نوال
18-07-2005, 12:46 PM
رحل شيخ العلماء
اضاءة سودانية، بقلم: د. الطيب زين العابدين
قال الدكتور عبدالملك عبدالرحمن مدير جامعة الخرطوم في جمع غفير من المشيعين لم تشهد مثلهم مقابر حلة حمد منذ سنوات طويلة: انما يقبض العلم بوفاة العلماء واليوم قد رحل عنا شيخ العلماء. كان ذلك بمناسبة وفاة الدكتور عبدالله الطيب المجذوب استاذ اللغة العربية الاشهر منذ ان عرف السودان تعلم اللغة العربية وابرز عمداء كلية الآداب بجامعة الخرطوم لدورات عدة ثم مدير الجامعة الاسبق وأضخم رموزها منذ ان تأسست في الاربعينيات من القرن الماضي ورئيس مجمع اللغة العربية السابق في السودان ومؤسسه في منتصف التسعينيات.
ولم تكن تلك المناصب الرفيعة هي سبب شهرته التي طبقت الآفاق داخل وخارج الوطن العربي بل كان هو بشخصه سببا في زيادة الألق الذي يحيط بتلك المناصب، الا ان عظمة الرجل تكمن في انقطاعه الكامل للعلم طيلة حياته المديدة «يونيو 1921 يونيو 2003» وايمانه اللامحدود برسالة المعلم وفصاحته البليغة في التعبير عن ادق الافكار واكثرها تعقيدا، وتعلق به عامة اهل السودان عن طريق برنامجه الاذاعي المتفرد «دراسات في القرآن الكريم» الذي فسر فيه القرآن كاملا بلغة عربية سودانية هي النموذج الراقي لاسلوب السهل الممتنع التي يدركها راعي الغنم.
في اقصى البوادي كما يستمتع بها مثقف المدينة الذواقة فلا غرو ان تدافعت جماهير العاصمة المثلثة شيبا وشبابا رجالا ونساء عصر الخميس «196» الى مقابر حلة حمد في الناحية الجنوبية الغربية من مدينة الخرطوم بحري على مقربة من مسجد علي الميرغني لتشارك في توديع علامة البلاد الى مثواه الاخير دون ان تعرف او تكترث من هم اقرب الاقربين اليه الذين يستحقون التعزية فيه كما جرت العادة في حالات الوفاة عند اهل السودان، لم تخرج العاصمة عن بكرة ابيها يتقدمها رئيس الجمهورية ونائبه والعديد من الوزراء والمسئولين في الدولة لتعزية اقرباء الفقيد ولكنها خرجت تواسي نفسها في فقد جلل هو ملك لكل اهل السودان وعرفانا منها بفضل العلم والعلماء حتى في هذا الزمان الصعب الذي طغت فيه ماديات الحياة على كل ما سواها،
وتوجه كثير من الناس الى تعزية اساتذة جامعة الخرطوم ومديرها فهي المؤسسة العلمية التي ارتبط بها الفقيد طيلة حياته وارتبطت به ولانها الخاسر الاكبر بوفاته لذلك اعطيت الكلمة الاولى في العزاء لمدير جامعة الخرطوم ولكن معظم الناس لم تكن تبحث عمن يستحق التعزية والمواساة مكتفية بشهود مراسم الدفن في حزن واسى. تحدث في جموع المشيعين مدير جامعة الخرطوم ثم مندوب من طائفة الختمية التي ينتمي اليها معظم المجاذيب في منطقة الدامر حيث ولد الفقيد، تلاه الدكتور الحبر يوسف نور الدائم تلميذ الشيخ الراحل وزميله بقسم اللغة العربية وصديقه الوفي ثم تحدث مندوب هيئة شئون الانصار اعقبه الاديب صديق المجتبي وزير الثقافة والسياحة. لم يكن الحديث معدا ولا اسماء المتحدثين معلومة ولا المكان مهيئا سلفا لإلقاء كلمات ولكن الحديث جاء تلقائيا عفويا بعد ان انتهت مراسم الدفن وتلفت الناس يمينا وشمالا لا يريدون ان ينصرفوا دون ان يسمعوا كلمة تأبين في حق الفقيد تليق بمكانته الادبية والعلمية في ذلك الحشد المهيب من المسئولين والعلماء ورجال الدين والطلاب وعامة الناس مما يندر اجتماعه في مكان واحد.
