثي عمره خلف القضبان ، يدور في أنحاء السجن الكبير طليقاً لا يحنُّ لسجن المدينة الكبير ، كان يدخل صباحاً كعامل نظافة ، لم تكن بدلته الكاكية المهترئة ورداءه ذو الألف لون وخيط ورقعة يتفقان مع جهده في نظافة الزنازين ، فمه مملوءٌ بتبغٍ سبق وأن نفدت قدرته على الكيف ولكنه لم يفقد لونه الأسود بعد ، يغني بصوتٍ أجش أغانٍ ميتة المطالع والنهايات ، دخل بئر المرحاض يوماً وحين احتجاجٍ على قرار عفوٍ يخرجه للسجن الكبير - زينت به الحكومة جيدها لمصوري الإعلام - خرج منها بقميصٍ من اللون والرائحة اللتان تغرقان الكون في العفونة وطعمٍ من تدحرج الوطن من أعلى جبال اليأس إلى قاع الهزيمة .. كانت الهزيمة تلاوح من نوافذ الزنازين الصغيرة التي ترتجف تحت ثقل الحديد المتقاطع عندها ، لا يذكر جريمته التي دخل بها أول مرة ولكنه يذكر جيداً أنه كان يفتعل الجرائم التي تعيده ، ما عاد يحتمل المدينة التي أصبحت لا تحتمل الجميع ، لم يخض أي معترك سياسي ، لم يشترك في أي مظاهرة ، لم يحرق إطارات السيارات ولم يردد هتافاتٍ مغلوطة ، لم يطاله تعسف الروتين الحارق ولا تبدلت مقامات أغانيه وهمهمات فراغه الطويل ، يدخل في يده مكنسة وسطل وأغنياتٍ ميتة ، حول عنقه خيط أقدم من شهادته حول شمس المدينة باهرة الضوء عليه آثار خنجر صغير ذو حافة سوداء حادة ، كان كثيراً ما يداعبه وهو يغني ، لا يعرف من أيام السجن المكرورة سوى عبارات اعتاد سماعها عن ذكريات بلا رتاجات ، كان يتوق لإنهاء دورة نظافته – المتسخة - ليجالس (طارق) على لحافه الخشن ، ظلَّ يتعلم منه بعض كلمات أجنبية يحيّ بها كبار المعتقلين السياسيين و ينطقها بصورةٍ جديدة تماماً عليها ، تعلّم (طارق) منه الالتفات للوطن المخبوء تحت قناعاته ، وحده الوطن الذي لا يُسجن ، دائماً يحلِّق بالمخيِّلات والقلوب ، حين يخرج (آدم) يخرج معه جيش الذباب وهدير المكان وبقايا الحياة .. تبقى فقط قطيعة الظهيرة.
جاء (طارق) ظهر ذلك اليوم جثةً باردة وتكوّم في أطراف جلبابه ناصع الصفرة بلا أزيز طائرة ، اجتهد رفقاؤه في أعادته للحياة ، حياة الزنزانة الميتة ، بدأ أحدهم يقرأ خبراً من صحيفةٍ باردة عن خلو المعتقلات من أي معتقل ، تقتلهم السخرية ، ليتها تقتلهم ، تحييهم ولكن على طريقتها الخاصة ، لم تعده أصوات الملعقة في أكواب الشاي لحياته الميتة ولم تتركه في موته الحي ، تحرّك قليلاً وهو يعصب رأسه بمنديله ، جرّ رجليه وأسلم رأسه للجدار وفي حلق آدم نكتة تصارع للخروج لكنه ظل ساكناً سكوناً لم يعهده السجن ، زحزح (طارق) جبلاً عن عينيه
- آخر ما صورته خيالاتهم المريضة جاءوا (بزينب) كي يعذبوها أمامي ؟ أنا مقيدٌ في ركن الغرفة ضربوها بالسياط على رأسها ، كل جسدها ، كانت تصرخ ، وأنا أمامها لا أملك إلا أن أحبس دموعي ودمي من الانفجار ، أغمى عليها ، حملوها للخارج وعادوا لضربي ، أنا الآن أعود للحياة بضربهم لو يعلمون ..
