حجر الظلت
18-05-2005, 07:51 AM
أريحيات الطيب... وما لزم توضيحه
بقلم:
د. غازي صلاح الدين
1
يقول أرتور شنابل وهو عازف بيانو مشهور من أصل نمساوي: ''بالنسبة للنغمات فإني أؤديها كما يفعل كثير من العازفين. أما السكتات بين النغمات- أها! ههنا حيث يقبع الفن.''
ما يقوله شنابل عن الموسيقى يصدق على الكتابة، وكثيراً ما يضيع المعنى أو يتحور لا بسبب ما نقوله، بل بسبب ما لا نقوله، لا بسبب الكلمات بل بسبب ما بين الكلمات.
2
ظن بعضهم أن جوهر وصفي للزمن الذي زعمت أن الطيب صالح يحب أن يستمد منه أنه زمن بائد، كما أن السودان الذي تحدثت عنه هو عالم منقرض. وهذا، لعمرك، يجرنا إلى جدل شائك حول طبيعة الزمن بين العلم والفن. وما بين الطبيعتين مسافة كبيرة لكن الناس يخلطون بينهما خلطاً شائناً، كالخلط بين البيدودة والخُلد.
الزمن في حالة الإبداع الفني سرمدي لا اتجاهي، أما في حالة الإنجاز العلمي فهو ظرفي تصاعدي. السرمدية تقابل كلمة Timelessness, التي يمكن أيضاً ترجمتها حرفياً باللازمنية، وإن كانت ترجمة خالية من الجمال. بطريقة أخرى حسابية يمكن تصوير العلاقة بين الزمن والعلم أو الفن من خلال رسم بياني محوره السيني يمثل الزمن ومحوره الصادي يمثل العلم أو الفن. بالنسبة للعلم سنحصل على خط بياني صاعد من الصفر متجها إلى ما لانهاية، وسنشرح لماذا. أما بالنسبة للفن فإن الخط البياني سيمضي في مسار أفقي لا يرتفع ولا ينخفض إلا من طفرات رأسية حادة (حراب) يحدثها ظهور مبدع أو موهوب ثم يعود الخط في اتجاهه الأفقي مرة أخرى. وبذلك يثور سؤال جوهري حول جدوى استخدام الزمن بعداً في قياس الإبداع.
لمزيد من التوضيح نقول إن الزمن في حيز اللاماديات عموماً، كالفن والدين والأخلاق، سرمدي لا يصلح مقياساً للتطور، لأنه لا ينطلق من نقطة معينة متصاعداً أو منتهياً عند أخرى بصورة يمكن قياسها حسابياً. عقيدة الوحدانية مثلاً في الدين لا تستند إلى حقيقة حادثة ظهرت
مع نشأة البشرية وتطورت بتطورها، وإنما هي حقيقة مستقلة بذاتها وسابقة لوجود البشرية. وهي أيضاً لن تنتهي بنهاية البشرية، بل ستبقى إلى زوال الدنيا. لذلك فإن من أسماء الله الأول والآخر. وليست الأولية هنا أولية ابتداء ولا الآخرية آخرية انتهاء، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. وحدانية الله مبدأ سرمدي مطلق لا يتغير، ولا يكتمل ولا ينقص، لا بالزمن ولا بغيره.
الأخلاق مثل الدين لا تنشأ ولا تتأثر بالمقياس الزمني. فالبشرية لم تتوصل، من خلال مسار زماني تطوري صاعد، إلى أن الكذب والسرقة والخيانة والشح والقسوة أخلاق سيئة وأن الصدق والأمانة والكرم والرحمة أخلاق حميدة. الرؤية إلى هذه الأخلاق ظلت واحدة لم تتغير منذ أن كانت البشرية.
