حجر الظلت
08-07-2005, 10:10 PM
بخاري بشير
أنا مصطفى سعيد ولست مصطفى سعيد، أنا هو لأنه نبع من أوهامي وتخيلاتي، ولكنني لست هو، وهو لا وجود له، وحتى لو افترضنا وجوده''
الروائي العالمي الطيب صالح
يسعى الطيب صالح إلى أن يكون متجردا دائماً في سياق غير متجرد, هكذا وصف نفسه في واحد من الحوارات الكثيرة التي أجريت معه, ويقول ايضا عن نفسه : ''أنا إنسان بسيط، المتدينون يعتبرونني ماجناً، والمعربدون يحسبونني متديناً وأنا سوداني عادي أؤدي الفرائض ورأيي في النخبة السودانية انهم أذكياء أغبياء ، أذكياء لأنهم جامعيون، وأغبياء لأنهم يفتقرون لحكمة التربال ''المزارع''.
أكثر ما أعجبني ــ ومازال ــ في شخصية الكاتب الروائي العالمي ''الطيب صالح''، أنه حاز على إجماع سوداني لم يتحقق لأي من كتابنا ومبدعينا، ولا حتى سياسيينا، هذه الحميمية ''الغرائبية'' التي تجمع بين متلق مغمور، ومبدع أمسك بتلابيب الشُهرة ــ أو أمسكت به ــ الأمر سيان، والسبب في هذه الحميمية بين صالح وقارئه، تكمن في أن صالحاً يفصح عن بيئته القروية التي يعتز بها في رسمه لفصول الرواية، ويمشهد كثيرًا من ملامح الرواية على الوجود الواقعي، والملاحظ في أعمال الطيب صالح أنه يجرد السرد الروائي من تأثير العنصر الإنساني، ويصور الأشياء والأحداث التي يعايشها ويشاهدها، وكأنها تحدث بمعزل عن ارادة الفرد، أي إرادته هو ككاتب، ويضيف اليها شيئاً من خياله المجنّح والخصب، لذلك حاز ''صالح'' على هذا القبول.
إن العوالم الروائية عند ''الطيب صالح'' تجعلك تحس بها، بل تكاد تمسك بشخوصها، فهو يدير كؤوس الحكايات كأساً فكأس، ويتمشىّ تأثيرها كما تتمشىّ سنة النوم وأول النعاس، ويجد القارئ نفسه منغمساً في تفاصيل ''الحكي'' عالي السبك، وليس ثمة باب للخروج.
كتب ''الطيب صالح'' روايته الشهيرة ذات الطبعات المتعددة ''موسم الهجرة الى الشمال'' في العام 1971م، ورغم ذلك، قال إن الرواية لم تحقق له مكاسب مالية، بل جلبت له الكثير من المتاعب، كما جلبت له الكثير من الشهرة. وكان قد سبقها في العام 1962م برواية ''عرس الزين''، ثم أتبعها بأعماله ''مريود، ودومة ود حامد، ونخلة على جدول''.
الطيب صالح ذو الـ «76» خريفاً على الرغم من انتمائه إلى جيل سابق، له ما له من كسب، إلا انه مازال متقدماً على أبناء هذا الجيل، ومازال يتجاوز في إبداعه هذه المرحلة التي نعيشها بعبقريته الروائية المتجددة، نقول إن ''صالح'' متجدد بسبب تجدد ''موسم الهجرة'' التي تناولت موضوع الهوية ومزجت بين الواقع، والواقع المتخيل، وقد وصفها النقاد بأنها: «تمتاز بتجسيد ثنائية التقاليد الشرقية والغربية وإعتماد صورة البطل الإشكالي الملتبس على خلاف صورته الواضحة». وظل ''صالح'' نفسه، مقلاً طيلة هذه السنوات، ورغم ذلك، فإن كتاباته محل دراسات وكتابات لم ولن تنتهي.
فرحت كغيري بنيله لجائزة ''الرواية العربية'' وهو عطاء لمن يستحق وزيادة، وفرحت أكثر بالتوجيه الرئاسي الذي أكد على تكريم هذه القامة الأدبية الفارعة، وإن زاد الله في الأعمار، قد نفرح جداً بنيله لجائزة نوبل في الرواية العالمية وقد نالها كثيرون ليسوا بأطول قامة منه.
إننا نفتقد ــ حد الخواء ــ هذا العبقري المهاجر، وكم تمنينا رشفة من كأسه بين ظهرانينا.
ليعلم هذا الجيل ''جيل الفضائيات والفيديو كليب'' شيئاً من افرازات جيل العطاء المشرئب دوماً للحياة القادمة، جيل عندما كان صائلاً في منتديات الثقافة في بلادي، كان للعشيّات حياةٌ وسمر، معرفة ومؤانسة، وكان للشعر حلاوةٌ وطلاوة، وللحديث روح وأنفاس.