شغلوا أنفسهم عنه برشفات فاترة من الشاي ناقص الرائحة والطعم .. المعطون بتفل الفجيعة وحدها.
- لو أنها ماتت أمامي ..
- لو أنها أحيتني بموتها ..
- لو أنها أغرقتني بماء روحها ونضبت حتى لا يبقى لهم ما يراهنون عليه .. الكلاب
سحب آدم رجليه ومكنسته وأغنياته الميتة وخرج ، كان (طارق) يتبعه بعينيه وكأنه يتابع فيه قصة عالمٍ خارج عن مداره ، تكوَّم الصمت في مكانه بالزنزانة رقم عشرة حيث يرقد (ألولة) - المنهك من رعافه المتكرر - على ظهره يحدق في لفافة الشاش الباردة على جبهته ويترك الدموع تنزل كيف شاءت ، كانت سنوات اعتقاله التي فاقت العشر أرهفت قلبه أكثر مما يجب ومنحته صلابةً جديدة ، العمر الذي يجمع المتناقضات هو العمر الذي جمع الحياة من أطرافها.
- لو أنها أحيته بموتها..
لو أنها نزفت دمها نقطةً نقطة في شرايينه التي أيبسها ابتزاز الكلاب ، كان الوطن المخبوء في قناعاته يترعها بفيوضه.
بعد أن أخذ أزيز الطائرة في الابتعاد وتلملم على أطراف الزنازين صبحٌ جديد ، بظلاماتٍ قديمة ، فتح (طارق) عينيه مشرقاً ومضيئاً بوضاءةٍ غريبة ، كانت زينب وهي تصرخ تذكره بأمسياتها معه تحت شجرة الجميز العتيقة في حوش جده وهي تعطن رأسه بالزيت وتمسحه بيديها حتى ليكاد ينام بين ابتساماتها ، كانت زينب وهي في كامل إغمائها تحدثه عن يومها الذي سمعت فيه خبر تخرُّجه دخلت الحمام وهي تغني لحناً معقداً ، خرجت وهي أسهل من نسيم وكوت منديله الرمادي الذي غزلته له ، حشرته بين كتابين اشترتهما له وخرجت .. مسك يديها طويلاً وهي تقرأ له العناوين .. قام من لحافه الذي تمطى ألوان أخرى من النعومة ، نحت اسمه واسمها على جدار زنزانته .. (آدم) وعلى سنوات إقامته الطويلة بالسجن لم يعبأ أبداً بكتابة اسمه على جداره الصلد .. لكنه كان في ذلك اليوم يدندن بطفولةٍ فائقة وهو يسنُّ لطارق أدوات النحت .. ترقد تحت رجليه المهملتين أغنياته الميتة.
أسامة الطيب
أسامة الطيب
كلما زاد أزيز الطائرة التي تعودت أن تمر من فوقه عند الفجر ، كان (طارق عبد المجيد) يزداد تكوُّما في لحافه الأخضر الداكن المتسخ بلون الهزائم كلها ، كان خشنا ومحشوا بليف جريد النخل يحدث طرقعة غريبة عند الجلوس عليه مرَّ عليه الكثير من المساجين ، ناموا عليه و طاردتهم الكوابيس فوقه ، تصدعت رؤوسهم عليه ، سالت خيوط (التمباك) على أطرافه تطبعه بعطن الكيف البالي وتطبع الزنزانة برائحة الفقد ، تركوا بين طياته عالماً ميتاً حين قسوة ليالي البرد ووحشة البعد عن عيون الحيشان الواسعة والملاءات التي تعرف كيف تستفز النسيم ، ومضوا بعد أن حمَّلوه بآمال مثقلة بحدود القضبان وأمانٍ يائسة تحت الرتاج العظيم ، ذهبوا على أحسن حالٍ لسجن المدينة ذي الرتاج الأعظم .. بالوا على جدران احتمالاتهم .. ما عاد الموت يعنيهم .. ما عادوا يعنون الحياة.