الإبداع الفني كذلك سرمدي وليس زمنياً، فقصائد هوميروس تحوي إبداعاً بشريا تصعب مضاهاته اليوم، وهي ستظل عملاً مبدعاً يثير الإعجاب بلا قيد زمني. معلقات العرب كذلك؛ ولو كان الإبداع زمنياً لأصبح الشعر اليوم أرق وأبدع مئات المرات مما كان عليه أيام زهير ولبيد وطرفة. وامرؤ القيس وأبو الطيب المتنبي وأحمد شوقي لا يمثلون حلقات في مسيرة فنية متصاعدة في تاريخ الشعر العربي، بل كل واحد منهم مبدع بذاته من غير نسبة إلى الزمان، تقدماً أو تأخراً. والفنان الذي نحت وجه نفرتيتي قبل قرابة ثلاثة آلاف عام لا يزال يتحدى بمهارته فناني القرن العشرين. بل إن رسوم الكهوف التي أبدعها الإنسان الأول قبل عشرين ألف سنة لا تزال محافظة على قيمتها الجمالية التي تؤكد سرمدية الإبداع.
العلم، بخلاف الفن والأخلاق والدين، زمني، أي أنه مادي نسبي يتأثر بالتطور. وعلوم البشرية اليوم هي نتيجة مباشرة لحلقات متراكبة ومتصلة من البناء والتجويد الظرفي. فالطب والفيزياء والكيمياء والرياضيات والميكانيكا والزراعة..إلخ كلها علوم استندت على مكاسب الإنسانية في أحقابها السابقة وتطورت من حالة بدائية إلى حالتها الراهنة وهي لا تزال تمضي نحو مزيد من التطور، وهذا هو الذي يفسر الخط البياني التصاعدي كما وصفناه سالفاً. وما كان حقيقة علمية أو نظرية مسلما بها قبل قرن من الزمان، وربما أقل من ذلك، يتعرض اليوم لدحوض قوية.
خلاصة القول هو أنك تستطيع أن تقول إن حقيقة علمية ما أو نظرية علمية ما قد ''تجاوزها الزمن''، لكنك لا تستطيع أن تقول نفس الشيء عن عمل فني مبدع، أو مبدأ أخلاقي مستقيم، أو عقيدة دينية صحيحة.
3
كما أن الفن والفكر والدين والأخلاق عوالم لازمانية، فإنها جميعاً لامكانية أيضاً، أي لا تقيدها حدود المكان. وإنني لأعجب ممن يشتكي من غزو الأفكار والثقافات. هذا كمن يشتكي من قانون طبيعي كالجاذبية مثلاً. الأفكار القوية بطبيعتها توسعية. لا توجد فكرة ناجحة في الثقافة أو الاقتصاد أو الأخلاق أو السياسة تنغلق على نفسها وتمتنع من ذاتها من التوسع على حساب بقية الأفكار. هذا قانون طبيعي مثل القانون الاقتصادي القائل ''النقود الجيدة تطرد النقود السيئة''، وهو ما يجعل السلطات النقدية تقيم حواجز من القيود والسياسات تضبط بها العلاقة بين العملات وتوجهها في الغالب لحماية العملة المحلية.
ولئن أمكن التحكم بهذه الصورة في الاقتصاد فقد أثبتت التجارب أنه شبه مستحيل في عالم الأفكار. إن الذي لا يملك فكرة قوية يدعو لها أو ينافح بها حتم عليه أن يصبح غرضاً لغزو الأفكار والثقافات الأخرى. ولا نجاة لأمة من الإغراق الثقافي والفكري ما لم تبادر هي إلى تقديم ما لديها من أفكار جديدة وقوية. هذا حديث يطول وتطول في سرده المواجع. لكن مناسبته هي أن الطيب صالح قد أفلح بإبداعه في أن يحقق اللامكانية كما حقق اللازمانية، وهذا ما فاتني أن أذكره في كلمتي السابقة.
برغم أن الطيب صالح قد احتمل مفارقة أرضه فترة طويلة للغاية، إلا أن له حديثاً ممتعاً عن
إيقاع الأرض، أظنه بسبب نشأته في تلك المنطقة من الولاية الشمالية التي يقدس أهلها الأرض. يظهر ذلك الولع في رواياته كما يظهر في أحاديثه الخاصة والعامة. فهو يرى أن الأرض كالكائن الحي لها انفعالات وأحاسيس وأفضليات وجملة قواعد وقوانين خاصة بها، يفهمها، أو لا يفهمها، القاعدون فوقها. وبمقدار ذلك الفهم أو عدمه تتشكل العلاقة بين الأرض وقاطنيها.
