حجر الظلت
26-04-2005, 11:25 AM
الشيخ البرعي إلى مثواه الأخير بقرية الزريبة
الشيخ البرعي في رحاب الله
ودعت الأمة السودانية في حزن خاشع ، وبقلوب صابرة وأعين دامعة ، أحد أعلامها وركائز حياتها الروحية .. الشيخ العارف بالله عبد الرحيم البرعي ، الذي عرفته مجالس العلم وساحات التصوف لعقود طويلة كرمز لروح التدين العميق والاصيل في المجتمع السوداني ، والذي ارتحل عن دنيانا الفانية في فجر أمس الاحد لتسكن الحسرة في القلوب وليترك الشيب قبل الشباب العنان لدمعاتهم لتعبر عن عظم الفجيعة لديهم في فقد الشيخ البرعي، وفي لحظات الحزن التي داهمت الجميع على حين غرة، هرع الناس الى استذكار ماجسده الشيخ الوقور طيلة حياته من قيم سمحة واخلاق فاضلة لقد مثل الشيخ البرعي بما تركه من ارث عظيم عبر نهجه المقتفي لآثار أئمة الاسلام المهتدين، انموذجاً طيباً لمريديه واحبابه، وتعدى تأثيره نطاق «الزريبة» ، الموقع الروحي الذي عاش فيه واجتذب نحوه اتباع طريقته، ليصل ذلك التأثير الى دائرة واسعة عمت ارجاء الوطن كافة، فقد ظل الشيخ الجليل في رحلاته وعلاقاته وصلاته بشيوخ الطرق الصوفية في كل مكان، علماً بارزاً لاتخطئه العين، وامتدت بينه -عليه رحمة الله- وبين فئات مجتمعنا قاطبة اقوى وامتن الصلات، فتجسدت من ذلك خلال سنوات حياته الطيبة والعامرة بالخيرات علاقة مميزة لها رونقها، قوامها احترام الناس الشديد للشيخ الجليل .. فقد افلح بمسلكه الفريد في اجتذاب الناس الى رحاب المعرفة الصوفية، باشراقاتها وتوهجها ، ذلك انه استمد عمق تجربته من نهج التسامح والتصافي والمحبة الخالصة. وفوق ذلك كله عرفه اهل السودان عالماً متواضعاً، كتواضع العلماء الافذاذ لم يجنح يوماً الى الغلو أو التشنج ، فنجح في جمع الصف وتوحيد الكلمة.. وعمد دائماً الى بساطة الشرح لتعاليم الدين مهتدياً بالقدوة الحسنة المصطفى عليه افضل الصلاة والسلام. لقد استشعر المجتمع السوداني يوم أمس في مدنه وحواضره وفي بواديه وقراه، في «الحّلال» و«الفرقان» مرارة الفقد للشيخ العارف بالله عبدالرحيم البرعي الذي ارسى لنا طيلة حياته معالم الاستقامة والطهر والكرم والابوة الصادقة لمريديه واحبابه، فكان اخاً شفوقاً للكبير وأباً حنوناً للصغير . وقدم في حياته الطاهرة المثال الصادق على اخلاص النية وصدق التوجه وقوة العزيمة . جمع حول كلماته في هداية الناس نثراً قلوب الكثيرين، وتميز شعراً بفريد قصائد المدح للرسول عليه الصلاة والسلام ، لتتناقل الشفاه «مدحات البرعي» ببساطة ويسر. ان الفقد لعظيم، وان الامة السودانية بمكوناتها وفئاتها كافة تفتقد الراحل المقيم، الشيخ الجليل البرعي، الذي ترك تراثاً علمياً وادبياً خالدا، وجسد مسلكه الواقعي في التصوف اعظم الدروس والعبر بشأن الكيفية التي يمكننا ان نعمق بها اثر التدين في حياتنا. لقد بذل فأخلص العطاء، ونذر حياته كلها لفعل الخيرات ، فظل ينشيء المساجد وخلاوى القرآن الكريم، ليحيل بذلك حياتنا الى مساحات مضيئة يشع فيها «نور القرآن».. فما احرانا في لحظات الحزن العميق الى ان نستذكر كل ما خلده من معان وقيم في التدين والتسامح والتصافي بين القبائل والاجناس كافة.ألا رحم الله الفقيد العظيم، الشيخ الجليل عبدالرحيم البرعي، واسكنه فسيح جناته مع الانبياء والصديقين والشهداء وحسن اولئك رفيقا . «إنا لله وإنا اليه راجعون».
--------------------------------------------------------------------------------
هكذا تحدثوا عن الشيخ البرعي..
الشيخ صادق عبد الماجد : البرعي قدم فكراً نظيفاً .. وقـرب الناس من مفهوم الاسلام السليم
تقرير : حافظ الخير
الشيخ صادق عبد الله عبد الماجد المرشد العام للاخوان المسلمين بالسودان قال عن الشيخ البرعي : إن فقده فقد أمة، لأن البرعي لم يكن شخصاً واحداً وفقده «بنيان قوم تهدما». لكن سنه الله تجري في العباد بمشيئة الله وإذا كانت الأعمال تقاس بأعمار الناس فإن البرعي عليه رحمة الله قدم اعمالاً مضاعفة آلاف المرات مما يطلب من كل مواطن، لأنه لم يقدم عملاً مكتبياً ولا وظيفة في مرفق من المرافق العامة أو الخاصة لكنه قدم فكراً والانسان بحاجة الى من يقدم فكراً نظيفاً والشيخ البرعي قدم الكثير بفكره وانشأ معاهد للعلم والنور وقرب الناس من مفهوم الاسلام السليم والمرتبط بالله ورسوله الكريم الذي ابرزه الشيخ البرعي في صورة حببته الى جميع الناس، القربى من رسول الله صلى الله عليه وسلم محبة واقتداء .. إن البرعي كان استاذاً للسودان شيبه وشبابه، مثقفيه وعامته، وبالفكر تحيا الأمة الفكر العملي التطبيقي. البرعي وضع يد الناس جميعاً على حقيقة ان السودان بغير الاسلام لايحيا وان ظن انه يعيش بين الناس. ان الشيخ البرعي خلق تراثاً سيبقى زماناً منارة للناس وأمناً لهم في نفوسهم.
لا أقول إنه فلتة من فلتات الزمن لكنه هبة من هبات الله تعالى عندما يشتد الظلام امام الناس فيضئ الطريق امامهم بالكلمة الطاهرة النظيفة المخلصة المتجردة فقد خلف للناس تراثاً عظيماً وسيظل معلماً امام الكثيرين من الذين يسيرون على بينات الطريق المستقيم الذي حدده الله للانسان.
