التهامي الشايقي
09-12-2009, 11:40 AM
مقالة منقولة: من جريدة الصحافة.
الشريف غلام الله بن عايد قمة سامقة لا ينال منها (المكعوجون)
الشيخ عمر الأمين احمدوقع عندى المقال الذى نشر بزميلتنا الجميلة الأنيقة حديثة الصدور (الأحداث) على عددين أيام الأحد والإثنين الماضيين تحت عنوان (غلام الله بن عايد وآثاره فى السودان) بقلم الدكتور أحمد ابراهيم أبو شوك، كأنما هو حلقة مكملة لمؤامرة تزييفية للنسب الشريف لسليل الدوحة النبوية المشرفة، الشريف أحمد المشهور بغلام الله بن عايد المشهور بباب الفتح بن السيد أحمد المقبول بن السيد عمر الزيلعى ساكن اللحيّة اليمنية، على جدهم الأكبر وعلى ابنته وزوجها وأمها الطاهرين وحفيديه الشهيدين القمرين النيرين وأبناء حفدته وأحفادهما الذين يشكلون الدوحة الطاهرة الشريفة، أفضل وأزكى الصلاة وأتم وأوجب التسليم.
وما أوقعه عندى ذلك المقال فهو ليس بمستغرب. إذ إنه أمر متواتر الحدوث فى حق أحفاد هذه الدوحة، وأكثره رغبة فى احتلال مكانتهم السامية التى تهفو إليها قلوب عباد نظيفة من الغل والحسد. والقليل منه جهل بالروايات الصحيحة نتيجة كسل فى التحصيل، أو استماع الى كل ناعق دون بذل أى جهد من التثبت والتحقيق. وقد عددت منها أربع هفوات كبيرة. أولى هذه الهفوات تسمية الشريف غلام الله الشائعة فى الكتب المدرسية بالركابى وهو ليس بركابي، بل الركابية هم المنسوبون اليه عبر أحد أبنائه الاثنين، رباط وركاب . ورباط بالمناسبة ليس جد الرباطاب، بل هو مشابه فى التسمية لجدهم فقط.
وثانى هذه الأخطاء والهفوات فى نسب الشريف أحمد غلام الله، رغم أنها ظاهرة الضعف ومنبتة الأصول لا سند لها، إلا أنها قديمة تعود الى القرن الثانى عشر الهجرى لصاحب (وفيات الأعيان) وهو الشيخ النبهانى الذى ارتكب أول هفوة فى هذا الشأن وهو يضيف الى لقب ساكن (اللحيّة) ومؤسلم ديار الصومال السيد عمر الزيلعى بإضافة لقب (العقيلى) إليه نزولاً على لقب صاحب اللحيّة سيدى الشيخ أبو بكر العقيلى دون أى ترجيع واستقصاء لأنساب السيد والشيخ، ودون الالتفات للتفريق بين اللقبين اللذين يطلقهما أهل اليمن للتفريق بين الشيوخ والأشراف حيث يطلقون على الأشراف لقب السيادة، فيقولون السيد عمر الزيلعى، الأمر الذى يرد بوضوح فى ترتيب نسب السادة الركابية بعد الشريف عايد الشهير بباب الفتح صاحب سواكن الذى يرد اسمه خالياً من لقب (سيد) رغم أن اللقب يترى فى الورود بعده ثم يسقط بعد السيد عمر الزيلعى، فيستمر تسلسل النسب دون ألقاب الى موسى بن اسماعيل ثم يأتى بعد ذلك لقب الإمام ابتداءً من الإمام موسى الكاظم بن الإمام جعفر الصادق بن الإمام محمد الباقر بن الإمام على زين العابدين بن الإمام الحسين بن الإمام على أمير المؤمنين زوج الزهراء ابنة سيد العالمين قاطبة المصطفى، عليه وعلى آله أفضل وأزكى الصلاة وأتم وأوجب التسليم.
وما هو ملاحظ فى ورود نسبة هذه الشجرة ذات التفرع (الإسماعيلي) أنها جاءت متطابقة مع ما هو وارد فى التلقيب بالسيادة أو بالإمامة فى مخطوطات قديمة، محفوظة حفظاً مأموناً فى مناطق متفرقة من بلاد السودان، منعزلة تماماً حتى عن الخبر، مع ذلك فلا يكون ذلك مدعاة لارتكاب أخطاء فى التنسيب أو فى التلقيب عند أهل الشأن المعتمدين كأمناء مؤتمنين على أنسابهم، مما حدا بطاهرى القريحة أن يؤمنوا بها بحسب تقديرهم كمؤمنين عليها وبحكم هذه الحصانة الطبيعية والانعزال لحفظتها مع هذا التطابق الناجز.
ومما يؤكد هفوة الشيخ النبهانى أنها ماتت معه، إذ لم يتواتر بناء عليها أى تنسيب للسادة الأشراف الركابية للسادة الأشراف (العقيلية) عليهم رضوان الله أجمعين، ولو كان نسب السيد عمر الزيلعى كما هو شأن سيدى الشيخ أبو بكر العقيلى ثابت التنسيب، إذن لاحتج نقباء الأشراف بنسبة السيد عمر الزيلعى للعقيلاب، لكن ثبات الهفوة (النبهانية) يدحضه موتها واندثارها رغم وجود الرواية الى يومنا هذا فى ذلك السفر الهام المقروء.