يقول الأستاذ الطيب صالح إنه قد نبهه إلى ذلك الفهم كاتب فرنسي، وربما أضاف هو إليه من عنده. وفي اعتقادي أن شيئاً من ذلك الفهم موجود في رؤية الدين للكائنات كما تظهرها الآية ''وإن من شيء إلا يسبح بحمد الله ولكن لا تفقهون تسبيحهم''. و''شيء'' هنا تجعل الأمر متعدياً محض الكائنات العضوية، مما يضفى بعداً حيوياً على علاقة الإنسان بالكون حتى بالجمادات. و ''أحد جبل يحبنا ونحبه'' مثال آخر. و ''إنما المدينة كالكير تنفي خبثها وتنصع طيبها'' مثال ثالث. وتحريم العدوان على الأرض المعينة بكل ما حوت من أشكال الحياة كما في حالة مكة والمدينة مثال رابع. كلها تعبيرات عن حبل الحياة القوي والخفي في آن الذي يربط الإنسان بالأرض ويشكل العلاقة بينهما.
4
عندما تحدثت عن الزمن الذي يحبه الطيب صالح فكأنني ألمحت إلى أنه زمن به صفات تجعله حبيباً إلى كثيرين منا وإن لم نصرح بذلك. وفي هذا فقد باينت تقاليد السياسة السودانية التي تقوم على مبدأ ''كلما دخلت أمة لعنت أختها''.
لكنني في إشارتي إلى السودان المعروف في ذلك الزمن، الذي يحبه الناس بدرجات متفاوتة، لم أستخدم تعبير ''السودان القديم''، لسببين. السبب الأول سياسي، وهو أن اصطلاحاً يشيع هذه الأيام يتحدث عن ''السودان الجديد''، فآثرت الابتعاد عن تعبير ''السودان القديم'' تجنباً للخلط أو لشكاس غير محبذ. السبب الثاني هو أن تعبير ''القدم'' مختلف تماماً عن التعبيرين اللذين استخدمتهما وهما ''العتاقة'' و''الأزلية''.
العتاقة تضيف جوهراً حياً ونابضاً لمفهوم القدم. ألم تر أن الله، سبحانه وتعالى،وصف بيته بالعتاقة فقال: ''وليطوفوا بالبيت العتيق''. أما التعبير الثاني الذي استخدمته وهو الأزل فهو مرتبط بمفهوم السرمدية حيث يتعلق بالشق الورائي منها، أي أن ما وراء السرمد هو الأزل. كما أن الأبدية تصف الشق الأمامي من السرمدية، أي أن ما أمام السرمد هو
الأبد. والأزلية بهذا تعبير ملائم عند الحديث عن الفن والإبداع عموماً للأسباب التي ذكرتها. وقد قلت تحديداً إن الطيب صالح كأنه خارج من كتاب ود ضيف الله الذي يصف ذلك السودان ''المعتق بالقدم''، وقلت في موضع آخر إنه ''مشدود إلى ذلك الأزل'' وليس إلى الماضي، وشتان ما بين الماضي والأزل. ثم إنني وصفت ذلك العالم قائلاً بأنه بالنسبة إلى كثيرين هو العالم ''الأصيل'' الذي يرون أنه قد أفسدته عليهم الحقب السياسية الكبرى التي جاءت ببعض فضائل الحداثة وكثير من أرزائها، ابتداء من التركية فما بعدها إلى وقتنا الراهن. وفي اعتقادي أن الأستاذ الطيب شديد الصلة بذلك السودان العتيق بإحساسه وإبداعه لا بالانتماء العقلي أو الجسدي، وهو قد عبر عن الجانب الإبداعي في ذلك العالم بمهارة فائقة. وأرجو بهذا أن أكون قد برأت الأستاذ الطيب من الانتساب إلى زمان منقرض.
وهذا عزيزي القارئ، كما تقول الجملة الديوانية الشهيرة، ما لزم توضيحه.
