المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الســــــيرا ( مرقت ضحى ) - قصة من واقع العيشة المعاصر


صلاح بدر العوضى
18-07-2007, 01:45 PM
وأذ قال ، حجر الظلط / السيرة راحت فى حق الله بسبب التحديثات: -
لكنى أنا مصر
لو حتى نبدأ من الصفر
السيرة لازم تســـتمر " رحم الله أستاذنا حسن الزبير 0
الليلة ساير ، السيرة مرقت عصر ، الشيخ سيروه ،سار يا عشايا ، هى زفة العريس الى قفصه الذهبى، وهى لون من ألوان الأعلان عن الزواج والفرحة والأبتهاج به ، أما عند الساخرين فهى تشييع الى مثواه الأخير ، وان كثر تأليف الطرائف والنكات بما يظهر نعمة الزواج فى وضعية "مقلب " لكن ليس السودانيون وحدهم أصحاب النظرة القاتمة ، فيحكى أن أبن فيلسوف من أوروبا الشرقية قد عزم الزواج وكتب كل مستلزماته فى قائمة وبدأ يجمع ، وعندما جمع كثيرا نظر الى القائمة فوجد ما بقى أيضا كثيرا 0 وهنا سأل والده قائلا ( أتذكر يا ابى كم كلّفك الزواج ؟ ) فردّ الأب :- ( لا ولكن الذى أذكره ، أننى ما زلت أسدد فى تكاليفه حتى الآن !!) 0 وفيما يبدو أن الأجيال الحالية بدأت تأخذ الأقوال الساخرة بمحمل الجد ، مما عاد على الساخرين الأوائل بنكسة أشد مرارة0
لا شك فى أن أعظم ســـيرة فى تاريخ الأفراح السودانية على الأطلاق هى تلك التى تحركت من مدينة كســـلا فى أتجاه القضارف فى العام 1997م 0 والمقصود هنا الأفراح الأجتماعية البحتة والتى لا تربطها صلة سرارة أو رحم أو دم لا من قريب ولا من بعيد بالسياسة فهذه ظاهرها فرح وباطنها بلاوى ولا بالرياضة والتى وأن أفرحتك بالأمس لا محالة ستحزنك اليوم والأيام التالية 0
الغريب لم تكن السيرة أياها زفة عريس الى عروسته ولا العكس كما فى بعض العادات زفّة العروس الى بيت زوجها ، بل الأغرب كانت زفة عروس الى بيت ابيها والأكثر غرابة لم تكن عروس وأنما أم لأربعة أطفال0 وقد أنتهى بالسيرة المطاف فى قرية أم شجرة على بعد 10 كيلو شمال القضارف ، والتى سميت فى يوم من الأيام (بالكويت ) وذلك لما العيش بقى بالقبض بيوت أم شجرة و لا بتنسد وكذلك مطاميرها ، وذلك فى العام 1985م والذى كان عاما يغاث فيه الناس من الجوع 0 طبيعة القبيلة عرب رحل والمهنة السابقة قبل الطفرة بالطبع الرعى وتربية المواشى ورحلتهم الشهيرة التى تبدأ من البطانة عقب الخريف وتمتد حتى صعيد الدمازين والحدود الحبشية ببداية هطول امطار الخريف التالى، وتبدأ رحلة العودة ببدايته وتنتهى بنهايته فى البطانة ، وهكذا تستمر الحياة0
