حجر الظلت
17-07-2005, 10:26 PM
خواطر الترحال
الانطباعات القديمة والحديثة قصصياً وشعرياً للطيب صالح
الأربعاء, 13-يوليو-2005" - بيروت/ جورج جحا
قراءة آخر ما صدر للطيب صالح وتناول فيه غربته الطويلة يحمل الى القارىء متعة فنية وصفاء عميقا نادرا في النظر الى ما يطلق عليه الآن تعبير "الآخر" دون وقوع في النظريات التبسيطية البعيدة عن العقل النقدي ورؤية مصالح الدول.
في بعض ما كتبه الطيب صالح عن غربته الطويلة نلتقي كثيرا من المسائل التي تعيد الى ذاكرتنا -سلبا وايجابا- بعض تجارب اسماء كبيرة منها الرائد رفاعة الطهطاوي في نظرته الى الآخر الغربي ومنها فتحي زغلول المعجب بما اسماه تفوق الانجليز وتوفيق الحكيم في عصفوره الشرقي وحتى الطيب صالح نفسه في موسم الهجرة الى الشمال عمله الكبير.
لكن لا بد من القول ان بعض ما كتبه الطيب في خواطر الترحال كان من بعض نواحيه اكثر نضجا من الجميع بمن فيهم الطيب نفسه. والسبب جلي واضح وهو الزمن الذي ينضج ويخمر، وغوص الطيب بما اكتسبه من ثقافة وخبرة عميقتين وبنفس متسامحة ومحبة في حياة الغربيين.. في حياة العقل والفكر والمشاعر والخبز اليومي بحلوها ومرها كما في حياة بني قومه ايضا.
وما يعرضه الكاتب السوداني الكبير في احدث حلقة من حلقات نتاجه الاخير الذي ينطوي على ذكريات وانطباعات وتحليلات سياسية واجتماعية عززتها خبرته وعمله الطويلان مع هيئة الاذاعة البريطانية ومع اليونسكو لاحقا يحمل سمات مميزة ابرزها قدرتان.. تلك القدرة القصصية السردية التي اشتهر بها وقدرة اخرى هي تلك الشعرية الرائعة التي تلف لغته وسرده لفا نفاذا دافئا حتى حين يتناول المحزن الرمادي والموحش.
الاصدار الاخير تمثل في القسم التاسع من سلسلة "مختارات" من نتاج الطيب حمل عنوانا معبرا هو "خواطر الترحال" وقد صدر هذا القسم كتلك التي سبقته عن دار "رياض الريس للكتب والنشر" في بيروت وقام بالتحرير الدكتور ابشر الطيب ومحمود صالح عثمان صالح وصمم الغلاف الفنان محمد حمادة.
الكتاب جاء في 230 صفحة من القطع الوسط وحمل ما لا يقل عن 44 عنوانا تنوعت موضوعاتها. من ذلك مثلا تسع حلقات عن حنا ارندت الكاتبة اليهودية الامريكية وكتابها الشهير الذي صدر سنة 1963 "ايخمان في القدس.. تقرير عن سماجة الشر". كتابها عن النازي الشهير اثار عليها غضب اليهود فاتهموها بالعداء لاسرائيل وتبرأوا منها.
واستشهد بمقال للكاتب والصحافي اللبناني سمير عطا الله وقال "لقد صدق. من يعتذر ممن في هذا العالم المذنب. الشر عند حنا ارندت ليس شيئا واضحا تميزه فتقضي عليه ولكنه مثل نبات فطري ينتشر على سطح الارض موجود في كل مكان وفي كل وقت. الفكر هو المضاد الحيوي ضد الشر."