بقلم:
د. غازي صلاح الدين
1
يقول أرتور شنابل وهو عازف بيانو مشهور من أصل نمساوي: ''بالنسبة للنغمات فإني أؤديها كما يفعل كثير من العازفين. أما السكتات بين النغمات- أها! ههنا حيث يقبع الفن.''
ما يقوله شنابل عن الموسيقى يصدق على الكتابة، وكثيراً ما يضيع المعنى أو يتحور لا بسبب ما نقوله، بل بسبب ما لا نقوله، لا بسبب الكلمات بل بسبب ما بين الكلمات.
2
ظن بعضهم أن جوهر وصفي للزمن الذي زعمت أن الطيب صالح يحب أن يستمد منه أنه زمن بائد، كما أن السودان الذي تحدثت عنه هو عالم منقرض. وهذا، لعمرك، يجرنا إلى جدل شائك حول طبيعة الزمن بين العلم والفن. وما بين الطبيعتين مسافة كبيرة لكن الناس يخلطون بينهما خلطاً شائناً، كالخلط بين البيدودة والخُلد.
الزمن في حالة الإبداع الفني سرمدي لا اتجاهي، أما في حالة الإنجاز العلمي فهو ظرفي تصاعدي. السرمدية تقابل كلمة Timelessness, التي يمكن أيضاً ترجمتها حرفياً باللازمنية، وإن كانت ترجمة خالية من الجمال. بطريقة أخرى حسابية يمكن تصوير العلاقة بين الزمن والعلم أو الفن من خلال رسم بياني محوره السيني يمثل الزمن ومحوره الصادي يمثل العلم أو الفن. بالنسبة للعلم سنحصل على خط بياني صاعد من الصفر متجها إلى ما لانهاية، وسنشرح لماذا. أما بالنسبة للفن فإن الخط البياني سيمضي في مسار أفقي لا يرتفع ولا ينخفض إلا من طفرات رأسية حادة (حراب) يحدثها ظهور مبدع أو موهوب ثم يعود الخط في اتجاهه الأفقي مرة أخرى. وبذلك يثور سؤال جوهري حول جدوى استخدام الزمن بعداً في قياس الإبداع.
لمزيد من التوضيح نقول إن الزمن في حيز اللاماديات عموماً، كالفن والدين والأخلاق، سرمدي لا يصلح مقياساً للتطور، لأنه لا ينطلق من نقطة معينة متصاعداً أو منتهياً عند أخرى بصورة يمكن قياسها حسابياً. عقيدة الوحدانية مثلاً في الدين لا تستند إلى حقيقة حادثة ظهرت
مع نشأة البشرية وتطورت بتطورها، وإنما هي حقيقة مستقلة بذاتها وسابقة لوجود البشرية. وهي أيضاً لن تنتهي بنهاية البشرية، بل ستبقى إلى زوال الدنيا. لذلك فإن من أسماء الله الأول والآخر. وليست الأولية هنا أولية ابتداء ولا الآخرية آخرية انتهاء، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. وحدانية الله مبدأ سرمدي مطلق لا يتغير، ولا يكتمل ولا ينقص، لا بالزمن ولا بغيره.
الأخلاق مثل الدين لا تنشأ ولا تتأثر بالمقياس الزمني. فالبشرية لم تتوصل، من خلال مسار زماني تطوري صاعد، إلى أن الكذب والسرقة والخيانة والشح والقسوة أخلاق سيئة وأن الصدق والأمانة والكرم والرحمة أخلاق حميدة. الرؤية إلى هذه الأخلاق ظلت واحدة لم تتغير منذ أن كانت البشرية.