الشيخ البرعي لايمكن ان يوفه الناس حقه لأن حقوقه معلقة لدى كل السودانيين .. ليست حقوقاً مادية كلا، ولكنها حقوق تمتن علاقة الناس بالله والاسلام وتحثهم على السير بطريق قويم يمكن به ان يصل الناس الى راية تربطهم بالله تعالى .. الشيخ البرعي تشفع له أعماله التي لاتمحوها الأيام وان امتدت .. الشيخ البرعي احسب ان قصائده في مدح الرسول والانشاد الديني والتراث قد أثرت في كثير من الشباب واصبحت تردد في الافراح واستبدلت انحرافات الناس في الافراح بالاحسن.
من الطرق الصوفية تحدث الشيخ عبد القادر التوم من الطريقة التيجانية ووصف الشيخ البرعي بأنه فقد للأمة العربية وقال لانستطيع منحه حقه مهما تحدثنا عنه والشئ الذي قدمه للشعب السوداني كبير.
علاقتنا به كانت حميمة وكان مرشداً وأباً لنا وكنا نرجع له في أي شئ صغر أم كبُر وكان رجلاً علامة وله قدرات فائقة. وعندما جالسته ذهلت بطريقته في الحديث وهي غير عادية وفعل الكثير في سبيل نشر الدعوة الاسلامية وانشأ عدداً من خلاوى تحفيظ القرآن والمساجد وندعو له بالرحمة والمغفرة بقدر ما اعطى للأمة العربية والشعب السوداني بالاخص.
فيما أكد الشيخ محمد احمد محمد عيسى المُشيخ من الشيخ الصادق خالد عباس الصايم ديمة من الطريقة القادرية العركية ان رحيل البرعي فقد جلل مس الأمة الاسلامية وهو رجل قلما نصفه بأنه أحد السلف الصالح الذين أشرقت بهم هذه الدنيا ونوروا هذا الكون بمديح المصطفى صلى الله عليه وسلم وهو امتداد لمادحي الرسول «صلى الله عليه وسلم» حسان بن ثابت والبوصيري والبرعي اليماني. ونحن أهل الطريقة العركية القادرية نتمنى من المولى عز وجل ان يتقبله قبولاً حسن بقدر ما قدم للأمة السودانية وإن العين لتدمع وإن القلب ليخشع وإنا لفراقك لمحزونون يا برعي وبالطبع أبونا شيخ صادق تآخى مع البرعي في مسجد الحارة «17» أمبدة وتبادلا الزيارات واليوم بفقد البرعي متألمون جداً.
--------------------------------------------------------------------------------
الشيخ البرعى: جمع بين الأدب والرزانة ودماثة الخلق والصبر على الناس
بقلم: حسن مكي
تمثل الأشجار الكبيرة في الطبيعة الكثير يستظل بها الناس ويتمتعون بجمالها وثمارها كما انها ترمز للعطاء، لأنها فقط تعطي - وباختصار كان هذا حال الشيخ البرعي الذي فقده السودان في السبت العاشر من محرم 1426هـ الموافق 19 فبراير 2005م..
سمعت بالشيخ قبل أن أراه، ثم تعرفت عليه أكثر من خلال مدائحه وصوره التي تبثها وسائل الاعلام، الى ان ذات يوم، طرق خفير المنزل ووجهه يستبشر قائلاً البرعى يتفقد في المنطقة، يريد ان يبنى فيها مسجداً في تلك الأيام من عام 1996م كان عدد المنازل المقامة على أصابع اليد..
وأصبح الشيخ البرعي وجهاً مألوفاً، شد الراكوبة وأخذ يصلى بالناس ووجه مقاصد بعض رؤوس الأموال لبناء مسجد المجاهدين الشامخ بأصوله، وبعد ذلك بدأ بمسجد آخر في بورتسودان وكان يطمع أن يصبح مسجد المجاهدين بالاضافة الى اقامة الصلاة كذلك صرحاً ثقافياً واجتماعياً وطبياً ولعله يبلغ ذلك على يد خليفته وأبنائه ومريديه وأهل الحي..
نشأ الشيخ نشأة عصامية وولد في الربع الأول من القرن المنصرم 1922م، في ربوع وتقاليد الطريقة السمانية التي كان والده واحداً من مشائخها، والطريقة السمانية من أعرق الطرق الصوفية قدماً في السودان وبرزت في نهاية دولة الفونج ومن المعلوم ان رايات الطريقة التجانية ارتفعت في التربة السودانية في فترة متقاربة «1813/1820م»..
وتميز الشيخ احمد الطيب البشير بالكسب الوجداني بعد تحصيلاته العلمية في مصر والحجاز وغيرها..
ومع ان الشيخ البرعى لا ينحدر من أسرة الشيخ أحمد الطيب الا انه يمثلها فكراً وعقلاً ووجداناً، ونجح في متابعة ترقياته الروحية حتى اصبح ركناً ركيناً من أركان المسعى السمانى وأهله لذلك صفات كسبية وطبيعية ووهبية، وقد برز كسبه الروحي في مساجده وكتاتيبه ومريديه كما نضجت معارفه وتوسعت علاقاته، كما دخلت قصائده وأناشيده في كل بيت ومنحته الجامعة الاسلامية في أم درمان درجة الدكتوراة الفخرية في العلوم الاسلامية، كما أقامت له جامعة افريقيا العالمية حفلاً قدمت له فيه شهادة تقديرية عرفاناً وتقديراً لكسبه ومكانته..
جمع الشيخ بين الأدب والرزانة ودماثة الخلق والصبر على الناس والقدرة على تحمل ضغوطهم، زارني ذات يوم ولما خرجت أودعه وجدت خلقاً كثيرة في انتظاره، فقال لي هل اعطيك شيئاً من هم تصريف أمورهم؟ قلت ضاحكاً ولا دقيقة فإني لا استطيع معك صبراً..
* كان آخر البرعى، لقد كان دوحة في أرض وسماء افريقيا وخفف على الخلق كثيراً من معاناة هذه الحياة بأشعاره وبسمته ومعالجاته الفنية والروحية واستطاع ان يجدد ارواح الكثيرين ويربطهم برباط الدين وستظل الزريبة والمؤسسات الاسلامية التي أحياها وأقامها رباطاً الى يوم الدين وسلام عليه مع الاتقياء والصالحين..عهدي به، حينما اشتد به المرض في ألمانيا فهاتفته وتكلمت معه في محادثة لم يبق في الذاكرة منها شىء كثير.
رحم الله الشيخ..