ونحن كما إفتقدنا ''الطيب صالح''، إفتقدنا آخرين قبله كانوا أدباء بمد الأفق، وشعراء حتى سديم السماء، وأهل ثقافة ولطافة، منهم من صعدت روحه الى علياء ربه، ومنهم من تقاذفته أشرعة الموانيء وصالات المطارات البعيدة، وليت الخرطوم في عامها هذا''عام الثقافة'' تســتضيف بعضاً من تلك النوارس المهاجرة
أنا مصطفى سعيد ولست مصطفى سعيد، أنا هو لأنه نبع من أوهامي وتخيلاتي، ولكنني لست هو، وهو لا وجود له، وحتى لو افترضنا وجوده''
الروائي العالمي الطيب صالح
يسعى الطيب صالح إلى أن يكون متجردا دائماً في سياق غير متجرد, هكذا وصف نفسه في واحد من الحوارات الكثيرة التي أجريت معه, ويقول ايضا عن نفسه : ''أنا إنسان بسيط، المتدينون يعتبرونني ماجناً، والمعربدون يحسبونني متديناً وأنا سوداني عادي أؤدي الفرائض ورأيي في النخبة السودانية انهم أذكياء أغبياء ، أذكياء لأنهم جامعيون، وأغبياء لأنهم يفتقرون لحكمة التربال ''المزارع''.
أكثر ما أعجبني ــ ومازال ــ في شخصية الكاتب الروائي العالمي ''الطيب صالح''، أنه حاز على إجماع سوداني لم يتحقق لأي من كتابنا ومبدعينا، ولا حتى سياسيينا، هذه الحميمية ''الغرائبية'' التي تجمع بين متلق مغمور، ومبدع أمسك بتلابيب الشُهرة ــ أو أمسكت به ــ الأمر سيان، والسبب في هذه الحميمية بين صالح وقارئه، تكمن في أن صالحاً يفصح عن بيئته القروية التي يعتز بها في رسمه لفصول الرواية، ويمشهد كثيرًا من ملامح الرواية على الوجود الواقعي، والملاحظ في أعمال الطيب صالح أنه يجرد السرد الروائي من تأثير العنصر الإنساني، ويصور الأشياء والأحداث التي يعايشها ويشاهدها، وكأنها تحدث بمعزل عن ارادة الفرد، أي إرادته هو ككاتب، ويضيف اليها شيئاً من خياله المجنّح والخصب، لذلك حاز ''صالح'' على هذا القبول.
إن العوالم الروائية عند ''الطيب صالح'' تجعلك تحس بها، بل تكاد تمسك بشخوصها، فهو يدير كؤوس الحكايات كأساً فكأس، ويتمشىّ تأثيرها كما تتمشىّ سنة النوم وأول النعاس، ويجد القارئ نفسه منغمساً في تفاصيل ''الحكي'' عالي السبك، وليس ثمة باب للخروج.
كتب ''الطيب صالح'' روايته الشهيرة ذات الطبعات المتعددة ''موسم الهجرة الى الشمال'' في العام 1971م، ورغم ذلك، قال إن الرواية لم تحقق له مكاسب مالية، بل جلبت له الكثير من المتاعب، كما جلبت له الكثير من الشهرة. وكان قد سبقها في العام 1962م برواية ''عرس الزين''، ثم أتبعها بأعماله ''مريود، ودومة ود حامد، ونخلة على جدول''.
الطيب صالح ذو الـ «76» خريفاً على الرغم من انتمائه إلى جيل سابق، له ما له من كسب، إلا انه مازال متقدماً على أبناء هذا الجيل، ومازال يتجاوز في إبداعه هذه المرحلة التي نعيشها بعبقريته الروائية المتجددة، نقول إن ''صالح'' متجدد بسبب تجدد ''موسم الهجرة'' التي تناولت موضوع الهوية ومزجت بين الواقع، والواقع المتخيل، وقد وصفها النقاد بأنها: «تمتاز بتجسيد ثنائية التقاليد الشرقية والغربية وإعتماد صورة البطل الإشكالي الملتبس على خلاف صورته الواضحة». وظل ''صالح'' نفسه، مقلاً طيلة هذه السنوات، ورغم ذلك، فإن كتاباته محل دراسات وكتابات لم ولن تنتهي.
فرحت كغيري بنيله لجائزة ''الرواية العربية'' وهو عطاء لمن يستحق وزيادة، وفرحت أكثر بالتوجيه الرئاسي الذي أكد على تكريم هذه القامة الأدبية الفارعة، وإن زاد الله في الأعمار، قد نفرح جداً بنيله لجائزة نوبل في الرواية العالمية وقد نالها كثيرون ليسوا بأطول قامة منه.
إننا نفتقد ــ حد الخواء ــ هذا العبقري المهاجر، وكم تمنينا رشفة من كأسه بين ظهرانينا.
ليعلم هذا الجيل ''جيل الفضائيات والفيديو كليب'' شيئاً من افرازات جيل العطاء المشرئب دوماً للحياة القادمة، جيل عندما كان صائلاً في منتديات الثقافة في بلادي، كان للعشيّات حياةٌ وسمر، معرفة ومؤانسة، وكان للشعر حلاوةٌ وطلاوة، وللحديث روح وأنفاس.
ونحن كما إفتقدنا ''الطيب صالح''، إفتقدنا آخرين قبله كانوا أدباء بمد الأفق، وشعراء حتى سديم السماء، وأهل ثقافة ولطافة، منهم من صعدت روحه الى علياء ربه، ومنهم من تقاذفته أشرعة الموانيء وصالات المطارات البعيدة، وليت الخرطوم في عامها هذا''عام الثقافة'' تســتضيف بعضاً من تلك النوارس المهاجرة