المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : لينا مطران.. تكتب من باريس


حجر الظلت
15-06-2005, 10:31 AM
تشكيل الفضاء في رواية

صباح الخير ايها الوجه اللامرئي الجميل

لينا مطران.. تكتب من باريس

لقد حدد رولان برونوف ، برنامجا عمليا لدوامة تنظيم الفضاء في الرواية وهو برنامج واسع وشامل يقتضي دراسة مخصصة لا ندعي القيام لها الآن، ان ما يهمنا نحن، هو تحديد بعض الاشارات الاولية حول الفضاء الروائي لصباح الخير، وعلاقة هذا الفضاء بالشخصيات والحكى اساسا باعتبار ان المكان هو الذي يعطي للمتخيل مظهر الحقيقة.

وفي رواية عيسى الحلو يتسع الفضاء الروائي ليشمل كل شئ مدن، شوارع ازقة، صحارى وبحار، حتى ليخيل لنا ان الفضاء يشكل عنصرا جوهريا من البنية التحتية للعمل الروائي.

وتظل باريس بكل طبوغرافيتها وامدرمان، وشقة سليمان وكاترين وفيلا مدام تريزا في بورد ومسكن سونيا وسليم البدري، من الامكنة الرئيسية التي نطل عبرها الي الكون الروائي لصباح الخير وهذه الامكنة ترتبط بمكنونات الشخوص النموذجية والعرضية ومعظمها يستحضر عبر التحرك الاستراتيجي داخل الرواية.

فمن هذه الامكنة ما يكشف عن علاقة ضائعة ما بين الشخصية والمكان باحثة عن زمن مفقود.

ركبت فراناسواز سيارتها واخذت تجوب باريس، ذهبت الى بيته القديم شارع فكتور هوجو، ذهبت الى الحي اللاتيني، ذهبت الى السوربون واخذت السيارة البيجو تلف وتدور حول الكونكورد والتوليري واللوفر وضاعت فرانسواز في بحثها اللا مجدي عن سليمان، ومنها ما ينم عن علاقة اغترابية يقول السارد: تحت وطأة الشعور بالسأم كان سليمان يمشي تحت الليل دون هدف جلس على مقعد على ضفة السين وشعور بالغربة حاد وعميق يحيط به.

ويمكن ان تشير منذ البداية ان هذا الاحساس بالغربة الذي يكنه سليمان لمدينة باريس يشكل قيمة مهيمنة على فضاء الرواية فلا تحضر باريس غالبا ولا يذكر منها الا العناصر المشكلة لمحيطها الاطرافي وفي زمن قد يسوده الظلام او الغروب.

كانت شقة كاترين مضاءة وعندالشرفة المطلة على نهر السين جلسا يطلان على النهر الساكن المبرقش بالاضواء الملونة، الا من زوارق بخارية تنطلق هنا وهناك في الاتجاهين المتعاكسين وسماء الشتاء الرمادية منشورة مثل وشاح كتفي فتاة تعاني من البرد والوحدة.

هنا الوصف يهيمن على زمن الحكي، واذا كان الوصف يجعل كل شئ في الحاضر فالسارد هنا يصف ما يراه امامه وهذا الحاضر الفضائي يحول الاشياء والاشخاص الى تعاصرية زمنية نعيشها معه ونشاركه فيها، والى جانب هذا البعد الجمالي لهو البنية التشكيلية التي يقدمها لنا السارد هناك البعد النفسي حيث تظل باريس كملفوظ روائي غارقة في زمانها الكوني المسيطر على فضائها الذي يؤثر على الحالة النفسية لسليمان عثمان، والى جانب هذا البعد النفسي والاستاتيكي الذي تشي به الامكنة وزمانيتها، هناك البعد الاجتماعي الذي نتعرف عليه كملفوظات دلالية تشير الى انحياز واضح في تنظيم هذه الامكنة داخل الرواية ان مسكن سونيا مثلا، ليس بنية ثابتة وانما بنية قائمة لتكشف عن الاحاسيس الدفينة والحالة الاجتماعية للطبقات الدنيا، فهي تسكن في مبنى آيل للسقوط ومسكنها كله فوضى ورثاثة وانك ان المكان يبدو ظاهريا ثابتا، عكس الشخصيات التي تنتقل من مكان الى مكان محتفظة بسلطتها في التداخل وان كانت الشخصية غائبة فانها تحتفظ بمكانتها ودورتها في البنية الفعلية للرواية، فالمكان لا تكون له اهمية الا عندما يحدث فيه شئ فمثلا شقة سليمان تلتقى مع مسكن سونيا في هذه الاجواء النفسية العزلة، الصمت، الانزواء.