--------------------------------------------------------------------------------
برعي مادح الرسول: كــــره الســــياســــة .. ألـــف السـاسة
الخرطوم : ماجدة حسن
شيعت جماهير غفيرة أمس الشيخ عبد الرحيم محمد بن الشيخ وقيع الله البرعي، والكردفاني مولداً ونشأة ووطناً والمالكي مذهباً والكاهلي نسباً.. وقد ولد الشيخ عبد الرحيم البرعي في 1923 بالزريبة وأسماه أبوه على أخيه في الله الشيخ عبد الرحيم ود الحاج، ولقبه أهل السودان بالبرعي تيمناً بمادح الرسول المشهور عبد الرحيم بن احمد بن علي .. وتعتبر الزريبة مقره الدائم حيث حفظ القرآن بمسجد والده وتلقى عليه العلوم ولم يغادرها لطلب العلم، وكان يخرج منها ويعود اليها، كتب بخط يده «تلقيت علومي القرآنية والفقهية بخلوة والدي وشيخي محمد وقيع الله ولازمت دروسه العصرية في زمانه، وكنت أقرأ له المتون وهو يتولى شرحها. ولم أهاجر لبلد آخر لطلب العلم حتى توفي وقُلدت خلافته».
لازم الشيخ البرعي والده ملازمة دائمة دون سائر أخوانه الذين زاولوا مناشط الحياة المختلفة خصوصاً التجارة وكان يقوم مقام والده في العديد من الأسفار والمهمات الى ان توفي والده في 1944 وآلت الخلافة الى ابنه الأكبر الشيخ النور الذي تقلدها فترة ثم تنحى عنها لشقيقه الشيخ البرعي.
--------------------------------------------------------------------------------
البرعي: جذور راسخة
وللشيخ البرعي أربعة أخوان، الشيخ النور وتوفي بأم روابة والشيخ الخضر خريج الازهر المتوفي في 1983 والشيخ يوسف والشيخ سليمان والمقيمان بالزريبة الآن وله من الاخوات اربع عشرة أختاً ومنهن السارة التي ولاها تعليم النساء في مسيده، أما أمه فهي السارة بنت عبد الرحمن العوضي من قبيلة الجعليين، وقد تزوج الشيخ ست مرات أعاد فيهن تمازج الاعراق فإثنتان من الكواهلة واثنتان من الجعليين وواحدة من كل من الجوامعة والشويحات، وله منهن أربعة وعشرون من الذكور وسبع عشرة من الاناث وقد توفي له من الذكور محمد طاهر في العام 2002 في حادث بطريق المناقل وهاشم «نائب برلماني» توفي بسرطان الدم، واحمد ثم محمد وسليمان توفيا في حادث بطريق كوستي في رمضان .2004
والكل يعرف اهتمام الشيخ البرعي ببناء المساجد فقد افتتح في 2004 مسجداً جديداً بالزريبة وله مسجد بأم دم حاج احمد وآخر بأم روابة، والابيض، ومدني، وأم درمان «أم بدة» والمجمع الاسلامي بمدينة المجاهدين «الخرطوم» وآخر ببورتسودان، كما عرف عن الشيخ البرعي الاهتمام بالشباب والأيامى منهم فقد درج على اقامة الزواج الجماعي بالزريبة وظل ينادي بتخفيض المهور كما عرف الشيخ البرعي مجاملاً في الافراح والاتراح وله العديد من العلاقات وقد كان لايتعصب الى مذهب أو طريقة وفيه من المرونة ما يجعله يستقطب كل جانب ورغم موقفه وعم حبه للسياسة والذي تمثل أبياته التي يقول فيها :
تراني لا أميل الى السياسة ** ولم أصحب مدى الأيام ساسة
لعلمي ان مبدأها نفاق ** تموه بالبلاغة والملاسة
يبيع الدين بالدنيا ذووها ** لنيل العز فيها والرياسة
إلا أنه احتفظ بعلاقات ود وصلات طيبة مع كل الساسة الذين عاصرهم كما نجد في مجلسه كل ألوان الطيف السياسي. وعرف الشيخ البرعي بمدحه للمصطفى صلى الله عليه وسلم وله ديوان شعر «فتح ذي المعارج في الشعر السوداني الدارج، ورياض الجنة ونور الدجنة» ومنظومة فقهية عقائدية كما له ديوان شعر في رثاء والده كما مدح غير مشايخ الطريقة السمانية كلاً من محمد عثمان الميرغني، وعبد الله الشيخ البشير شيخ شعراء السودان، وهاشم عبد المحمود كما مدح احمد الطيب البشير، واحمد التيجاني، وعبد القادر الجيلاني، وخلفاء احمد الطيب البشير، والفاتح قريب الله، ويوسف العركي «أبوشرا»، وأرباب العقائد، وحسن ودحسونة وآخرين.
--------------------------------------------------------------------------------
البرعي ملحناً
عرف البرعي كشاعر مجيد واغلب المادحين يترنمون بكلماته فلا غرو ان يكون الشيخ البرعي ملحناً مجيداً فكان السؤال من أين يستمد الشيخ البرعي الحان مدائحه مما وفر لها رواجاً لاسابق له ويؤكد الاستاذ محمد آدم ترنين الاستاذ بكلية الموسيقى والدراما ان اهم مصادر الحان الشيخ البرعي هي الزريبة نفسها كما يؤكد على أثر البيئة الكردفانية على مدائح البرعي حيث ان اغلب مدائحه تتم داخل القوالب الفلكورية المعروفة في المنطقة مشيراً على سبيل المثال الى مدحة «المصطفى مني ليك سلام» الملحنة في اطار الجراري لكن بدون طمبارة أي هي من ايقاعات البيئة الكردفانية الاصلية وهي نفس الثقافة التي شكلت الاغنية الحديثة، ويؤكد الاستاذ محمد حسن عجاج على أثر البيئة الكردفانية على مدائح البرعي حيث تعتبر كردفان امتداداً ثقافياً للوسط ولم تتأثر المنطقة بثقافة جنوب ووسط كردفان ويتفق معه حول ذلك الاستاذ عبد القادر سالم حيث يرى ان بيئة شمال وشرق كردفان تتعامل مع السلم الخماسي، أما غناء جنوب كردفان والذي يمثله تحديداً غناء البقارة هو ما لانجده في الحان الشيخ البرعي إذ ان معظم الحانه مصدرها شمال ووسط وشرق كردفان حيث تتميز بغناء الجراري والهسيس والتويا وما يؤكد أكثر على تأثره بالبيئة الكردفانية تغنيه باللالوبة والموجودة في منطقة كردفان.