أما إضافة كتب التاريخ المدرسية لقب الركابى للشريف أحمد غلام الله حيث يقدمونه بذلك الاسم الغريب الذى لم يتواتر عند ثقاة النسابة الركابية، فذلك يؤكد افتعال أمر قطع النسب لقصد ترجيعه الى أصول موجودة فى السودان دونما تحقيق أو تفتيش لهذه الأصول أو تتبع لتنزلات شجرتها، وهذا مما يستجلب الاتهام لسدنة مقررات التاريخ التعليمى فى السودان المتهمين أصلاً بالميول الممنهجة حسب المدرسة (الغردونية) تلك التى رضعوها وفطموا عليها.
ثم نأتى الى الثالثة والتى لا أظن أنها هفوة وحسب، بل أشد غلظة، فقد ورد فى هامش (طبقات ود ضيف الله) نسخة القاضى صديق المنسوخة ومطبوعة فى عشرينيات القرن الماضى، وبالتحديد فى هامش الصفحة التى تحمل ترجمة الشريف الشيخ ابراهيم البولاد ما يشير الى ورود مكتوب منه يقول فيه (من ابراهيم البولاد الجهنى) وعلى هذه الهفوة الكبيرة المقصودة يرجع الفضل فى إطلاق النسبة الجهينية على السادة الركابية. وهو ما ورد فى مقال الدكتور احمد ابراهيم أبو شوك الذى نحن بصدده، بحسب ما رجحه مؤلف الكتاب الذى تم استعراضه فى المقال ويسمى الدكتور سمير محمد على. وقد جاء فى الاستعراض ما يشير الى ترجيح الدكتور سمير للنسب الجهنى، وهو ما يشي بثبات الترجيح متى ما أضاف باحث آخر هذه المعلومة التفضيلية الى المعلومة الهامشية فى نسخة القاضى صديق من كتاب الطبقات.
وقد أشار لى بعض الإخوة من باحثى السادة الركابية الى هذه المعلومة الهامشية أنها من أخطاء النساخ، إذ يرجحون أنها لناسخ جهنى حاول أن ينسب الى قبيلته الشيخ البولاد، رغم أن ما هو مأثور من تنسيب للشيخ الجليل ابراهيم البولاد لا يتخالف مع ما هو متواتر فى رواية أهل الشأن والأمانة ، وهو محفوظ عند أحفاده عموم السادة الأشراف (الجابراب) وهم موجودون بيننا ومؤتمنون على أنسابهم. لكن قراءة دقيقة لطبعة القاضى صديق تنبئ الباحث المدقق بالخبر اليقين، و ترجع هذه الإضافة الهامشية الى فعل فاعل وتبرئ القاضى صديق منها تماماً، فقد كتب فى مقدمة طبعته أن من أهم المعلومات التوثيقية الواردة فى كتاب الطبقات الذى يقدمه للقراء الكرام أن النسب الشريف للسادة الركابية محقق فيه (هكذا). وبالرجوع للبحث عن مكان هذا التحقيق بين ثنايا نسخة القاضى صديق لا نجده تماماً، فتتضح الجريمة أوضح ما تكون، أن القاضى صديق لا يمكنه أن يمرر معلومة بهذه الدرجة من الصغر الهامشى، ثم يكتب عن تحقيق النسب الركابى الشريف بتركيز ووضوح فى مقدمته للكتاب. ولا تحتاج الجريمة الى كثير تخمين، فقد نسى المجرم المغرض حذف هذه الجملة من المقدمة أو أنه لم يطلع عليها ظناً أنها ليست كترجمة سيدى الشيخ ابراهيم البولاد يمكن أن يظهر فيها ذكر للنسب الشريف المتآمر عليه بالإخفاء. ومعلوم أيضاً فى نسخة القاضى صديق مما حققه البروفيسور الجليل يوسف فضل فى تحقيقه الجامع المانع هو أمر فقدان النسخة الأصلية المكتملة لكتاب الطبقات بخط يد الشيخ محمد ود ضيف الله نفسه. والغريب المريب فى الأمر أن المفقود ــ حسب تواتر رواية السادة الصاقاب ــ هو بالتحديد قصة الشريف أحمد غلام اللة زائداً بواقى ترجمة سيدى الشيخ محمد الهميم ود عبد الصادق وأبنائه وأحفاده. ويتذكر بوضوح سيدى الشيخ على الشيح محمد خليفة سيدى الشيخ محمد الهميم ورأس السجادة القادرية السودانية ــ أمد الله فى أيامه ومتعه بالصحة والعافية ــ أنه قرأ بعينيه الشريفتين هذا الكتاب مكتملاً ومشتملاً على كافة رواياته ومن بينها ما حققه القاضى صديق ، وهو هذا النسب الشريف.