ومن الأمثلة التي لا أنساها والتي تدل على علاقة الفقيد وحبه لعلمه وتخصصه اني عندما كنت طالبا في كلية الاداب في النصف الثاني من الستينيات كنت حريصا على حضور ما استطيع من محاضرات الدكتور عبدالله الطيب رغم ان مادة اللغة العربية التي يدرسها لم تكن ضمن مواد دراستي، وكان ذلك شأن كثيرين من المعجبين به، فقد كان يجذبني اليه بيانه الفصيح المعبر وعلمه الغزير المتدفق وطريقة القائه ذات النكهة المسرحية والتي لا يجيدها الا معلم مصقول خبر مهنته وتعشقها ويستمتع بممارستها، ولا يختلف اثنان في ان محاضرة الدكتور عبدالله الطيب هي من امتع المحاضرات التي يستمع اليها الطلاب اتفقت معه في الرأي او اختلفت.
جاءنا ذات يوم وقال في لغة جادة تشبه صيغة البيانات الرسمية: لقد تأكد لي الان ان فحل شعراء العربية هو احمد بن الحسين ابو الطيب المتنبي ثم استطرد في درسه المعتاد الذي لم تكن له ادنى صلة بالمتنبي! ولو قال ذلك استاذ غيره لانفجر الفصل ضاحكا ولقال بعضهم وماذا يعني؟ ولكن الفصل كان يعلم مدى معايشة الرجل لمادته الادبية وكأنها شخوص تعيش معه في بيت واحد كما يعلم انه كان منحازا في الشعر الى ابي تمام لذلك اخذ الطلاب الاعلان مأخذ الجد في ان استاذهم الكبير قد غير رأيه في تقديم ابي تمام وانه يريد ان يعلم طلبته ذلك وينقلونه عنه للاخرين فليس في ذلك من بأس.
الا رحم الله الدكتور العلامة عبدالله الطيب بقدر ما خدم القرآن الكريم ولغته والسيرة النبوية وبقدر ما نشر العلم بين الناس وبقدر ما طبع طلبته على حب العلم والاجتهاد في تحصيله ودفعهم الى توقير العلماء والتشبه بسلوكهم وأسكنه فسيح جناته مع الشهداء والصديقين والصالحين وحسن اولئك رفيقا.
نقلا عن بيان
اضاءة سودانية، بقلم: د. الطيب زين العابدين
قال الدكتور عبدالملك عبدالرحمن مدير جامعة الخرطوم في جمع غفير من المشيعين لم تشهد مثلهم مقابر حلة حمد منذ سنوات طويلة: انما يقبض العلم بوفاة العلماء واليوم قد رحل عنا شيخ العلماء. كان ذلك بمناسبة وفاة الدكتور عبدالله الطيب المجذوب استاذ اللغة العربية الاشهر منذ ان عرف السودان تعلم اللغة العربية وابرز عمداء كلية الآداب بجامعة الخرطوم لدورات عدة ثم مدير الجامعة الاسبق وأضخم رموزها منذ ان تأسست في الاربعينيات من القرن الماضي ورئيس مجمع اللغة العربية السابق في السودان ومؤسسه في منتصف التسعينيات.
ولم تكن تلك المناصب الرفيعة هي سبب شهرته التي طبقت الآفاق داخل وخارج الوطن العربي بل كان هو بشخصه سببا في زيادة الألق الذي يحيط بتلك المناصب، الا ان عظمة الرجل تكمن في انقطاعه الكامل للعلم طيلة حياته المديدة «يونيو 1921 يونيو 2003» وايمانه اللامحدود برسالة المعلم وفصاحته البليغة في التعبير عن ادق الافكار واكثرها تعقيدا، وتعلق به عامة اهل السودان عن طريق برنامجه الاذاعي المتفرد «دراسات في القرآن الكريم» الذي فسر فيه القرآن كاملا بلغة عربية سودانية هي النموذج الراقي لاسلوب السهل الممتنع التي يدركها راعي الغنم.