أما الاستاذ انس العاقب فيرى ان الشيخ البرعي وفي احيان كثيرة يقوم بتلحين اشعاره على انماط وقوالب المديح المعروفة وله ملكات فائقة في التلحين في كل ايقاعات المديح وقوالبه وفي مقامات سبق فيها تقليدية الحان المدائح وتجاوز بها حتى الغناء التقليدي في كثير من تناولاته وليس صحيحاً انه أخذ الحانه من الحقيبة حيث ان المديح كفن شعبي سبق الحقيبة بخمسة قرون وان الحقيبة في بداياتها اتكأت عليه. أما الماحي سليمان فيرى ان الحان البرعي تتسم بالميولديان السهلة والجميلة والمستوحاة من اساليب الغناء الشعبي والتقليدي بالسودان كما نجد في اعماله نماء للخطوط اللحنية والثبات الايقاعي والأداء الجماعي الذي يعتبر الشكل المثالي للغناء الشعبي.
والملاحظ في اشعار الشيخ البرعي ماهو جار على أوزان المعرب سليقة فهو ليس بنوي يلوك لسانه ولكنه سليقي يقول فيعرب.
--------------------------------------------------------------------------------
البرعي: مشتاق بالحيل
كما نجد في شعره النسيب والغزل وفيه من انواع البديع الجناس، والاشتقاق والاقتباس والتلميح فد جاء في ديوانه «رياض الجنة ونور الدجنة» اجزاء مبوبة جاء في مطلع جزئها الأول قصائده الربانية ثم تلاها بالمدائح النبوية فالأولى اسلامية والتي اخذت حيزاً كبيراً ثم جاء جزء لمدح اهل الطرق ولم ينس المناسبات كافتتاح بيت الله، كشف القناع وهناك فصل للمراسلات الى العباسي، نحن والسياسة وهناك جزء مختار من الشعر العامي، مبدي العلل، مشتاق بالحيل، طالت غيبتي. هكذا كان الشيخ البرعي، شيخاً مجيداً وأباً ودوداً وشاعراً مجيداً وملحناً، ومواصلاً فقد دعي الى عدة مؤتمرات داخل السودان وخارجه وتزخر أجهزة الاعلام المختلفة بمدائحه التي ينشدها «أولاد البرعي» منحته جامعة ام درمان الاسلامية الدكتوراة الفخرية في العام 1405هـ. ألا رحمه الله رحمة واسعة بقدر ما اعطى.
* مراجع: «السهل الممتنع» للدكتور ابراهيم القرشي، و«رياض الجنة ونور الدجنة» للشيخ البرعي.
--------------------------------------------------------------------------------
القرضاوي : كان البرعي يداوي
الناس بالـــــعفة والطهارة
نعى الشيخ الداعية المعروف يوسف القرضاوي فقيد البلاد البرعي قائلاً: فقدت البللاد الاسلامية شيخاً جليلاً ورعاً ألا وهو الشيخ الورع عبد الرحيم البرعي الذي كان يداوي الناس بالعفة والطهارة وذلك بواسطة القرآن الكريم والمدائح النبوية وكان الرجل ذا قلب وروح قوية استطاع ان يؤثر في عشرات الآلاف من أبناء هذه الأمة أسأل الله تبارك وتعالى ان يغفر له ويرحمه.
--------------------------------------------------------------------------------
الاماراتيون يعزون في الفقيد مأتم في أبوظبي للشيخ البرعي
الخرطوم : ابوظبي : الرأى العام
اقامت السفارة السودانية بدولة الامارات مساء أمس مأتماً للشيخ عبد الرحيم البرعي، بدار النادي السوداني في ابوظبي، خفت اليه جموع السودانيين المقيمين بالامارات بمختلف اطيافهم السياسية والدينية والاجتماعية.
وقال محمد الضي المستشار الاعلامي والثقافي بالسفارة، ان المأتم اقيم بتوجيه من سفير السودان بالامارات حاج الفكي هاشم الموجود حالياً بالخرطوم.
واوضح لـ «الرأى العام» ان جموعاً من الاماراتيين هرعوا الى دار النادي السوداني وقدموا واجب العزاء في الفقيد الذي عرف بصلاته القوية مع الاماراتيين.
وتبارى المعزون في رثاء البرعي وذكر مآثره وجهوده الخيرة واسهامه الوافر في الدعوة الاسلامية وتحفيظ القرآن الكريم ومدح الرسول صلى الله عليه وسلم.
--------------------------------------------------------------------------------
رئاسة الجمهورية تحتسب الشيخ البرعي
الخرطوم : سونا
احتسبت رئاسة الجمهورية عند الله تعالي العارف بالله الحافظ المادح الشيخ عبد الرحيم محمد بن وقيع الله البرعي الذي انتقل الي جوار ربه بعد حياة مليئة بالطاعات واعمال الخير . وفيما يلي النص : الحمد لله الذي جعل الموت الخطيب الواعظ والحاضر في منبر الوجود.. وجعل الدنيا دار ممر الي دار مقر.. والناس فيها رجلان. رجل باع نفسه فاوبقها ، ورجل ابتاع نفسه فاعتقها.. وطوبي لمن اختار الابتياع عن البيع. ولزم جادة الحق طريقا وسبيلا.. واكرم بالختام طاعة في جنب الله.. والشيخ الحافظ المادح عبد الرحيم بن وقيع الله البرعي . الذي ارتحل كوكبا وقمرا عن الدنيا في ليلة عاشوراء.. اذ تنعيه رئاسة الجمهورية لمحبيه ومريديه ولاهل السودان جميعا.. انما تنعي قيثارة المديح الذي عطر اماسي السودان بناجع القول والفيض الصافي في شمائل المصطفي «صلي الله عليه وسلم». وتنعي فيه ايكة المساكين المديدة الظل.. وكهف المريدين يلقنهم الرشد والرحمة.. واذا تسلم رئاسة الجمهورية بقضاء الله فانما تضرع الي الله القدير ان يرفعه في مقام الصدق الذي ارتجي وعمل له جنات عدن تجري من تحتها الانهار
.. وان يخلفنا الجلل بالبركة والفصل والخلق الصالح... «وانا لله وانا اليه راجعون»..
--------------------------------------------------------------------------------
والقنصلية المصرية تنعى البرعى
ينعى القنصل العام المصرى بالاصالة عن نفسه وبالنيابة عن اعضاء القنصلية المصرية العامة بالخرطوم الشيخ عبدالرحيم البرعى الذي توفى صباح يوم 20/2/2005م.. لقد كان الشيخ البرعى علماً من اعلام الصوفية بالسودان، واذ تنعى القنصلية المصرية الفقيد العظيم ندعو الله عز وجل ان يسكنه فسيح جناته مع الصديقين والشهداء وان يلهم أهله وذويه الصبر والسلوان.. «انا لله وانا اليه راجعون»..