ومما هو واضح لا نحتاج كثيراً الى اثباته، خاصة لوضوح الغرض، أن الهفوة (الجهنية) ليست بالطبع لناسخ . إذ أن طبعة القاضى صديق ليست منسوخة انما مطبوعة فى عشرينيات القرن الماضى. لكن و كما هو الموت لحق بالمعلومة النبهانية، فقد ماتت المعلومة الجهنية ولم يرد بعدها ما يعضد تلك الهفوة من أية جهة كانت، مع ذلك يحاول الدكتور سمير، دون أن يلجأ الى المؤتمنين على انسابهم، أن يبعث فيها الحياة، لماذا؟ لا أود أن أخمن. ولكنى بالتأكيد أود أن أطلع على ما كتبه الدكتور سمير وأسمع منه ما يبرر ترجيحاته التى ذكرها غير هذه الحجة التخمينية (الملولوة المكعوجة) المنبتة الأصول، الخالية من أية مرجعية يفترض ظهورها ما لو كانت تحتوى على أقل قدر من الصحة. فليس مقبولاً أن يقوم رجل جليل فى قامة سيدى الشيخ ابراهيم البولاد بمثل هذا التزوير الخطير فى نسبه، ثم بعد ذلك بافتراض أنه أتى به، أن يمر الأمر مرور الكرام دون مساءلة أو تحقيق.
والأشراف ــ بالمناسبة ــ هم أول من عرفوا النقابة، ولهم نقيب فى كل فج يقيمون فيه، ويكون غالباً من أوسطهم أو أعلمهم أو أكبرهم سناً. وما هو ثابت أن نقابة الأشراف السودانيين كانت عند أحفاد سيدى الشريف محمد الهندى ورثها عنه حفيده سيدى الشريف يوسف الهندى ، وله مدونة فى ذلك يقطع بها قول كل خطيب، إذ حققها ومعه رهط من كرام القوم فى مقام شريف مكة عميد الأشراف قاطبة ومركز دائره اندياحهم. وقد ذكر لي سيدى الشريف الصديق خليفة سيدى الشريف يوسف الهندى فى زيارة قصيرة قمت بها لحضرته الشريفة بضاحية برى الشريف، وفى وجود ابنه الشريف محمد، أنهم يهابون نشرها لكثرة ما فيها من المتمسحين بالدوحة وهى منهم براء، وقال لى إن بعضهم ذكره سيدى الشريف يوسف بالاسم ، ثم قال بالحرف الواحد (نخشى أن يثير نشرها الفتنة لذلك سنحاول نشر بعض ما فيها). ثم قال لى: (حينها سأحدث محمد ابنى بإعطائكم نسخة منها، فأنتم يا معشر (الركابية) و خاصة (الصادقاب) قلب أشراف هذه البلاد).والشاهد أن هذه المعلومة الهامشية ساقطة تماماً لم يأبه لها المحقق الضخم البروفيسور يوسف فضل، ولو كانت تستحق لما صرف انتباهه عنها، ولحققها بحسب أنها تحمل قضية من أخطر القضايا مما يمس شرف ليس السادة الأشراف الركابية وحدهم ، بل ومجمل سيرة الإسلام فى السودان، إذ يحتل السادة الركابية فى هذا الشأن الحق التأسيسى لهذا السودان الشمالى العربى المسلم، فالشريف أحمد غلام الله، هو رائد هذه الأسلمة دون أى منازع، الأمر الذى اعترف به حتى الأعداء، فى حين يحاول نكرانه بعض (المكعوجين) فى أبحاثهم. وسأورد إن شاء الله قصة أسلمة الديار السودانية على يد الشريف أحمد غلام الله كاملة وموثقة، مما يتحاشاه ويحيد عن ذكره (الباحثون المكعوجين بحوثهم).
ومما هو أكبر من هفوة تشكل الرابعة، مما نرى فيها ما هو ثابت فى هذا الشأن التزييفى، ما نعتبره جريمة مباحثية لا بد من التطرق إليها. وهى القصة التى كانت سبباً في ما ورد فى مقال الدكتورأبو شوك وكتاب الدكتور سمير وكتاب آخر للباحثة الأستاذة فاطمة أحمد علي عن الخلاوى وأهل الخلاوى فى السودان. وكل هؤلاء الباحثين الأجلاء يشيرون الى معلومة تذهب الى القول إن غلام الله بن عايد اليمنى (هكذا) أتى من مدينة فى اليمن تسمى (الحليلة) فما هى هذه الحليلة وما هو منشأ هذه المعلومة كثيرة الورود والتى تعزز (يمانية) غلام الله وتبعده عمَّا هو وارد عن مقام أجداده المذكور فى رواية الثقات من السادة الأشراف الركابية فى (اللحيّة) فتشكك فى نسبتهم وتلقمهم حجراً كبيراً لا قبل لهم به يسكتهم تماماً؟ هذه المعلومة أول ورودها كان فى كتاب (المسيد) للباحث الطيب محمد الطيب ــ يرحمه الله رحمة واسعة، ويتجاوز له عن هذه الهنة الكبيرة المتلتلة. وقد واجهت الأستاذ الطيب فى هذا الصدد مرتين. الأولى بمكتب اللواء شرطة ــ آنذاك ــ عادل سيد أحمد برئاسة حركة المرور بولاية الخرطوم حينها. فاعتذر عن هذه الهفوة ووعد بأدب جم أن يصلحها. والثانية كانت إبان فعاليات تأبين البروفيسور محمد ابراهيم أبو سليم، حيث جدد وعد التصحيح. والآن وقد اختاره الله الى جواره ، ومع ترحمنا عليه وتطلبنا له بالصفح والغفران، لكن فلا بد من عرض القضية لتوضيح ما تم فيها من تعدٍ غليظ ومن ثم تصحيحه، وذلك تنقية لذلك النسل الشريف مما لحق به إجحافاً.