إثر بداية وجدانية نجد الطيب يدخل في موضوع يتعلق بالشرق والغرب وذلك بمناسبة تخرج ابنته من جامعة في اسكتلندا. قال "ليتني كنت شاعرا.. مثل غازي القصيبي. اذن لقلت شعرا في هذه المناسبة. ما اسرع ما تمر الاعوام. تغمض وتفتح فإذا عشرة اعوام فإذا عشرون عاما من عمرك قد ذهبت لا تدري الى اين وكيف ذهبت. ويخيل اليك انك انت انت.
ولكن هيهات..اني اذكر قصيدته الجميلة بمناسبة زواج ابنته. كان يتحدث بلسان الاباء جميعا. كان سعيدا وكان حزينا." لقد تذكر الطيب ذلك وهو يحضر حفل تخرج ابنته. قال "انما ليس هذا موضوع حديثي. كنت طوال الاحتفال... افكر واقارن وأسأل نفسي: لماذا هؤلاء القوم على ما هم عليه .. ولماذا نحن على ما نحن عليه.. ما هو الذي عندهم وليس عندنا. الذكاء. نحن ما شاء الله لا ينقصنا الذكاء. القدرة على العمل، في تاريخنا ادلة كافية على قدر استطاعتنا.
الطموح.. لعلنا اكثر طموحا مما يجب.. الحكمة. ربما يكون هذا. لعلهم اكثر منا حكمة."
وتحدث بمحبة وتفهم عن تاريخ الاسكتلنديين وما يجمعهم بالعرب وعن كرمهم على عكس ما يشيعه عنهم الانجليز وتحدث عن فقرهم قبل اكتشاف نفط الشمال وقال "لذلك هاجروا زمرا وتفرقوا في البلاد فشب لديهم حنين قوي الى موطنهم الاصلي يظهر في اغانيهم كما عند اللبنانيين. وفي طبعهم ميل عظيم الى العدل الاجتماعي ومناصرة المظلومين." وينتقل الى الحديث عن الانجليز بمناسبة عيد الميلاد فيقول "من الامور الحسنة عند الانجليز وكذلك بقية الاوروبيين ان رغبتهم في البذل وعمل الخير تتحرك في مثل هذه الايام." ويتكلم عن مجموعات منشدين من صبية وبنات ومعهم موجهون من رجال ونساء "وجوه غضة وعيون مشعة واصوات بريئة صافية يجمعون التبرعات لعمل الخير. ملاجىء العجزة ومآوى المشردين. جمعيات مكافحة الخمور والمخدرات. البحوث الطبية وانقاذ المستشفيات المهددة بالاغلاق. ضحايا الحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية." وقال انهم يحبون ان ينزل الثلج في عيد الميلاد وان الكنائس تمتلىء بالمصلين في هذا الموسم "في بلاد اكثر من ثمانين بالمائة من اهلها لا يدخلون الكنيسة طوال العام." وتحدث عن ترانيم الميلاد وقال "انما هذه الترانيم صنعها في الغالب فقراء الشعب بطريقة عفوية تعبر عن احساسه الديني وهو عندهم أعمق من عند الاغنياء." ووصف "الجانب الروحي الذي تراه أوضح ما يكون في وجوه الاطفال. يغنون للمثل الاعلى للطفولة (المسيح) في خيالهم ويجمعون التبرعات لأطفال مثلهم في بلاد بعيدة لم يروها بأعينهم." ووصف الناس عموما فقال "يعطون اكثر في هذا الموسم ... ويجودون ايضا بالبنس والبنسين والجنيه والجنيهين لأطفال العالم الفقراء في البلاد البعيدة ومن بينهم اطفال المسلمين في البوسنة وبنجلادش والصومال وافغانستان... والسودان."
وينطلق من اجواء تشارلز ديكنز فينقل ترتيلة ميلادية تدعو الى التعاطف والى التبرع للمساكين جاء فيها "عيد الميلاد قد اقبل/ والوز قد اكتنز بالشحم/ ضع من فضلك بنسا/ في قبعة الرجل العجوز/ اذا لم يكن عندك بنس/ فنصف بنس يكفي/ وان لم يكن عندك نصف بنس/ فعليك بركات الله والسلام."