كانت زنازين الشرقيات ، هكذا يسمونها ، ترتج كلها مع أزيز طائرة الفجر .. لكن لطارق خوفه الخاص وهو يتلملم من أطراف جلبابه الناصع الصفرة رغماً عن بياضه السابق ، ليذوب في هاجس الأيام ، هيكل الزنازين يكاد ينقض عليه وهو يرقد تحت شجرة السدر الباهتة ، ما أقسى سجون الإنسان طالت أحلام هذه الشجيرة الصحراوية فأسلمت شوكها اللديح لمسكنةٍ قاتلة ، تطالعه الأسماء والذكريات من كل الجدران ، بعض أبيات علّمت ساحة السجن الصغيرة معنى النضال وهي مازالت تمدُّ لسانها صوبها ، والحمامات تضع يدها على أنفها وتؤثر نازليها بفائض العفن ، تبدأ من حيث تنتهي الأرجل وتنتهي قبل أن تصل لعظمة الكتف ، الذي ما زال يحتفظ ببعض خيوط إنسانه الأول يدخلها ليلاً والآخرون يكملون أحاديثهم من داخلها.
السماء صافية ، السجن لا يحسن لغة أهل الأرصاد هذه كان غاصاً في غيومه الخاصة و (آدم) … ذلك الفتى الجنوبي الذي قضى ثلثي عمره خلف القضبان ، يدور في أنحاء السجن الكبير طليقاً لا يحنُّ لسجن المدينة الكبير ، كان يدخل صباحاً كعامل نظافة ، لم تكن بدلته الكاكية المهترئة ورداءه ذو الألف لون وخيط ورقعة يتفقان مع جهده في نظافة الزنازين ، فمه مملوءٌ بتبغٍ سبق وأن نفدت قدرته على الكيف ولكنه لم يفقد لونه الأسود بعد ، يغني بصوتٍ أجش أغانٍ ميتة المطالع والنهايات ، دخل بئر المرحاض يوماً وحين احتجاجٍ على قرار عفوٍ يخرجه للسجن الكبير - زينت به الحكومة جيدها لمصوري الإعلام - خرج منها بقميصٍ من اللون والرائحة اللتان تغرقان الكون في العفونة وطعمٍ من تدحرج الوطن من أعلى جبال اليأس إلى قاع الهزيمة .. كانت الهزيمة تلاوح من نوافذ الزنازين الصغيرة التي ترتجف تحت ثقل الحديد المتقاطع عندها ، لا يذكر جريمته التي دخل بها أول مرة ولكنه يذكر جيداً أنه كان يفتعل الجرائم التي تعيده ، ما عاد يحتمل المدينة التي أصبحت لا تحتمل الجميع ، لم يخض أي معترك سياسي ، لم يشترك في أي مظاهرة ، لم يحرق إطارات السيارات ولم يردد هتافاتٍ مغلوطة ، لم يطاله تعسف الروتين الحارق ولا تبدلت مقامات أغانيه وهمهمات فراغه الطويل ، يدخل في يده مكنسة وسطل وأغنياتٍ ميتة ، حول عنقه خيط أقدم من شهادته حول شمس المدينة باهرة الضوء عليه آثار خنجر صغير ذو حافة سوداء حادة ، كان كثيراً ما يداعبه وهو يغني ، لا يعرف من أيام السجن المكرورة سوى عبارات اعتاد سماعها عن ذكريات بلا رتاجات ، كان يتوق لإنهاء دورة نظافته – المتسخة - ليجالس (طارق) على لحافه الخشن ، ظلَّ يتعلم منه بعض كلمات أجنبية يحيّ بها كبار المعتقلين السياسيين و ينطقها بصورةٍ جديدة تماماً عليها ، تعلّم (طارق) منه الالتفات للوطن المخبوء تحت قناعاته ، وحده الوطن الذي لا يُسجن ، دائماً يحلِّق بالمخيِّلات والقلوب ، حين يخرج (آدم) يخرج معه جيش الذباب وهدير المكان وبقايا الحياة .. تبقى فقط قطيعة الظهيرة.