والشاهد أن الباحث الطيب محمد الطيب قام فى كتابه (المسيد) بمحاولة كتابة تاريخ السودان من خلال الخلاوى والمساجد. ولم يجد ما يحول بينه وبين أن ينسب الريادة فى الأسلمة الى أهله، إلا ما هو متواتر عن ريادة الشريف أحمد غلام الله الذى توافق المصادر أن دخوله السودان كان في أوائل القرن الثامن الهجرى، وهو ما حاول تثبيته الدكتور سمير فى كتابه أعلاه ووافقه عليه الدكتور أبو شوك فى مقاله. وللأمر تحقيق وتطابق مع رواية رحيل السيد أحمد المقبول الى مدينة (جدّة) من (اللحيّة) إثر هجمة إمبراطور الحبشة الموثقة تاريخياً عليهم وإجلائهم عن إقليم زيلغ الصومالى المعروف. وهذه أمر يحتاج الى تفصيل سنورده لاحقاً إن شاء الله.
لم يرد من الباحث الطيب محمد الطيب فى كتابه (المسيد) أى ذكر لدخول الشريف أحمد غلام الله الى السودان، وسكت عن ذلك متجاهلاً الروايات الكثيرة، بل حاول بطريقة حساب الأجيال الافتراضية، أن يثبت أن أجداده هم المعنيون بهذا الأمر، متجاهلاً تلمذتهم الموثقة فى كتاب الطبقات لأحفاد الشريف أحمد غلام الله، وهم بالتحديد أولاد جابر الأربعة. ثم ذكر حقيقة ظن أنها ناسفة لكل (الإدعاءات) في ما يختص بما يراه ــ دونما سبب ظاهر ــ تعدياً على حقوق يظن أنها لأجداده . فقال إنه ذهب الى اليمن وسأل عن (غلام الله بن عايد) فلم يجد له أثراً،. ثم أضاف إدعاءً كبيراً نسف كل أركان فرضيته (الفضيحة) فقال بالحرف الواحد: (ثم سألت عن (اللحيّة) فقيل لى أنه ليس هنالك بلد فى اليمن بهذا الاسم) أى والله، وبهذه الجرأة ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم. ثم أطلق استنتاجات عن (غلام الله بن عايد) وهذا الاسم بالطبع غير معروف للإخوة فى اليمن لأنه لقب تلقب به هنا، وفى سواكن بالتحديد، وله قصة لا بد أن نوردها ونرجعها الى مصادرها إن شاء الله. أما عدم معرفة الإخوة اليمنيين (باللحيّة) فهذه أحيلها لفطنة القارئ، حيث أن أطفال المدارس الابتدائية اليمنيين يعرفونها، فما بالك بكبارهم الذين يحفظون عن ظهر قلب تاريخها المجيد.
نعود الى استنتاج الطيب محمد الطيب العظيم الأثر حينما قال: و (أغلب الظن أن غلام الله من بلد يقال له (الحليلة) وهى (حليلة بنى ساعدة) حيث درس هنالك القرآن ثم هاجر الى السودان لتدريسه) لذلك فالطيب محمد الطيب ــ يرحمه الله رحمة واسعة ــ هو من أطلق تخمين أن غلام الله بن عايد يعود أصله الى (الحليلة) وليس (اللحيّة) ومن يود التأكد فليراجع كتاب المسيد وسيجد كل ذلك مدوناً ومكتوباً فيه، ثم من يود المزيد من التأكد فليراجع أى (أطلس) للعالم العربى وسيجد (اللحيّة) كبيرة وظاهرة كميناء تاريخى فى اليمن الشقيق على البحر الأحمر فى مقابل مينائى (عصب ومصوع) بتاريخهما السودانى غير المنكور.
وبعد ... فهذا تاريخ ينبغى أن يكون عزيزاً علينا كسودانيين، فللشريف أحمد الملقب بغلام الله بن عايد جد السادة الركابية حق علينا جميعاً يتوجب علينا استيفائه، فنتذاكره ونتثبت من صحيحه قبل أن نتباحث حول أثره فى تكويننا الثقافى أو فى تمازجنا القومى، ولى إن شاء الله فى هذا الشأن جولتان قادمتان بمقالتين أحاول فيهما مراجعة الأمر وتنقيته، والشكر للدكتور أبو شوك وللدكتور سمير صاحب الكتاب الذى أرجو أن أطالعه وأناقش أطروحته بحيدة وتجرد. والله من وراء القصد وعليه التوكل إنه نعم المولى ونعم النصير.