الإبداع الفني كذلك سرمدي وليس زمنياً، فقصائد هوميروس تحوي إبداعاً بشريا تصعب مضاهاته اليوم، وهي ستظل عملاً مبدعاً يثير الإعجاب بلا قيد زمني. معلقات العرب كذلك؛ ولو كان الإبداع زمنياً لأصبح الشعر اليوم أرق وأبدع مئات المرات مما كان عليه أيام زهير ولبيد وطرفة. وامرؤ القيس وأبو الطيب المتنبي وأحمد شوقي لا يمثلون حلقات في مسيرة فنية متصاعدة في تاريخ الشعر العربي، بل كل واحد منهم مبدع بذاته من غير نسبة إلى الزمان، تقدماً أو تأخراً. والفنان الذي نحت وجه نفرتيتي قبل قرابة ثلاثة آلاف عام لا يزال يتحدى بمهارته فناني القرن العشرين. بل إن رسوم الكهوف التي أبدعها الإنسان الأول قبل عشرين ألف سنة لا تزال محافظة على قيمتها الجمالية التي تؤكد سرمدية الإبداع.
العلم، بخلاف الفن والأخلاق والدين، زمني، أي أنه مادي نسبي يتأثر بالتطور. وعلوم البشرية اليوم هي نتيجة مباشرة لحلقات متراكبة ومتصلة من البناء والتجويد الظرفي. فالطب والفيزياء والكيمياء والرياضيات والميكانيكا والزراعة..إلخ كلها علوم استندت على مكاسب الإنسانية في أحقابها السابقة وتطورت من حالة بدائية إلى حالتها الراهنة وهي لا تزال تمضي نحو مزيد من التطور، وهذا هو الذي يفسر الخط البياني التصاعدي كما وصفناه سالفاً. وما كان حقيقة علمية أو نظرية مسلما بها قبل قرن من الزمان، وربما أقل من ذلك، يتعرض اليوم لدحوض قوية.
خلاصة القول هو أنك تستطيع أن تقول إن حقيقة علمية ما أو نظرية علمية ما قد ''تجاوزها الزمن''، لكنك لا تستطيع أن تقول نفس الشيء عن عمل فني مبدع، أو مبدأ أخلاقي مستقيم، أو عقيدة دينية صحيحة.
3
كما أن الفن والفكر والدين والأخلاق عوالم لازمانية، فإنها جميعاً لامكانية أيضاً، أي لا تقيدها حدود المكان. وإنني لأعجب ممن يشتكي من غزو الأفكار والثقافات. هذا كمن يشتكي من قانون طبيعي كالجاذبية مثلاً. الأفكار القوية بطبيعتها توسعية. لا توجد فكرة ناجحة في الثقافة أو الاقتصاد أو الأخلاق أو السياسة تنغلق على نفسها وتمتنع من ذاتها من التوسع على حساب بقية الأفكار. هذا قانون طبيعي مثل القانون الاقتصادي القائل ''النقود الجيدة تطرد النقود السيئة''، وهو ما يجعل السلطات النقدية تقيم حواجز من القيود والسياسات تضبط بها العلاقة بين العملات وتوجهها في الغالب لحماية العملة المحلية.
ولئن أمكن التحكم بهذه الصورة في الاقتصاد فقد أثبتت التجارب أنه شبه مستحيل في عالم الأفكار. إن الذي لا يملك فكرة قوية يدعو لها أو ينافح بها حتم عليه أن يصبح غرضاً لغزو الأفكار والثقافات الأخرى. ولا نجاة لأمة من الإغراق الثقافي والفكري ما لم تبادر هي إلى تقديم ما لديها من أفكار جديدة وقوية. هذا حديث يطول وتطول في سرده المواجع. لكن مناسبته هي أن الطيب صالح قد أفلح بإبداعه في أن يحقق اللامكانية كما حقق اللازمانية، وهذا ما فاتني أن أذكره في كلمتي السابقة.
برغم أن الطيب صالح قد احتمل مفارقة أرضه فترة طويلة للغاية، إلا أن له حديثاً ممتعاً عن
إيقاع الأرض، أظنه بسبب نشأته في تلك المنطقة من الولاية الشمالية التي يقدس أهلها الأرض. يظهر ذلك الولع في رواياته كما يظهر في أحاديثه الخاصة والعامة. فهو يرى أن الأرض كالكائن الحي لها انفعالات وأحاسيس وأفضليات وجملة قواعد وقوانين خاصة بها، يفهمها، أو لا يفهمها، القاعدون فوقها. وبمقدار ذلك الفهم أو عدمه تتشكل العلاقة بين الأرض وقاطنيها.