الانطباعات القديمة والحديثة قصصياً وشعرياً للطيب صالح
الأربعاء, 13-يوليو-2005" - بيروت/ جورج جحا
قراءة آخر ما صدر للطيب صالح وتناول فيه غربته الطويلة يحمل الى القارىء متعة فنية وصفاء عميقا نادرا في النظر الى ما يطلق عليه الآن تعبير "الآخر" دون وقوع في النظريات التبسيطية البعيدة عن العقل النقدي ورؤية مصالح الدول.
في بعض ما كتبه الطيب صالح عن غربته الطويلة نلتقي كثيرا من المسائل التي تعيد الى ذاكرتنا -سلبا وايجابا- بعض تجارب اسماء كبيرة منها الرائد رفاعة الطهطاوي في نظرته الى الآخر الغربي ومنها فتحي زغلول المعجب بما اسماه تفوق الانجليز وتوفيق الحكيم في عصفوره الشرقي وحتى الطيب صالح نفسه في موسم الهجرة الى الشمال عمله الكبير.
لكن لا بد من القول ان بعض ما كتبه الطيب في خواطر الترحال كان من بعض نواحيه اكثر نضجا من الجميع بمن فيهم الطيب نفسه. والسبب جلي واضح وهو الزمن الذي ينضج ويخمر، وغوص الطيب بما اكتسبه من ثقافة وخبرة عميقتين وبنفس متسامحة ومحبة في حياة الغربيين.. في حياة العقل والفكر والمشاعر والخبز اليومي بحلوها ومرها كما في حياة بني قومه ايضا.
وما يعرضه الكاتب السوداني الكبير في احدث حلقة من حلقات نتاجه الاخير الذي ينطوي على ذكريات وانطباعات وتحليلات سياسية واجتماعية عززتها خبرته وعمله الطويلان مع هيئة الاذاعة البريطانية ومع اليونسكو لاحقا يحمل سمات مميزة ابرزها قدرتان.. تلك القدرة القصصية السردية التي اشتهر بها وقدرة اخرى هي تلك الشعرية الرائعة التي تلف لغته وسرده لفا نفاذا دافئا حتى حين يتناول المحزن الرمادي والموحش.
الاصدار الاخير تمثل في القسم التاسع من سلسلة "مختارات" من نتاج الطيب حمل عنوانا معبرا هو "خواطر الترحال" وقد صدر هذا القسم كتلك التي سبقته عن دار "رياض الريس للكتب والنشر" في بيروت وقام بالتحرير الدكتور ابشر الطيب ومحمود صالح عثمان صالح وصمم الغلاف الفنان محمد حمادة.
الكتاب جاء في 230 صفحة من القطع الوسط وحمل ما لا يقل عن 44 عنوانا تنوعت موضوعاتها. من ذلك مثلا تسع حلقات عن حنا ارندت الكاتبة اليهودية الامريكية وكتابها الشهير الذي صدر سنة 1963 "ايخمان في القدس.. تقرير عن سماجة الشر". كتابها عن النازي الشهير اثار عليها غضب اليهود فاتهموها بالعداء لاسرائيل وتبرأوا منها.
واستشهد بمقال للكاتب والصحافي اللبناني سمير عطا الله وقال "لقد صدق. من يعتذر ممن في هذا العالم المذنب. الشر عند حنا ارندت ليس شيئا واضحا تميزه فتقضي عليه ولكنه مثل نبات فطري ينتشر على سطح الارض موجود في كل مكان وفي كل وقت. الفكر هو المضاد الحيوي ضد الشر."
إثر بداية وجدانية نجد الطيب يدخل في موضوع يتعلق بالشرق والغرب وذلك بمناسبة تخرج ابنته من جامعة في اسكتلندا. قال "ليتني كنت شاعرا.. مثل غازي القصيبي. اذن لقلت شعرا في هذه المناسبة. ما اسرع ما تمر الاعوام. تغمض وتفتح فإذا عشرة اعوام فإذا عشرون عاما من عمرك قد ذهبت لا تدري الى اين وكيف ذهبت. ويخيل اليك انك انت انت.