مقالة منقولة: من جريدة الصحافة.
http://www.alsahafa.info/index.php?type=3&id=2147510833
الشريف غلام الله بن عايد قمة سامقة لا ينال منها (المكعوجون)
الشيخ عمر الأمين احمدوقع عندى المقال الذى نشر بزميلتنا الجميلة الأنيقة حديثة الصدور (الأحداث) على عددين أيام الأحد والإثنين الماضيين تحت عنوان (غلام الله بن عايد وآثاره فى السودان) بقلم الدكتور أحمد ابراهيم أبو شوك، كأنما هو حلقة مكملة لمؤامرة تزييفية للنسب الشريف لسليل الدوحة النبوية المشرفة، الشريف أحمد المشهور بغلام الله بن عايد المشهور بباب الفتح بن السيد أحمد المقبول بن السيد عمر الزيلعى ساكن اللحيّة اليمنية، على جدهم الأكبر وعلى ابنته وزوجها وأمها الطاهرين وحفيديه الشهيدين القمرين النيرين وأبناء حفدته وأحفادهما الذين يشكلون الدوحة الطاهرة الشريفة، أفضل وأزكى الصلاة وأتم وأوجب التسليم.
وما أوقعه عندى ذلك المقال فهو ليس بمستغرب. إذ إنه أمر متواتر الحدوث فى حق أحفاد هذه الدوحة، وأكثره رغبة فى احتلال مكانتهم السامية التى تهفو إليها قلوب عباد نظيفة من الغل والحسد. والقليل منه جهل بالروايات الصحيحة نتيجة كسل فى التحصيل، أو استماع الى كل ناعق دون بذل أى جهد من التثبت والتحقيق. وقد عددت منها أربع هفوات كبيرة. أولى هذه الهفوات تسمية الشريف غلام الله الشائعة فى الكتب المدرسية بالركابى وهو ليس بركابي، بل الركابية هم المنسوبون اليه عبر أحد أبنائه الاثنين، رباط وركاب . ورباط بالمناسبة ليس جد الرباطاب، بل هو مشابه فى التسمية لجدهم فقط.
وثانى هذه الأخطاء والهفوات فى نسب الشريف أحمد غلام الله، رغم أنها ظاهرة الضعف ومنبتة الأصول لا سند لها، إلا أنها قديمة تعود الى القرن الثانى عشر الهجرى لصاحب (وفيات الأعيان) وهو الشيخ النبهانى الذى ارتكب أول هفوة فى هذا الشأن وهو يضيف الى لقب ساكن (اللحيّة) ومؤسلم ديار الصومال السيد عمر الزيلعى بإضافة لقب (العقيلى) إليه نزولاً على لقب صاحب اللحيّة سيدى الشيخ أبو بكر العقيلى دون أى ترجيع واستقصاء لأنساب السيد والشيخ، ودون الالتفات للتفريق بين اللقبين اللذين يطلقهما أهل اليمن للتفريق بين الشيوخ والأشراف حيث يطلقون على الأشراف لقب السيادة، فيقولون السيد عمر الزيلعى، الأمر الذى يرد بوضوح فى ترتيب نسب السادة الركابية بعد الشريف عايد الشهير بباب الفتح صاحب سواكن الذى يرد اسمه خالياً من لقب (سيد) رغم أن اللقب يترى فى الورود بعده ثم يسقط بعد السيد عمر الزيلعى، فيستمر تسلسل النسب دون ألقاب الى موسى بن اسماعيل ثم يأتى بعد ذلك لقب الإمام ابتداءً من الإمام موسى الكاظم بن الإمام جعفر الصادق بن الإمام محمد الباقر بن الإمام على زين العابدين بن الإمام الحسين بن الإمام على أمير المؤمنين زوج الزهراء ابنة سيد العالمين قاطبة المصطفى، عليه وعلى آله أفضل وأزكى الصلاة وأتم وأوجب التسليم.
وما هو ملاحظ فى ورود نسبة هذه الشجرة ذات التفرع (الإسماعيلي) أنها جاءت متطابقة مع ما هو وارد فى التلقيب بالسيادة أو بالإمامة فى مخطوطات قديمة، محفوظة حفظاً مأموناً فى مناطق متفرقة من بلاد السودان، منعزلة تماماً حتى عن الخبر، مع ذلك فلا يكون ذلك مدعاة لارتكاب أخطاء فى التنسيب أو فى التلقيب عند أهل الشأن المعتمدين كأمناء مؤتمنين على أنسابهم، مما حدا بطاهرى القريحة أن يؤمنوا بها بحسب تقديرهم كمؤمنين عليها وبحكم هذه الحصانة الطبيعية والانعزال لحفظتها مع هذا التطابق الناجز.
ومما يؤكد هفوة الشيخ النبهانى أنها ماتت معه، إذ لم يتواتر بناء عليها أى تنسيب للسادة الأشراف الركابية للسادة الأشراف (العقيلية) عليهم رضوان الله أجمعين، ولو كان نسب السيد عمر الزيلعى كما هو شأن سيدى الشيخ أبو بكر العقيلى ثابت التنسيب، إذن لاحتج نقباء الأشراف بنسبة السيد عمر الزيلعى للعقيلاب، لكن ثبات الهفوة (النبهانية) يدحضه موتها واندثارها رغم وجود الرواية الى يومنا هذا فى ذلك السفر الهام المقروء.