قنصل عام جمهورية مصر العربية بالخرطوم
محمد اسماعيل فوز
:o
الشيخ البرعي في رحاب الله
ودعت الأمة السودانية في حزن خاشع ، وبقلوب صابرة وأعين دامعة ، أحد أعلامها وركائز حياتها الروحية .. الشيخ العارف بالله عبد الرحيم البرعي ، الذي عرفته مجالس العلم وساحات التصوف لعقود طويلة كرمز لروح التدين العميق والاصيل في المجتمع السوداني ، والذي ارتحل عن دنيانا الفانية في فجر أمس الاحد لتسكن الحسرة في القلوب وليترك الشيب قبل الشباب العنان لدمعاتهم لتعبر عن عظم الفجيعة لديهم في فقد الشيخ البرعي، وفي لحظات الحزن التي داهمت الجميع على حين غرة، هرع الناس الى استذكار ماجسده الشيخ الوقور طيلة حياته من قيم سمحة واخلاق فاضلة لقد مثل الشيخ البرعي بما تركه من ارث عظيم عبر نهجه المقتفي لآثار أئمة الاسلام المهتدين، انموذجاً طيباً لمريديه واحبابه، وتعدى تأثيره نطاق «الزريبة» ، الموقع الروحي الذي عاش فيه واجتذب نحوه اتباع طريقته، ليصل ذلك التأثير الى دائرة واسعة عمت ارجاء الوطن كافة، فقد ظل الشيخ الجليل في رحلاته وعلاقاته وصلاته بشيوخ الطرق الصوفية في كل مكان، علماً بارزاً لاتخطئه العين، وامتدت بينه -عليه رحمة الله- وبين فئات مجتمعنا قاطبة اقوى وامتن الصلات، فتجسدت من ذلك خلال سنوات حياته الطيبة والعامرة بالخيرات علاقة مميزة لها رونقها، قوامها احترام الناس الشديد للشيخ الجليل .. فقد افلح بمسلكه الفريد في اجتذاب الناس الى رحاب المعرفة الصوفية، باشراقاتها وتوهجها ، ذلك انه استمد عمق تجربته من نهج التسامح والتصافي والمحبة الخالصة. وفوق ذلك كله عرفه اهل السودان عالماً متواضعاً، كتواضع العلماء الافذاذ لم يجنح يوماً الى الغلو أو التشنج ، فنجح في جمع الصف وتوحيد الكلمة.. وعمد دائماً الى بساطة الشرح لتعاليم الدين مهتدياً بالقدوة الحسنة المصطفى عليه افضل الصلاة والسلام. لقد استشعر المجتمع السوداني يوم أمس في مدنه وحواضره وفي بواديه وقراه، في «الحّلال» و«الفرقان» مرارة الفقد للشيخ العارف بالله عبدالرحيم البرعي الذي ارسى لنا طيلة حياته معالم الاستقامة والطهر والكرم والابوة الصادقة لمريديه واحبابه، فكان اخاً شفوقاً للكبير وأباً حنوناً للصغير . وقدم في حياته الطاهرة المثال الصادق على اخلاص النية وصدق التوجه وقوة العزيمة . جمع حول كلماته في هداية الناس نثراً قلوب الكثيرين، وتميز شعراً بفريد قصائد المدح للرسول عليه الصلاة والسلام ، لتتناقل الشفاه «مدحات البرعي» ببساطة ويسر. ان الفقد لعظيم، وان الامة السودانية بمكوناتها وفئاتها كافة تفتقد الراحل المقيم، الشيخ الجليل البرعي، الذي ترك تراثاً علمياً وادبياً خالدا، وجسد مسلكه الواقعي في التصوف اعظم الدروس والعبر بشأن الكيفية التي يمكننا ان نعمق بها اثر التدين في حياتنا. لقد بذل فأخلص العطاء، ونذر حياته كلها لفعل الخيرات ، فظل ينشيء المساجد وخلاوى القرآن الكريم، ليحيل بذلك حياتنا الى مساحات مضيئة يشع فيها «نور القرآن».. فما احرانا في لحظات الحزن العميق الى ان نستذكر كل ما خلده من معان وقيم في التدين والتسامح والتصافي بين القبائل والاجناس كافة.ألا رحم الله الفقيد العظيم، الشيخ الجليل عبدالرحيم البرعي، واسكنه فسيح جناته مع الانبياء والصديقين والشهداء وحسن اولئك رفيقا . «إنا لله وإنا اليه راجعون».
--------------------------------------------------------------------------------
هكذا تحدثوا عن الشيخ البرعي..
الشيخ صادق عبد الماجد : البرعي قدم فكراً نظيفاً .. وقـرب الناس من مفهوم الاسلام السليم
تقرير : حافظ الخير
الشيخ صادق عبد الله عبد الماجد المرشد العام للاخوان المسلمين بالسودان قال عن الشيخ البرعي : إن فقده فقد أمة، لأن البرعي لم يكن شخصاً واحداً وفقده «بنيان قوم تهدما». لكن سنه الله تجري في العباد بمشيئة الله وإذا كانت الأعمال تقاس بأعمار الناس فإن البرعي عليه رحمة الله قدم اعمالاً مضاعفة آلاف المرات مما يطلب من كل مواطن، لأنه لم يقدم عملاً مكتبياً ولا وظيفة في مرفق من المرافق العامة أو الخاصة لكنه قدم فكراً والانسان بحاجة الى من يقدم فكراً نظيفاً والشيخ البرعي قدم الكثير بفكره وانشأ معاهد للعلم والنور وقرب الناس من مفهوم الاسلام السليم والمرتبط بالله ورسوله الكريم الذي ابرزه الشيخ البرعي في صورة حببته الى جميع الناس، القربى من رسول الله صلى الله عليه وسلم محبة واقتداء .. إن البرعي كان استاذاً للسودان شيبه وشبابه، مثقفيه وعامته، وبالفكر تحيا الأمة الفكر العملي التطبيقي. البرعي وضع يد الناس جميعاً على حقيقة ان السودان بغير الاسلام لايحيا وان ظن انه يعيش بين الناس. ان الشيخ البرعي خلق تراثاً سيبقى زماناً منارة للناس وأمناً لهم في نفوسهم.
لا أقول إنه فلتة من فلتات الزمن لكنه هبة من هبات الله تعالى عندما يشتد الظلام امام الناس فيضئ الطريق امامهم بالكلمة الطاهرة النظيفة المخلصة المتجردة فقد خلف للناس تراثاً عظيماً وسيظل معلماً امام الكثيرين من الذين يسيرون على بينات الطريق المستقيم الذي حدده الله للانسان.