جاء (طارق) ظهر ذلك اليوم جثةً باردة وتكوّم في أطراف جلبابه ناصع الصفرة بلا أزيز طائرة ، اجتهد رفقاؤه في أعادته للحياة ، حياة الزنزانة الميتة ، بدأ أحدهم يقرأ خبراً من صحيفةٍ باردة عن خلو المعتقلات من أي معتقل ، تقتلهم السخرية ، ليتها تقتلهم ، تحييهم ولكن على طريقتها الخاصة ، لم تعده أصوات الملعقة في أكواب الشاي لحياته الميتة ولم تتركه في موته الحي ، تحرّك قليلاً وهو يعصب رأسه بمنديله ، جرّ رجليه وأسلم رأسه للجدار وفي حلق آدم نكتة تصارع للخروج لكنه ظل ساكناً سكوناً لم يعهده السجن ، زحزح (طارق) جبلاً عن عينيه
- آخر ما صورته خيالاتهم المريضة جاءوا (بزينب) كي يعذبوها أمامي ؟ أنا مقيدٌ في ركن الغرفة ضربوها بالسياط على رأسها ، كل جسدها ، كانت تصرخ ، وأنا أمامها لا أملك إلا أن أحبس دموعي ودمي من الانفجار ، أغمى عليها ، حملوها للخارج وعادوا لضربي ، أنا الآن أعود للحياة بضربهم لو يعلمون ..
شغلوا أنفسهم عنه برشفات فاترة من الشاي ناقص الرائحة والطعم .. المعطون بتفل الفجيعة وحدها.
- لو أنها ماتت أمامي ..
- لو أنها أحيتني بموتها ..
- لو أنها أغرقتني بماء روحها ونضبت حتى لا يبقى لهم ما يراهنون عليه .. الكلاب
سحب آدم رجليه ومكنسته وأغنياته الميتة وخرج ، كان (طارق) يتبعه بعينيه وكأنه يتابع فيه قصة عالمٍ خارج عن مداره ، تكوَّم الصمت في مكانه بالزنزانة رقم عشرة حيث يرقد (ألولة) - المنهك من رعافه المتكرر - على ظهره يحدق في لفافة الشاش الباردة على جبهته ويترك الدموع تنزل كيف شاءت ، كانت سنوات اعتقاله التي فاقت العشر أرهفت قلبه أكثر مما يجب ومنحته صلابةً جديدة ، العمر الذي يجمع المتناقضات هو العمر الذي جمع الحياة من أطرافها.
- لو أنها أحيته بموتها..
لو أنها نزفت دمها نقطةً نقطة في شرايينه التي أيبسها ابتزاز الكلاب ، كان الوطن المخبوء في قناعاته يترعها بفيوضه.
بعد أن أخذ أزيز الطائرة في الابتعاد وتلملم على أطراف الزنازين صبحٌ جديد ، بظلاماتٍ قديمة ، فتح (طارق) عينيه مشرقاً ومضيئاً بوضاءةٍ غريبة ، كانت زينب وهي تصرخ تذكره بأمسياتها معه تحت شجرة الجميز العتيقة في حوش جده وهي تعطن رأسه بالزيت وتمسحه بيديها حتى ليكاد ينام بين ابتساماتها ، كانت زينب وهي في كامل إغمائها تحدثه عن يومها الذي سمعت فيه خبر تخرُّجه دخلت الحمام وهي تغني لحناً معقداً ، خرجت وهي أسهل من نسيم وكوت منديله الرمادي الذي غزلته له ، حشرته بين كتابين اشترتهما له وخرجت .. مسك يديها طويلاً وهي تقرأ له العناوين .. قام من لحافه الذي تمطى ألوان أخرى من النعومة ، نحت اسمه واسمها على جدار زنزانته .. (آدم) وعلى سنوات إقامته الطويلة بالسجن لم يعبأ أبداً بكتابة اسمه على جداره الصلد .. لكنه كان في ذلك اليوم يدندن بطفولةٍ فائقة وهو يسنُّ لطارق أدوات النحت .. ترقد تحت رجليه المهملتين أغنياته الميتة.
أسامة الطيب