أما إضافة كتب التاريخ المدرسية لقب الركابى للشريف أحمد غلام الله حيث يقدمونه بذلك الاسم الغريب الذى لم يتواتر عند ثقاة النسابة الركابية، فذلك يؤكد افتعال أمر قطع النسب لقصد ترجيعه الى أصول موجودة فى السودان دونما تحقيق أو تفتيش لهذه الأصول أو تتبع لتنزلات شجرتها، وهذا مما يستجلب الاتهام لسدنة مقررات التاريخ التعليمى فى السودان المتهمين أصلاً بالميول الممنهجة حسب المدرسة (الغردونية) تلك التى رضعوها وفطموا عليها.
ثم نأتى الى الثالثة والتى لا أظن أنها هفوة وحسب، بل أشد غلظة، فقد ورد فى هامش (طبقات ود ضيف الله) نسخة القاضى صديق المنسوخة ومطبوعة فى عشرينيات القرن الماضى، وبالتحديد فى هامش الصفحة التى تحمل ترجمة الشريف الشيخ ابراهيم البولاد ما يشير الى ورود مكتوب منه يقول فيه (من ابراهيم البولاد الجهنى) وعلى هذه الهفوة الكبيرة المقصودة يرجع الفضل فى إطلاق النسبة الجهينية على السادة الركابية. وهو ما ورد فى مقال الدكتور احمد ابراهيم أبو شوك الذى نحن بصدده، بحسب ما رجحه مؤلف الكتاب الذى تم استعراضه فى المقال ويسمى الدكتور سمير محمد على. وقد جاء فى الاستعراض ما يشير الى ترجيح الدكتور سمير للنسب الجهنى، وهو ما يشي بثبات الترجيح متى ما أضاف باحث آخر هذه المعلومة التفضيلية الى المعلومة الهامشية فى نسخة القاضى صديق من كتاب الطبقات.
وقد أشار لى بعض الإخوة من باحثى السادة الركابية الى هذه المعلومة الهامشية أنها من أخطاء النساخ، إذ يرجحون أنها لناسخ جهنى حاول أن ينسب الى قبيلته الشيخ البولاد، رغم أن ما هو مأثور من تنسيب للشيخ الجليل ابراهيم البولاد لا يتخالف مع ما هو متواتر فى رواية أهل الشأن والأمانة ، وهو محفوظ عند أحفاده عموم السادة الأشراف (الجابراب) وهم موجودون بيننا ومؤتمنون على أنسابهم. لكن قراءة دقيقة لطبعة القاضى صديق تنبئ الباحث المدقق بالخبر اليقين، و ترجع هذه الإضافة الهامشية الى فعل فاعل وتبرئ القاضى صديق منها تماماً، فقد كتب فى مقدمة طبعته أن من أهم المعلومات التوثيقية الواردة فى كتاب الطبقات الذى يقدمه للقراء الكرام أن النسب الشريف للسادة الركابية محقق فيه (هكذا). وبالرجوع للبحث عن مكان هذا التحقيق بين ثنايا نسخة القاضى صديق لا نجده تماماً، فتتضح الجريمة أوضح ما تكون، أن القاضى صديق لا يمكنه أن يمرر معلومة بهذه الدرجة من الصغر الهامشى، ثم يكتب عن تحقيق النسب الركابى الشريف بتركيز ووضوح فى مقدمته للكتاب. ولا تحتاج الجريمة الى كثير تخمين، فقد نسى المجرم المغرض حذف هذه الجملة من المقدمة أو أنه لم يطلع عليها ظناً أنها ليست كترجمة سيدى الشيخ ابراهيم البولاد يمكن أن يظهر فيها ذكر للنسب الشريف المتآمر عليه بالإخفاء. ومعلوم أيضاً فى نسخة القاضى صديق مما حققه البروفيسور الجليل يوسف فضل فى تحقيقه الجامع المانع هو أمر فقدان النسخة الأصلية المكتملة لكتاب الطبقات بخط يد الشيخ محمد ود ضيف الله نفسه. والغريب المريب فى الأمر أن المفقود ــ حسب تواتر رواية السادة الصاقاب ــ هو بالتحديد قصة الشريف أحمد غلام اللة زائداً بواقى ترجمة سيدى الشيخ محمد الهميم ود عبد الصادق وأبنائه وأحفاده. ويتذكر بوضوح سيدى الشيخ على الشيح محمد خليفة سيدى الشيخ محمد الهميم ورأس السجادة القادرية السودانية ــ أمد الله فى أيامه ومتعه بالصحة والعافية ــ أنه قرأ بعينيه الشريفتين هذا الكتاب مكتملاً ومشتملاً على كافة رواياته ومن بينها ما حققه القاضى صديق ، وهو هذا النسب الشريف.