يقول الأستاذ الطيب صالح إنه قد نبهه إلى ذلك الفهم كاتب فرنسي، وربما أضاف هو إليه من عنده. وفي اعتقادي أن شيئاً من ذلك الفهم موجود في رؤية الدين للكائنات كما تظهرها الآية ''وإن من شيء إلا يسبح بحمد الله ولكن لا تفقهون تسبيحهم''. و''شيء'' هنا تجعل الأمر متعدياً محض الكائنات العضوية، مما يضفى بعداً حيوياً على علاقة الإنسان بالكون حتى بالجمادات. و ''أحد جبل يحبنا ونحبه'' مثال آخر. و ''إنما المدينة كالكير تنفي خبثها وتنصع طيبها'' مثال ثالث. وتحريم العدوان على الأرض المعينة بكل ما حوت من أشكال الحياة كما في حالة مكة والمدينة مثال رابع. كلها تعبيرات عن حبل الحياة القوي والخفي في آن الذي يربط الإنسان بالأرض ويشكل العلاقة بينهما.
4
عندما تحدثت عن الزمن الذي يحبه الطيب صالح فكأنني ألمحت إلى أنه زمن به صفات تجعله حبيباً إلى كثيرين منا وإن لم نصرح بذلك. وفي هذا فقد باينت تقاليد السياسة السودانية التي تقوم على مبدأ ''كلما دخلت أمة لعنت أختها''.
لكنني في إشارتي إلى السودان المعروف في ذلك الزمن، الذي يحبه الناس بدرجات متفاوتة، لم أستخدم تعبير ''السودان القديم''، لسببين. السبب الأول سياسي، وهو أن اصطلاحاً يشيع هذه الأيام يتحدث عن ''السودان الجديد''، فآثرت الابتعاد عن تعبير ''السودان القديم'' تجنباً للخلط أو لشكاس غير محبذ. السبب الثاني هو أن تعبير ''القدم'' مختلف تماماً عن التعبيرين اللذين استخدمتهما وهما ''العتاقة'' و''الأزلية''.
العتاقة تضيف جوهراً حياً ونابضاً لمفهوم القدم. ألم تر أن الله، سبحانه وتعالى،وصف بيته بالعتاقة فقال: ''وليطوفوا بالبيت العتيق''. أما التعبير الثاني الذي استخدمته وهو الأزل فهو مرتبط بمفهوم السرمدية حيث يتعلق بالشق الورائي منها، أي أن ما وراء السرمد هو الأزل. كما أن الأبدية تصف الشق الأمامي من السرمدية، أي أن ما أمام السرمد هو
الأبد. والأزلية بهذا تعبير ملائم عند الحديث عن الفن والإبداع عموماً للأسباب التي ذكرتها. وقد قلت تحديداً إن الطيب صالح كأنه خارج من كتاب ود ضيف الله الذي يصف ذلك السودان ''المعتق بالقدم''، وقلت في موضع آخر إنه ''مشدود إلى ذلك الأزل'' وليس إلى الماضي، وشتان ما بين الماضي والأزل. ثم إنني وصفت ذلك العالم قائلاً بأنه بالنسبة إلى كثيرين هو العالم ''الأصيل'' الذي يرون أنه قد أفسدته عليهم الحقب السياسية الكبرى التي جاءت ببعض فضائل الحداثة وكثير من أرزائها، ابتداء من التركية فما بعدها إلى وقتنا الراهن. وفي اعتقادي أن الأستاذ الطيب شديد الصلة بذلك السودان العتيق بإحساسه وإبداعه لا بالانتماء العقلي أو الجسدي، وهو قد عبر عن الجانب الإبداعي في ذلك العالم بمهارة فائقة. وأرجو بهذا أن أكون قد برأت الأستاذ الطيب من الانتساب إلى زمان منقرض.
وهذا عزيزي القارئ، كما تقول الجملة الديوانية الشهيرة، ما لزم توضيحه.