في اقصى البوادي كما يستمتع بها مثقف المدينة الذواقة فلا غرو ان تدافعت جماهير العاصمة المثلثة شيبا وشبابا رجالا ونساء عصر الخميس «196» الى مقابر حلة حمد في الناحية الجنوبية الغربية من مدينة الخرطوم بحري على مقربة من مسجد علي الميرغني لتشارك في توديع علامة البلاد الى مثواه الاخير دون ان تعرف او تكترث من هم اقرب الاقربين اليه الذين يستحقون التعزية فيه كما جرت العادة في حالات الوفاة عند اهل السودان، لم تخرج العاصمة عن بكرة ابيها يتقدمها رئيس الجمهورية ونائبه والعديد من الوزراء والمسئولين في الدولة لتعزية اقرباء الفقيد ولكنها خرجت تواسي نفسها في فقد جلل هو ملك لكل اهل السودان وعرفانا منها بفضل العلم والعلماء حتى في هذا الزمان الصعب الذي طغت فيه ماديات الحياة على كل ما سواها،
وتوجه كثير من الناس الى تعزية اساتذة جامعة الخرطوم ومديرها فهي المؤسسة العلمية التي ارتبط بها الفقيد طيلة حياته وارتبطت به ولانها الخاسر الاكبر بوفاته لذلك اعطيت الكلمة الاولى في العزاء لمدير جامعة الخرطوم ولكن معظم الناس لم تكن تبحث عمن يستحق التعزية والمواساة مكتفية بشهود مراسم الدفن في حزن واسى. تحدث في جموع المشيعين مدير جامعة الخرطوم ثم مندوب من طائفة الختمية التي ينتمي اليها معظم المجاذيب في منطقة الدامر حيث ولد الفقيد، تلاه الدكتور الحبر يوسف نور الدائم تلميذ الشيخ الراحل وزميله بقسم اللغة العربية وصديقه الوفي ثم تحدث مندوب هيئة شئون الانصار اعقبه الاديب صديق المجتبي وزير الثقافة والسياحة. لم يكن الحديث معدا ولا اسماء المتحدثين معلومة ولا المكان مهيئا سلفا لإلقاء كلمات ولكن الحديث جاء تلقائيا عفويا بعد ان انتهت مراسم الدفن وتلفت الناس يمينا وشمالا لا يريدون ان ينصرفوا دون ان يسمعوا كلمة تأبين في حق الفقيد تليق بمكانته الادبية والعلمية في ذلك الحشد المهيب من المسئولين والعلماء ورجال الدين والطلاب وعامة الناس مما يندر اجتماعه في مكان واحد.
ومن الأمثلة التي لا أنساها والتي تدل على علاقة الفقيد وحبه لعلمه وتخصصه اني عندما كنت طالبا في كلية الاداب في النصف الثاني من الستينيات كنت حريصا على حضور ما استطيع من محاضرات الدكتور عبدالله الطيب رغم ان مادة اللغة العربية التي يدرسها لم تكن ضمن مواد دراستي، وكان ذلك شأن كثيرين من المعجبين به، فقد كان يجذبني اليه بيانه الفصيح المعبر وعلمه الغزير المتدفق وطريقة القائه ذات النكهة المسرحية والتي لا يجيدها الا معلم مصقول خبر مهنته وتعشقها ويستمتع بممارستها، ولا يختلف اثنان في ان محاضرة الدكتور عبدالله الطيب هي من امتع المحاضرات التي يستمع اليها الطلاب اتفقت معه في الرأي او اختلفت.
جاءنا ذات يوم وقال في لغة جادة تشبه صيغة البيانات الرسمية: لقد تأكد لي الان ان فحل شعراء العربية هو احمد بن الحسين ابو الطيب المتنبي ثم استطرد في درسه المعتاد الذي لم تكن له ادنى صلة بالمتنبي! ولو قال ذلك استاذ غيره لانفجر الفصل ضاحكا ولقال بعضهم وماذا يعني؟ ولكن الفصل كان يعلم مدى معايشة الرجل لمادته الادبية وكأنها شخوص تعيش معه في بيت واحد كما يعلم انه كان منحازا في الشعر الى ابي تمام لذلك اخذ الطلاب الاعلان مأخذ الجد في ان استاذهم الكبير قد غير رأيه في تقديم ابي تمام وانه يريد ان يعلم طلبته ذلك وينقلونه عنه للاخرين فليس في ذلك من بأس.
الا رحم الله الدكتور العلامة عبدالله الطيب بقدر ما خدم القرآن الكريم ولغته والسيرة النبوية وبقدر ما نشر العلم بين الناس وبقدر ما طبع طلبته على حب العلم والاجتهاد في تحصيله ودفعهم الى توقير العلماء والتشبه بسلوكهم وأسكنه فسيح جناته مع الشهداء والصديقين والصالحين وحسن اولئك رفيقا.
نقلا عن بيان