ومما هو واضح لا نحتاج كثيراً الى اثباته، خاصة لوضوح الغرض، أن الهفوة (الجهنية) ليست بالطبع لناسخ . إذ أن طبعة القاضى صديق ليست منسوخة انما مطبوعة فى عشرينيات القرن الماضى. لكن و كما هو الموت لحق بالمعلومة النبهانية، فقد ماتت المعلومة الجهنية ولم يرد بعدها ما يعضد تلك الهفوة من أية جهة كانت، مع ذلك يحاول الدكتور سمير، دون أن يلجأ الى المؤتمنين على انسابهم، أن يبعث فيها الحياة، لماذا؟ لا أود أن أخمن. ولكنى بالتأكيد أود أن أطلع على ما كتبه الدكتور سمير وأسمع منه ما يبرر ترجيحاته التى ذكرها غير هذه الحجة التخمينية (الملولوة المكعوجة) المنبتة الأصول، الخالية من أية مرجعية يفترض ظهورها ما لو كانت تحتوى على أقل قدر من الصحة. فليس مقبولاً أن يقوم رجل جليل فى قامة سيدى الشيخ ابراهيم البولاد بمثل هذا التزوير الخطير فى نسبه، ثم بعد ذلك بافتراض أنه أتى به، أن يمر الأمر مرور الكرام دون مساءلة أو تحقيق.
والأشراف ــ بالمناسبة ــ هم أول من عرفوا النقابة، ولهم نقيب فى كل فج يقيمون فيه، ويكون غالباً من أوسطهم أو أعلمهم أو أكبرهم سناً. وما هو ثابت أن نقابة الأشراف السودانيين كانت عند أحفاد سيدى الشريف محمد الهندى ورثها عنه حفيده سيدى الشريف يوسف الهندى ، وله مدونة فى ذلك يقطع بها قول كل خطيب، إذ حققها ومعه رهط من كرام القوم فى مقام شريف مكة عميد الأشراف قاطبة ومركز دائره اندياحهم. وقد ذكر لي سيدى الشريف الصديق خليفة سيدى الشريف يوسف الهندى فى زيارة قصيرة قمت بها لحضرته الشريفة بضاحية برى الشريف، وفى وجود ابنه الشريف محمد، أنهم يهابون نشرها لكثرة ما فيها من المتمسحين بالدوحة وهى منهم براء، وقال لى إن بعضهم ذكره سيدى الشريف يوسف بالاسم ، ثم قال بالحرف الواحد (نخشى أن يثير نشرها الفتنة لذلك سنحاول نشر بعض ما فيها). ثم قال لى: (حينها سأحدث محمد ابنى بإعطائكم نسخة منها، فأنتم يا معشر (الركابية) و خاصة (الصادقاب) قلب أشراف هذه البلاد).والشاهد أن هذه المعلومة الهامشية ساقطة تماماً لم يأبه لها المحقق الضخم البروفيسور يوسف فضل، ولو كانت تستحق لما صرف انتباهه عنها، ولحققها بحسب أنها تحمل قضية من أخطر القضايا مما يمس شرف ليس السادة الأشراف الركابية وحدهم ، بل ومجمل سيرة الإسلام فى السودان، إذ يحتل السادة الركابية فى هذا الشأن الحق التأسيسى لهذا السودان الشمالى العربى المسلم، فالشريف أحمد غلام الله، هو رائد هذه الأسلمة دون أى منازع، الأمر الذى اعترف به حتى الأعداء، فى حين يحاول نكرانه بعض (المكعوجين) فى أبحاثهم. وسأورد إن شاء الله قصة أسلمة الديار السودانية على يد الشريف أحمد غلام الله كاملة وموثقة، مما يتحاشاه ويحيد عن ذكره (الباحثون المكعوجين بحوثهم).
ومما هو أكبر من هفوة تشكل الرابعة، مما نرى فيها ما هو ثابت فى هذا الشأن التزييفى، ما نعتبره جريمة مباحثية لا بد من التطرق إليها. وهى القصة التى كانت سبباً في ما ورد فى مقال الدكتورأبو شوك وكتاب الدكتور سمير وكتاب آخر للباحثة الأستاذة فاطمة أحمد علي عن الخلاوى وأهل الخلاوى فى السودان. وكل هؤلاء الباحثين الأجلاء يشيرون الى معلومة تذهب الى القول إن غلام الله بن عايد اليمنى (هكذا) أتى من مدينة فى اليمن تسمى (الحليلة) فما هى هذه الحليلة وما هو منشأ هذه المعلومة كثيرة الورود والتى تعزز (يمانية) غلام الله وتبعده عمَّا هو وارد عن مقام أجداده المذكور فى رواية الثقات من السادة الأشراف الركابية فى (اللحيّة) فتشكك فى نسبتهم وتلقمهم حجراً كبيراً لا قبل لهم به يسكتهم تماماً؟ هذه المعلومة أول ورودها كان فى كتاب (المسيد) للباحث الطيب محمد الطيب ــ يرحمه الله رحمة واسعة، ويتجاوز له عن هذه الهنة الكبيرة المتلتلة. وقد واجهت الأستاذ الطيب فى هذا الصدد مرتين. الأولى بمكتب اللواء شرطة ــ آنذاك ــ عادل سيد أحمد برئاسة حركة المرور بولاية الخرطوم حينها. فاعتذر عن هذه الهفوة ووعد بأدب جم أن يصلحها. والثانية كانت إبان فعاليات تأبين البروفيسور محمد ابراهيم أبو سليم، حيث جدد وعد التصحيح. والآن وقد اختاره الله الى جواره ، ومع ترحمنا عليه وتطلبنا له بالصفح والغفران، لكن فلا بد من عرض القضية لتوضيح ما تم فيها من تعدٍ غليظ ومن ثم تصحيحه، وذلك تنقية لذلك النسل الشريف مما لحق به إجحافاً.