الشيخ البرعي لايمكن ان يوفه الناس حقه لأن حقوقه معلقة لدى كل السودانيين .. ليست حقوقاً مادية كلا، ولكنها حقوق تمتن علاقة الناس بالله والاسلام وتحثهم على السير بطريق قويم يمكن به ان يصل الناس الى راية تربطهم بالله تعالى .. الشيخ البرعي تشفع له أعماله التي لاتمحوها الأيام وان امتدت .. الشيخ البرعي احسب ان قصائده في مدح الرسول والانشاد الديني والتراث قد أثرت في كثير من الشباب واصبحت تردد في الافراح واستبدلت انحرافات الناس في الافراح بالاحسن.
من الطرق الصوفية تحدث الشيخ عبد القادر التوم من الطريقة التيجانية ووصف الشيخ البرعي بأنه فقد للأمة العربية وقال لانستطيع منحه حقه مهما تحدثنا عنه والشئ الذي قدمه للشعب السوداني كبير.
علاقتنا به كانت حميمة وكان مرشداً وأباً لنا وكنا نرجع له في أي شئ صغر أم كبُر وكان رجلاً علامة وله قدرات فائقة. وعندما جالسته ذهلت بطريقته في الحديث وهي غير عادية وفعل الكثير في سبيل نشر الدعوة الاسلامية وانشأ عدداً من خلاوى تحفيظ القرآن والمساجد وندعو له بالرحمة والمغفرة بقدر ما اعطى للأمة العربية والشعب السوداني بالاخص.
فيما أكد الشيخ محمد احمد محمد عيسى المُشيخ من الشيخ الصادق خالد عباس الصايم ديمة من الطريقة القادرية العركية ان رحيل البرعي فقد جلل مس الأمة الاسلامية وهو رجل قلما نصفه بأنه أحد السلف الصالح الذين أشرقت بهم هذه الدنيا ونوروا هذا الكون بمديح المصطفى صلى الله عليه وسلم وهو امتداد لمادحي الرسول «صلى الله عليه وسلم» حسان بن ثابت والبوصيري والبرعي اليماني. ونحن أهل الطريقة العركية القادرية نتمنى من المولى عز وجل ان يتقبله قبولاً حسن بقدر ما قدم للأمة السودانية وإن العين لتدمع وإن القلب ليخشع وإنا لفراقك لمحزونون يا برعي وبالطبع أبونا شيخ صادق تآخى مع البرعي في مسجد الحارة «17» أمبدة وتبادلا الزيارات واليوم بفقد البرعي متألمون جداً.
--------------------------------------------------------------------------------
الشيخ البرعى: جمع بين الأدب والرزانة ودماثة الخلق والصبر على الناس
بقلم: حسن مكي
تمثل الأشجار الكبيرة في الطبيعة الكثير يستظل بها الناس ويتمتعون بجمالها وثمارها كما انها ترمز للعطاء، لأنها فقط تعطي - وباختصار كان هذا حال الشيخ البرعي الذي فقده السودان في السبت العاشر من محرم 1426هـ الموافق 19 فبراير 2005م..
سمعت بالشيخ قبل أن أراه، ثم تعرفت عليه أكثر من خلال مدائحه وصوره التي تبثها وسائل الاعلام، الى ان ذات يوم، طرق خفير المنزل ووجهه يستبشر قائلاً البرعى يتفقد في المنطقة، يريد ان يبنى فيها مسجداً في تلك الأيام من عام 1996م كان عدد المنازل المقامة على أصابع اليد..
وأصبح الشيخ البرعي وجهاً مألوفاً، شد الراكوبة وأخذ يصلى بالناس ووجه مقاصد بعض رؤوس الأموال لبناء مسجد المجاهدين الشامخ بأصوله، وبعد ذلك بدأ بمسجد آخر في بورتسودان وكان يطمع أن يصبح مسجد المجاهدين بالاضافة الى اقامة الصلاة كذلك صرحاً ثقافياً واجتماعياً وطبياً ولعله يبلغ ذلك على يد خليفته وأبنائه ومريديه وأهل الحي..
نشأ الشيخ نشأة عصامية وولد في الربع الأول من القرن المنصرم 1922م، في ربوع وتقاليد الطريقة السمانية التي كان والده واحداً من مشائخها، والطريقة السمانية من أعرق الطرق الصوفية قدماً في السودان وبرزت في نهاية دولة الفونج ومن المعلوم ان رايات الطريقة التجانية ارتفعت في التربة السودانية في فترة متقاربة «1813/1820م»..
وتميز الشيخ احمد الطيب البشير بالكسب الوجداني بعد تحصيلاته العلمية في مصر والحجاز وغيرها..
ومع ان الشيخ البرعى لا ينحدر من أسرة الشيخ أحمد الطيب الا انه يمثلها فكراً وعقلاً ووجداناً، ونجح في متابعة ترقياته الروحية حتى اصبح ركناً ركيناً من أركان المسعى السمانى وأهله لذلك صفات كسبية وطبيعية ووهبية، وقد برز كسبه الروحي في مساجده وكتاتيبه ومريديه كما نضجت معارفه وتوسعت علاقاته، كما دخلت قصائده وأناشيده في كل بيت ومنحته الجامعة الاسلامية في أم درمان درجة الدكتوراة الفخرية في العلوم الاسلامية، كما أقامت له جامعة افريقيا العالمية حفلاً قدمت له فيه شهادة تقديرية عرفاناً وتقديراً لكسبه ومكانته..
جمع الشيخ بين الأدب والرزانة ودماثة الخلق والصبر على الناس والقدرة على تحمل ضغوطهم، زارني ذات يوم ولما خرجت أودعه وجدت خلقاً كثيرة في انتظاره، فقال لي هل اعطيك شيئاً من هم تصريف أمورهم؟ قلت ضاحكاً ولا دقيقة فإني لا استطيع معك صبراً..
* كان آخر البرعى، لقد كان دوحة في أرض وسماء افريقيا وخفف على الخلق كثيراً من معاناة هذه الحياة بأشعاره وبسمته ومعالجاته الفنية والروحية واستطاع ان يجدد ارواح الكثيرين ويربطهم برباط الدين وستظل الزريبة والمؤسسات الاسلامية التي أحياها وأقامها رباطاً الى يوم الدين وسلام عليه مع الاتقياء والصالحين..عهدي به، حينما اشتد به المرض في ألمانيا فهاتفته وتكلمت معه في محادثة لم يبق في الذاكرة منها شىء كثير.
رحم الله الشيخ..