ولكن هيهات..اني اذكر قصيدته الجميلة بمناسبة زواج ابنته. كان يتحدث بلسان الاباء جميعا. كان سعيدا وكان حزينا." لقد تذكر الطيب ذلك وهو يحضر حفل تخرج ابنته. قال "انما ليس هذا موضوع حديثي. كنت طوال الاحتفال... افكر واقارن وأسأل نفسي: لماذا هؤلاء القوم على ما هم عليه .. ولماذا نحن على ما نحن عليه.. ما هو الذي عندهم وليس عندنا. الذكاء. نحن ما شاء الله لا ينقصنا الذكاء. القدرة على العمل، في تاريخنا ادلة كافية على قدر استطاعتنا.
الطموح.. لعلنا اكثر طموحا مما يجب.. الحكمة. ربما يكون هذا. لعلهم اكثر منا حكمة."
وتحدث بمحبة وتفهم عن تاريخ الاسكتلنديين وما يجمعهم بالعرب وعن كرمهم على عكس ما يشيعه عنهم الانجليز وتحدث عن فقرهم قبل اكتشاف نفط الشمال وقال "لذلك هاجروا زمرا وتفرقوا في البلاد فشب لديهم حنين قوي الى موطنهم الاصلي يظهر في اغانيهم كما عند اللبنانيين. وفي طبعهم ميل عظيم الى العدل الاجتماعي ومناصرة المظلومين." وينتقل الى الحديث عن الانجليز بمناسبة عيد الميلاد فيقول "من الامور الحسنة عند الانجليز وكذلك بقية الاوروبيين ان رغبتهم في البذل وعمل الخير تتحرك في مثل هذه الايام." ويتكلم عن مجموعات منشدين من صبية وبنات ومعهم موجهون من رجال ونساء "وجوه غضة وعيون مشعة واصوات بريئة صافية يجمعون التبرعات لعمل الخير. ملاجىء العجزة ومآوى المشردين. جمعيات مكافحة الخمور والمخدرات. البحوث الطبية وانقاذ المستشفيات المهددة بالاغلاق. ضحايا الحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية." وقال انهم يحبون ان ينزل الثلج في عيد الميلاد وان الكنائس تمتلىء بالمصلين في هذا الموسم "في بلاد اكثر من ثمانين بالمائة من اهلها لا يدخلون الكنيسة طوال العام." وتحدث عن ترانيم الميلاد وقال "انما هذه الترانيم صنعها في الغالب فقراء الشعب بطريقة عفوية تعبر عن احساسه الديني وهو عندهم أعمق من عند الاغنياء." ووصف "الجانب الروحي الذي تراه أوضح ما يكون في وجوه الاطفال. يغنون للمثل الاعلى للطفولة (المسيح) في خيالهم ويجمعون التبرعات لأطفال مثلهم في بلاد بعيدة لم يروها بأعينهم." ووصف الناس عموما فقال "يعطون اكثر في هذا الموسم ... ويجودون ايضا بالبنس والبنسين والجنيه والجنيهين لأطفال العالم الفقراء في البلاد البعيدة ومن بينهم اطفال المسلمين في البوسنة وبنجلادش والصومال وافغانستان... والسودان."
وينطلق من اجواء تشارلز ديكنز فينقل ترتيلة ميلادية تدعو الى التعاطف والى التبرع للمساكين جاء فيها "عيد الميلاد قد اقبل/ والوز قد اكتنز بالشحم/ ضع من فضلك بنسا/ في قبعة الرجل العجوز/ اذا لم يكن عندك بنس/ فنصف بنس يكفي/ وان لم يكن عندك نصف بنس/ فعليك بركات الله والسلام."