والشاهد أن الباحث الطيب محمد الطيب قام فى كتابه (المسيد) بمحاولة كتابة تاريخ السودان من خلال الخلاوى والمساجد. ولم يجد ما يحول بينه وبين أن ينسب الريادة فى الأسلمة الى أهله، إلا ما هو متواتر عن ريادة الشريف أحمد غلام الله الذى توافق المصادر أن دخوله السودان كان في أوائل القرن الثامن الهجرى، وهو ما حاول تثبيته الدكتور سمير فى كتابه أعلاه ووافقه عليه الدكتور أبو شوك فى مقاله. وللأمر تحقيق وتطابق مع رواية رحيل السيد أحمد المقبول الى مدينة (جدّة) من (اللحيّة) إثر هجمة إمبراطور الحبشة الموثقة تاريخياً عليهم وإجلائهم عن إقليم زيلغ الصومالى المعروف. وهذه أمر يحتاج الى تفصيل سنورده لاحقاً إن شاء الله.
لم يرد من الباحث الطيب محمد الطيب فى كتابه (المسيد) أى ذكر لدخول الشريف أحمد غلام الله الى السودان، وسكت عن ذلك متجاهلاً الروايات الكثيرة، بل حاول بطريقة حساب الأجيال الافتراضية، أن يثبت أن أجداده هم المعنيون بهذا الأمر، متجاهلاً تلمذتهم الموثقة فى كتاب الطبقات لأحفاد الشريف أحمد غلام الله، وهم بالتحديد أولاد جابر الأربعة. ثم ذكر حقيقة ظن أنها ناسفة لكل (الإدعاءات) في ما يختص بما يراه ــ دونما سبب ظاهر ــ تعدياً على حقوق يظن أنها لأجداده . فقال إنه ذهب الى اليمن وسأل عن (غلام الله بن عايد) فلم يجد له أثراً،. ثم أضاف إدعاءً كبيراً نسف كل أركان فرضيته (الفضيحة) فقال بالحرف الواحد: (ثم سألت عن (اللحيّة) فقيل لى أنه ليس هنالك بلد فى اليمن بهذا الاسم) أى والله، وبهذه الجرأة ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم. ثم أطلق استنتاجات عن (غلام الله بن عايد) وهذا الاسم بالطبع غير معروف للإخوة فى اليمن لأنه لقب تلقب به هنا، وفى سواكن بالتحديد، وله قصة لا بد أن نوردها ونرجعها الى مصادرها إن شاء الله. أما عدم معرفة الإخوة اليمنيين (باللحيّة) فهذه أحيلها لفطنة القارئ، حيث أن أطفال المدارس الابتدائية اليمنيين يعرفونها، فما بالك بكبارهم الذين يحفظون عن ظهر قلب تاريخها المجيد.
نعود الى استنتاج الطيب محمد الطيب العظيم الأثر حينما قال: و (أغلب الظن أن غلام الله من بلد يقال له (الحليلة) وهى (حليلة بنى ساعدة) حيث درس هنالك القرآن ثم هاجر الى السودان لتدريسه) لذلك فالطيب محمد الطيب ــ يرحمه الله رحمة واسعة ــ هو من أطلق تخمين أن غلام الله بن عايد يعود أصله الى (الحليلة) وليس (اللحيّة) ومن يود التأكد فليراجع كتاب المسيد وسيجد كل ذلك مدوناً ومكتوباً فيه، ثم من يود المزيد من التأكد فليراجع أى (أطلس) للعالم العربى وسيجد (اللحيّة) كبيرة وظاهرة كميناء تاريخى فى اليمن الشقيق على البحر الأحمر فى مقابل مينائى (عصب ومصوع) بتاريخهما السودانى غير المنكور.
وبعد ... فهذا تاريخ ينبغى أن يكون عزيزاً علينا كسودانيين، فللشريف أحمد الملقب بغلام الله بن عايد جد السادة الركابية حق علينا جميعاً يتوجب علينا استيفائه، فنتذاكره ونتثبت من صحيحه قبل أن نتباحث حول أثره فى تكويننا الثقافى أو فى تمازجنا القومى، ولى إن شاء الله فى هذا الشأن جولتان قادمتان بمقالتين أحاول فيهما مراجعة الأمر وتنقيته، والشكر للدكتور أبو شوك وللدكتور سمير صاحب الكتاب الذى أرجو أن أطالعه وأناقش أطروحته بحيدة وتجرد. والله من وراء القصد وعليه التوكل إنه نعم المولى ونعم النصير.
مقالة منقولة: من جريدة الصحافة.
http://www.alsahafa.info/index.php?type=3&id=2147510833