فى أواخر الستينيات من القرن الماضى والخريف فى أوجه ، كانت عروس الأبن فى الشهور الأخيرة من حملها والرعاة ما بين حلفا الجديدة والقربة ، وبدأت أعراض المخاض وتعسّرت الولادة ما حملهم على التفكير والأستعانة بمستشفى ، قال الأب لأبنه سآخذها وأختك لأى مستشفى أتبع أنت الماشية مع الرعاة 0 لم تكن وقتها وسيلة متاحة رغم الظروف القاهرة غير الدواب مما يعنى مضاعفة الظروف القواهر نفسها 0 شق الرجل الكهل والأنثيان تحت المطر والزيف والبرد والطين الطريق الى كسلا0 شاءت الأقدار أن ماتت البنت الفتاة ، قد تكون بسبب مضاعفات البرد والأمطار ، لازم الرجل المستشفى مع الحامل لأيام والتى ما لبثت أن لحقت بها هى الأخرى 0
عاد الرجل وحيدا يجرجر أحزانه ويتغالب بها على الظروف الممطرة بالمعانيات والموحلة فى المآسى والمتاعب ، يتنقّل ويطوف بالعربان يسأل ويبحث عن قبيلته وأفراد أسرته وعشيرته وربعه 0 أنقضت أيام الحزن والعزاء ( ولابد للحياة أن تستمر ) 0
بعد 30عاما أى فى منتصف التسعينيات من القرن نفسه ، لزم الرجل فراش المرض وعندما أحس أنه لا محالة هالك وأن المنية تداهمه ، طلب من الحاضرين أخلائه بأبنه ، فقال : يا أبنى أظن أننى لن أقوم من رقدتى هذه ، وأكاد أوقن أن أجلى يوافينى ، أريد أن أبوح لك بســر وأوصيك بوصية0 يا أبنى فى ذاك العام الذى أخذت فيه زوجتك الأولى المرحومة ( فلانة ) مع أختك المرحومة ( فلانة ) للوضوع بمستشفى كسلا نعم ماتت أختك صحيح ، ولكن زوجتك لم تمت ! وأنما وضعت طفلة ثم ماتت بعد ذلك ، وقد تركت الطفلة حية 0- كانت وفاة الأنثيين قاسية علىّ ما أصابنى بالتبلّد والحيرة فيما أصنع بالوليدة وظروف الخريف التى أهلكت الكبار ، يا بنى أنى أهديت الطفلة لأحدى الممرضات ، أذهب و أبحث عن طفلتك فربما تكون حية وربما تعثر لها على خبر 0 دخل الأبن فى دوامة من التفكير والحيرة والذهول أياما حتى قضى الوالد نحبه ، وأن كان مرض الأب يأخذ جزءا من تفكيره أصبح التفكير بأكمله فيما قاله الأب بعد وفاته ، من أمر الطفلة 0 كان المقربون من أفراد الأسرة يراغبون ويتابعون حال الأبن من قبل ومن بعد الوفاة ، وعندما أخذ منه الحال منحى الأنعزال و الأنطواء صارحه أحدهم قائلا : - يا فلان أنك فرد منّا وندرك أن الحزن على الوالد لن يبلغ بك هذا المبلغ وخصوصا أن حالتك هذه بدأت قبل وفاة الوالد ، يا فلان نعلم أن أبوك أسرّ اليك بسر أخذ عقلك فأن لم تكن من وصيته لك الكتمان أخبرنا قد نكون طرفا فى القضية أو جزءا من حلها 0 هنا نطق الأبن بما أصاب الكل بأصابته من الذهول والحيرة والاستغراب ، أياما اتسعت فيها دائرة الأصابة ثم تبلور رأى عند الكل ثم أصبح اصرارا فعزيمة فتحركا ، قادهم أحد وجهاء السياسة الى الوالى بكسلا للأهتمام والمساعدة 0 هناك فى ردهات المستشفى بدأ مسلسل التنقل عبر الأوراق فى التاريخ وعبر التاريخ فى الأوراق من أجل الحصول على الأدارات المتعاقبة ومن ثم سلالات الأيام وما حملت من أسماء فى حياة الخدمة التمريضية بالمستشفى 0كلما كانت نقطة توقف عند شاهد يقول : والله أذكر حادثة الطفل لكن لا أذكر الممرضة ، وكلما نبض الأمل عند ذكر ممرضة من تلك الحقبة عاد ميتا عند العلم بموتها ، وكلما ولد آخر مات هو الآخر عند العلم برحيلها من الديار لسنوات خلت الى ديار ( أصلو ما معروفة وين ) ، وكان البحث يقول "لا بد للبحث أن يستمر "