--------------------------------------------------------------------------------
برعي مادح الرسول: كــــره الســــياســــة .. ألـــف السـاسة
الخرطوم : ماجدة حسن
شيعت جماهير غفيرة أمس الشيخ عبد الرحيم محمد بن الشيخ وقيع الله البرعي، والكردفاني مولداً ونشأة ووطناً والمالكي مذهباً والكاهلي نسباً.. وقد ولد الشيخ عبد الرحيم البرعي في 1923 بالزريبة وأسماه أبوه على أخيه في الله الشيخ عبد الرحيم ود الحاج، ولقبه أهل السودان بالبرعي تيمناً بمادح الرسول المشهور عبد الرحيم بن احمد بن علي .. وتعتبر الزريبة مقره الدائم حيث حفظ القرآن بمسجد والده وتلقى عليه العلوم ولم يغادرها لطلب العلم، وكان يخرج منها ويعود اليها، كتب بخط يده «تلقيت علومي القرآنية والفقهية بخلوة والدي وشيخي محمد وقيع الله ولازمت دروسه العصرية في زمانه، وكنت أقرأ له المتون وهو يتولى شرحها. ولم أهاجر لبلد آخر لطلب العلم حتى توفي وقُلدت خلافته».
لازم الشيخ البرعي والده ملازمة دائمة دون سائر أخوانه الذين زاولوا مناشط الحياة المختلفة خصوصاً التجارة وكان يقوم مقام والده في العديد من الأسفار والمهمات الى ان توفي والده في 1944 وآلت الخلافة الى ابنه الأكبر الشيخ النور الذي تقلدها فترة ثم تنحى عنها لشقيقه الشيخ البرعي.
--------------------------------------------------------------------------------
البرعي: جذور راسخة
وللشيخ البرعي أربعة أخوان، الشيخ النور وتوفي بأم روابة والشيخ الخضر خريج الازهر المتوفي في 1983 والشيخ يوسف والشيخ سليمان والمقيمان بالزريبة الآن وله من الاخوات اربع عشرة أختاً ومنهن السارة التي ولاها تعليم النساء في مسيده، أما أمه فهي السارة بنت عبد الرحمن العوضي من قبيلة الجعليين، وقد تزوج الشيخ ست مرات أعاد فيهن تمازج الاعراق فإثنتان من الكواهلة واثنتان من الجعليين وواحدة من كل من الجوامعة والشويحات، وله منهن أربعة وعشرون من الذكور وسبع عشرة من الاناث وقد توفي له من الذكور محمد طاهر في العام 2002 في حادث بطريق المناقل وهاشم «نائب برلماني» توفي بسرطان الدم، واحمد ثم محمد وسليمان توفيا في حادث بطريق كوستي في رمضان .2004
والكل يعرف اهتمام الشيخ البرعي ببناء المساجد فقد افتتح في 2004 مسجداً جديداً بالزريبة وله مسجد بأم دم حاج احمد وآخر بأم روابة، والابيض، ومدني، وأم درمان «أم بدة» والمجمع الاسلامي بمدينة المجاهدين «الخرطوم» وآخر ببورتسودان، كما عرف عن الشيخ البرعي الاهتمام بالشباب والأيامى منهم فقد درج على اقامة الزواج الجماعي بالزريبة وظل ينادي بتخفيض المهور كما عرف الشيخ البرعي مجاملاً في الافراح والاتراح وله العديد من العلاقات وقد كان لايتعصب الى مذهب أو طريقة وفيه من المرونة ما يجعله يستقطب كل جانب ورغم موقفه وعم حبه للسياسة والذي تمثل أبياته التي يقول فيها :
تراني لا أميل الى السياسة ** ولم أصحب مدى الأيام ساسة
لعلمي ان مبدأها نفاق ** تموه بالبلاغة والملاسة
يبيع الدين بالدنيا ذووها ** لنيل العز فيها والرياسة
إلا أنه احتفظ بعلاقات ود وصلات طيبة مع كل الساسة الذين عاصرهم كما نجد في مجلسه كل ألوان الطيف السياسي. وعرف الشيخ البرعي بمدحه للمصطفى صلى الله عليه وسلم وله ديوان شعر «فتح ذي المعارج في الشعر السوداني الدارج، ورياض الجنة ونور الدجنة» ومنظومة فقهية عقائدية كما له ديوان شعر في رثاء والده كما مدح غير مشايخ الطريقة السمانية كلاً من محمد عثمان الميرغني، وعبد الله الشيخ البشير شيخ شعراء السودان، وهاشم عبد المحمود كما مدح احمد الطيب البشير، واحمد التيجاني، وعبد القادر الجيلاني، وخلفاء احمد الطيب البشير، والفاتح قريب الله، ويوسف العركي «أبوشرا»، وأرباب العقائد، وحسن ودحسونة وآخرين.
--------------------------------------------------------------------------------
البرعي ملحناً
عرف البرعي كشاعر مجيد واغلب المادحين يترنمون بكلماته فلا غرو ان يكون الشيخ البرعي ملحناً مجيداً فكان السؤال من أين يستمد الشيخ البرعي الحان مدائحه مما وفر لها رواجاً لاسابق له ويؤكد الاستاذ محمد آدم ترنين الاستاذ بكلية الموسيقى والدراما ان اهم مصادر الحان الشيخ البرعي هي الزريبة نفسها كما يؤكد على أثر البيئة الكردفانية على مدائح البرعي حيث ان اغلب مدائحه تتم داخل القوالب الفلكورية المعروفة في المنطقة مشيراً على سبيل المثال الى مدحة «المصطفى مني ليك سلام» الملحنة في اطار الجراري لكن بدون طمبارة أي هي من ايقاعات البيئة الكردفانية الاصلية وهي نفس الثقافة التي شكلت الاغنية الحديثة، ويؤكد الاستاذ محمد حسن عجاج على أثر البيئة الكردفانية على مدائح البرعي حيث تعتبر كردفان امتداداً ثقافياً للوسط ولم تتأثر المنطقة بثقافة جنوب ووسط كردفان ويتفق معه حول ذلك الاستاذ عبد القادر سالم حيث يرى ان بيئة شمال وشرق كردفان تتعامل مع السلم الخماسي، أما غناء جنوب كردفان والذي يمثله تحديداً غناء البقارة هو ما لانجده في الحان الشيخ البرعي إذ ان معظم الحانه مصدرها شمال ووسط وشرق كردفان حيث تتميز بغناء الجراري والهسيس والتويا وما يؤكد أكثر على تأثره بالبيئة الكردفانية تغنيه باللالوبة والموجودة في منطقة كردفان.