من شرفة شقة سليمان بالطابقة الرابع عشر، كان سليمان ينظر الى باريس والليل يمتلئ بالضياء حياة جارية لاهثة، لا تتوقف مثل نهر يجري من المنبع الى المصب، نوافذ مطفأة نوافذ مضيئة وباريس هي مدينة كغيرها من المدن الكبيرة في العالم فيها كل شئ وفيها لا شيئ الموت والحياة وهذا المكان المنزوي الصغير ، هذه الشرفة ، هذه الشقة، التي كانت تمتلئ بالحياة ذبلت انطفأت اين سونيا؟!

عيسى الحلو على المستوى اللفظي يلعب على نظام التوازي والتقابل الضدي نوافذ مطفأة نوافذ مضيئة كل شيئ لا شئ الموت الحياة امتلاء وذبول.

وهو تقابل ضدي يعبر عن انفصام نفسي بين الذات ، حركتها والاشياء وموتها، فماذا يعني انطفاء وذبول الحياة في الشقة؟ أليس هناك احساس بعالم الموت وهو يدب الى الذات؟ احساس بالفقدان بين الذات وغيرها وينضاف الى كل هذا احساس عميق بالحصار والوحدة انتقلت سونيا الى شقة سليمان ومن يراهما يظن انهما زوجان متفاهمان يعيشان هنا من زمن طويل اعدت سونيا العشاء جلسا يأكلان واضواء باريس الصاخبة تتسلل عبر زجاج نافذة الصالة كانت باريس كلها تحتهما اضواء متناثرة كنجوم السماء وهما صامتان في وحدتهما.

ثلاثة افعال: انتقل - اعد - جلس لهذه اللقطة السينمائية لحركة سونيا في شقة سليمان تشير الى روتينيه الزمن وايقاعه البطئ كما تعبر عن الحالة النفسية لسليمان فعندما تسأله سونيا، بعد ان قررت الانتقال الى الشقة« في مقابل ماذا؟» يرد عليها سليمان بكل هدوء « لاشئ» « لنقل اذاً في مقابل الصحبة ان نتشارك الوحدة».

وبموازاة مع شقة سليمان وسونيا هناك شقة كاترين المختلفة من حيث الموقع والتصميم الهندسي والتأثيث حيث كل شئ مهيأ فكاترين هي الثقافة والثراء والطبقة الاجتماعية الرفيعة وبنفس القدر نجد فيلا مدام تريزا وسليم البدري فهذه العلاقة غير المتكافئة بين الامكنة بين الفراغ والامتلاء هنا وهناك تعكس هندسة الفضاء الروائي في صباح الخير، فاذا كان المكان حقيقيا فكل شئ مرتبط وملتصق به يصبح حقيقيا بدوره.

وعبر هذه القناة يكون الاختصار في الزمن الفضائي ويكون الحفر في الذاكرة واللجوء الى اماكن اخرى ، هافانا، روما مدريد ، مارتنيك حقيقة ان البنية الفضائية في رواية صباح الخير ايها الوجه اللامرئي الجميل، بقدر ما هي مرتبطة بالحكي ونموه وتطوره والوصف كتجميد لزمن الحكي، يتطلب منا التأمل والاستراحة باعادة النظر في كل ما مر بنا او ما هو امامنا، فهي مرتبطة اساسا بمكونات الشخصيات في بعديها النفسي والاجتماعي عبر عملية التوازي والتضاد التي اتبها عيسى الحلو في رواتيه.