بعد شهور من الكد والجهد والسعى الجد المتواصل عثر على أمرأة أتت بخبر شبه يقين حيث قالت ( نعم أهديت الطفلة لزملتنا فلانة ! وكانت تسكن ( كرمتة ) ، لكن أنا لى مدة طويلة ما شفتها وعلمت بأنها رحلت من منزلها بس وين ما عارفة ) 0 هنا بلغ البحث مرحلة متقدمة نوعيا حيث أصبح عن أسم بعينه ، ومسلسل جديد بالتنقل عبر مساكن فلانة لعقود خلت وأخيرا ، هذا مسكن فلانة وهذه فلانة ولكن أين الطفـــلة ؟؟؟ لم تكن هناك طفلـــة00
بكت المرأة بكـــاء من فقد أعز عزيز فى دنياه . لقد تواترت فى خواطرها سريعا أيام حياة الطفلة المملوءة بمواقف تمس الشرف وتخدشه وتجرحه عميقا عند الشرفاء فقط وتطعن فيه وكم تكررت الطعنات و المواقف 0 عرف عبر التاريخ أن النوبة أكثر القبائل السودانية ممارسة لمهنة التمريض النسائية ، ولكل فرد أن يتخيل الموقف عندما تلد أمرأة سوداء اللون طفلا أبيض اللون طويل الشعر مجعده وبصفات تذهب بعيدا بعيدا عن دائرة البطر 0 لقد صمدت تلك المرأة دهرا بطول حياة الطفلة أمام أسئلة أبنائها الممتدة بطول حياتهم منذ الطفولة وحتى النضوج ، اسئلة يتواجهون بها من أندادهم فى الشوارع والميادين والساحات والمدارس ويسرعون بها غضبى ليصبونها كالحمم فى وجه أمهم والطفلة هى الأخرى تأتى بما يصيبها من الأتجاه الآخر من نديداتها من الأسئلة نفسها وبئس الألقاب لتلقى بها غضبى فى وجه المرأة التى تستأثر الرجم والأذلال من عيون صغارها على أن تبوح بالحقيقة 0 قالت نعم أنا من أهديت الىّ الطفلة وتربت على يدىّ ولكنها الآن مع زوجها بحلفا الجديدة 0 رسمت المرأة خطة محكمة جدا لتفادى صدمة البنت عند تلقى الحقيقة 0 أقتضت الخطة أن ينزل الرجل ضيفا ويعمد الى البنت أن تخدمه فتحمل شيئا من الود والألفة رويدا رويدا تجاهه، فكانت حكمة الخالق أن أتت البنت بما يفوق التصور ويعجز العقول من التصديق، فحملت كل الود والتصقت بالضيف التصاقا غريبا حيث رهنت نفسها تلقائيا لخدمته وكانت كلما عادت منه سألت عنه بألحاح وعادت أليه مسرعة 0 فأختصرت مسافة مرسومة طويلة 0 أمام ذلك المشهد رأى الكل أن علم البنت هى أحوج أليه من التكتم0 دوّت صرخة الفرح المبكى وانطلقت من أعماق كل فرد فى البيت والشارع والحى فى ذات اللحظة ، وتفشّى الخبر وذاع وعم القرى والحضر ، وكانت تلك السير الشهيرة0
من المفارقات أن أبناء البنت يحملون نفس أسماء أخوتها من أبيها وعلى نفس التوالى تأنيثا وتذكيرا " سبحان الله وبحمده "

صلاح بدر العوضى
26-10-2009, 06:55 PM
خليها نبدأ من الصفر
( السيرة ) لازم تستمر