أما الاستاذ انس العاقب فيرى ان الشيخ البرعي وفي احيان كثيرة يقوم بتلحين اشعاره على انماط وقوالب المديح المعروفة وله ملكات فائقة في التلحين في كل ايقاعات المديح وقوالبه وفي مقامات سبق فيها تقليدية الحان المدائح وتجاوز بها حتى الغناء التقليدي في كثير من تناولاته وليس صحيحاً انه أخذ الحانه من الحقيبة حيث ان المديح كفن شعبي سبق الحقيبة بخمسة قرون وان الحقيبة في بداياتها اتكأت عليه. أما الماحي سليمان فيرى ان الحان البرعي تتسم بالميولديان السهلة والجميلة والمستوحاة من اساليب الغناء الشعبي والتقليدي بالسودان كما نجد في اعماله نماء للخطوط اللحنية والثبات الايقاعي والأداء الجماعي الذي يعتبر الشكل المثالي للغناء الشعبي.
والملاحظ في اشعار الشيخ البرعي ماهو جار على أوزان المعرب سليقة فهو ليس بنوي يلوك لسانه ولكنه سليقي يقول فيعرب.
--------------------------------------------------------------------------------
البرعي: مشتاق بالحيل
كما نجد في شعره النسيب والغزل وفيه من انواع البديع الجناس، والاشتقاق والاقتباس والتلميح فد جاء في ديوانه «رياض الجنة ونور الدجنة» اجزاء مبوبة جاء في مطلع جزئها الأول قصائده الربانية ثم تلاها بالمدائح النبوية فالأولى اسلامية والتي اخذت حيزاً كبيراً ثم جاء جزء لمدح اهل الطرق ولم ينس المناسبات كافتتاح بيت الله، كشف القناع وهناك فصل للمراسلات الى العباسي، نحن والسياسة وهناك جزء مختار من الشعر العامي، مبدي العلل، مشتاق بالحيل، طالت غيبتي. هكذا كان الشيخ البرعي، شيخاً مجيداً وأباً ودوداً وشاعراً مجيداً وملحناً، ومواصلاً فقد دعي الى عدة مؤتمرات داخل السودان وخارجه وتزخر أجهزة الاعلام المختلفة بمدائحه التي ينشدها «أولاد البرعي» منحته جامعة ام درمان الاسلامية الدكتوراة الفخرية في العام 1405هـ. ألا رحمه الله رحمة واسعة بقدر ما اعطى.
* مراجع: «السهل الممتنع» للدكتور ابراهيم القرشي، و«رياض الجنة ونور الدجنة» للشيخ البرعي.
--------------------------------------------------------------------------------
القرضاوي : كان البرعي يداوي
الناس بالـــــعفة والطهارة
نعى الشيخ الداعية المعروف يوسف القرضاوي فقيد البلاد البرعي قائلاً: فقدت البللاد الاسلامية شيخاً جليلاً ورعاً ألا وهو الشيخ الورع عبد الرحيم البرعي الذي كان يداوي الناس بالعفة والطهارة وذلك بواسطة القرآن الكريم والمدائح النبوية وكان الرجل ذا قلب وروح قوية استطاع ان يؤثر في عشرات الآلاف من أبناء هذه الأمة أسأل الله تبارك وتعالى ان يغفر له ويرحمه.
--------------------------------------------------------------------------------
الاماراتيون يعزون في الفقيد مأتم في أبوظبي للشيخ البرعي
الخرطوم : ابوظبي : الرأى العام
اقامت السفارة السودانية بدولة الامارات مساء أمس مأتماً للشيخ عبد الرحيم البرعي، بدار النادي السوداني في ابوظبي، خفت اليه جموع السودانيين المقيمين بالامارات بمختلف اطيافهم السياسية والدينية والاجتماعية.
وقال محمد الضي المستشار الاعلامي والثقافي بالسفارة، ان المأتم اقيم بتوجيه من سفير السودان بالامارات حاج الفكي هاشم الموجود حالياً بالخرطوم.
واوضح لـ «الرأى العام» ان جموعاً من الاماراتيين هرعوا الى دار النادي السوداني وقدموا واجب العزاء في الفقيد الذي عرف بصلاته القوية مع الاماراتيين.
وتبارى المعزون في رثاء البرعي وذكر مآثره وجهوده الخيرة واسهامه الوافر في الدعوة الاسلامية وتحفيظ القرآن الكريم ومدح الرسول صلى الله عليه وسلم.
--------------------------------------------------------------------------------
رئاسة الجمهورية تحتسب الشيخ البرعي
الخرطوم : سونا
احتسبت رئاسة الجمهورية عند الله تعالي العارف بالله الحافظ المادح الشيخ عبد الرحيم محمد بن وقيع الله البرعي الذي انتقل الي جوار ربه بعد حياة مليئة بالطاعات واعمال الخير . وفيما يلي النص : الحمد لله الذي جعل الموت الخطيب الواعظ والحاضر في منبر الوجود.. وجعل الدنيا دار ممر الي دار مقر.. والناس فيها رجلان. رجل باع نفسه فاوبقها ، ورجل ابتاع نفسه فاعتقها.. وطوبي لمن اختار الابتياع عن البيع. ولزم جادة الحق طريقا وسبيلا.. واكرم بالختام طاعة في جنب الله.. والشيخ الحافظ المادح عبد الرحيم بن وقيع الله البرعي . الذي ارتحل كوكبا وقمرا عن الدنيا في ليلة عاشوراء.. اذ تنعيه رئاسة الجمهورية لمحبيه ومريديه ولاهل السودان جميعا.. انما تنعي قيثارة المديح الذي عطر اماسي السودان بناجع القول والفيض الصافي في شمائل المصطفي «صلي الله عليه وسلم». وتنعي فيه ايكة المساكين المديدة الظل.. وكهف المريدين يلقنهم الرشد والرحمة.. واذا تسلم رئاسة الجمهورية بقضاء الله فانما تضرع الي الله القدير ان يرفعه في مقام الصدق الذي ارتجي وعمل له جنات عدن تجري من تحتها الانهار
.. وان يخلفنا الجلل بالبركة والفصل والخلق الصالح... «وانا لله وانا اليه راجعون»..
--------------------------------------------------------------------------------
والقنصلية المصرية تنعى البرعى
ينعى القنصل العام المصرى بالاصالة عن نفسه وبالنيابة عن اعضاء القنصلية المصرية العامة بالخرطوم الشيخ عبدالرحيم البرعى الذي توفى صباح يوم 20/2/2005م.. لقد كان الشيخ البرعى علماً من اعلام الصوفية بالسودان، واذ تنعى القنصلية المصرية الفقيد العظيم ندعو الله عز وجل ان يسكنه فسيح جناته مع الصديقين والشهداء وان يلهم أهله وذويه الصبر والسلوان.. «انا لله وانا اليه راجعون»..
قنصل عام جمهورية مصر العربية بالخرطوم
محمد اسماعيل فوز
:o