العبدلابي
21-05-2009, 06:41 AM
بحث للدكتور عبد الرحيم الشريف، منقول عن منتدى السادة الأشراف:
"سألني أحد الأفاضل: ألا يتعارض ما ذكرته في سادساً: " حكم الانتساب إلى آل البيت كذباً " ـ وذكرت فيه وجوب حبس المدعي زوراً إلى أن يتوب.. ـ مع الحديث النبوي الشريف: " الناس مؤتمنون على أنسابهم " ؟!
الجواب:
أولاً: أجمعت جميع كتب تخريج الحديث الشريف على أن مقولة :" الناس مؤتمنون على أنسابهم " ليست بحديث مرفوع إلى النبي عليه الصلاة والسلام.
وقد ذكر أكثرها أنه قول للإمام مالك رحمه الله تعالى.
[انظر: المقاصد الحسنة للسخاوي، وكشف الخفا للعجلوني].
ثانياً: شرح القاعدة: القاعدة واضحة وسهلة وهي: نقبل دعوى كل شخص بانتسابه لأبيه فلان وجده فلان وعائلته الفلانية دون اشتراط وجود شهود يشهدون على ذلك.
وبما أن الحكم على الشيء فرع عن تصوره: ينبغي أن نتذكر أن ذلك القول كان في زمن لم تعرف فيه بطاقات الأحوال المدنية الشخصية (الهوية الشخصية) ولا جواز السفر ولا الدفتر العائلي..
ثالثاً: قاعدة (الناس مؤتمنون على أنسابهم) فيها تفصيل:
- فإذا كان لا يترتب على ذكر النسب أثر شرعي: من إعطاء حق لغير أهله، أو بميراث، أو بعقد نسبة، أو بزواج.. ونحو ذلك: فإن الناس مؤتمنون على أنسابهم.
- أما إذا كان له أثر فلا بد من الإثبات، لا سيما إذا كان مخالفاً لما هو شائع متواتر عند الناس.
[انظر: التمهيد لشرح كتاب التوحيد، لصالح آل الشيخ].
رابعاً: يُفهم من كلام آل الشيخ أنه يخرج من هذه قاعدة (الناس مؤتمنون على أنسابهم) : كل الذين يدعون شرفاً بنسبهم غير الثابت، سواء كان ادعاؤهم الشرف بالانتساب إلى آل البيت النبوي أم إلى الأنصار أم إلى أي قبيلة يحمل الانتماء إليها شرفاً ما.
قال الشنقيطي في شرح زاد المستقنع: " وقد تحصل الدعوى لشيءٍ عظيمٍ كريم كأن يدعي نسبه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أو إلى الأنصار وغيرهم ممن لهم فضل ومكان، والأصل أن الناس مؤتمنون على أنسابهم إلا من ادعى الشرف.
فإن من ادعى الشرف والانتساب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أو إلى من لهم الفضل كالأنصار ونحوهم ممن لهم حق في الإسلام، فإنه لا تقبل منه الدعوى مجردة.
لكن لو كان يعلم بشهادة العدول من قرابته الذين يأتمنهم في دينه، حيث قالوا له: نحن من آل البيت، أو عندنا ما يثبت أننا من آل البيت.. فإن من حقه أن يبني على شهادة من يثق بهم.
فلا يقبل من أحد أن يدعي النسب والشرف إلا أذا أثبت، والإثبات يكون:
1- بالشجرة -كما هو معلوم- التي يعرفها أهل الخبرة.
2- ويكون بشهادة العدول أن فلاناً من آل فلان، ويكون آل فلان قد ثبت نسبتهم إلى آل رسول الله صلى الله عليه وسلم.
3- وقد يكون الإثبات بما يسميه العلماء: شهادة السماع، وشهادة السماع هي: أن يعرف بين الناس أن البيت الفلاني أو الفخذ الفلاني أو القبيلة الفلانية تنسب إلى كذا وكذا.
فإذا اشتهر بين الناس أن هذا البيت من آل البيت فإنه يلحق ويحكم بثبوت نسبه بهذه الشهادة، وهذه التي يسميها العلماء: شهادة السماع، يعني يتسامع الناس في بيئة أو حي أو قبيلة أو جماعة بأن بني فلان من آل النبي صلى الله عليه وسلم، أو بني فلان من آل البيت، فيحكم بهذه الشهادة.
وقد ذكر غير واحد من العلماء رحمهم الله أن شهادة السماع حجة في النسب، وشهادة السماع هي أن يستفيض في البيئة أو المجتمع أو بين الناس الذي يعيش بينهم نسبة هذه الجماعة أو هذا الفرد إلى تلك الجماعة وحينئذٍ يحكم بهذا ويعمل به، كما هو معلوم في باب الشهادات ".
انتهى كلام الشنقيطي رحمه الله تعالى.
وهذا الاستثناء الذي ذكره الإمام الشنقيطي كان قد عبر عنه السادة الشافعية بقاعدة جليلة تكتب بماء الذهب حيث يقولون: صحيح أن الناس مؤتمنون على أنسابهم.. ولكن: مَن ائتمن على شيءٍ رُجِعَ إليه فيما عليه لا فيما له.
يقول شيخ الإسلام زكريا الأنصاري في كتابه أسنى المطالب: " قيل: ومن ائتمن على شيءٍ رجع إليه فيه. قلت: إنما ذلك فيما عليه لا فيما له ولو ثبت نسبه بإقراره لاستحقَّ المسطور الذي أقر فيه لشخص مسمى منسوب بدعواه أنه ذلك المسمى والمنسوب وليس كذلك بل لا بد من معرفته بذلك بالبينة ".
قلت:
وعلى هذا ونحن في زمن فسدت فيه الذمم، وكثر فيه أدعياء كل شيء، فلنعد في هذا الزمان إلى تطبيق القاعدة الجليلة:
مَن ائتمن على شيءٍ: رُجِعَ إليه فيما عليه، لا فيما له.
-----
وبناء على تضييق وتخصيص السادة العلماء العمل بقاعدة: " الناس مؤتمنون على أنسابهم " بقاعدة:
المؤتمَن على شيء رُجِعَ إليه فيما عليه لا فيما له
فإن الفقهاء الأربعة تحدثوا عن السماع والشهرة كأحد الأدلة على صحة دعوى النسب.
وذلك بحسب التفصيل التالي:
ذهب جمهور الفقهاء إلى أن النسب يثبت بالشهادة بالسماع للضرورة.
قال ابن المنذر: أما النسب فلا أعلم أحدا من أهل العلم منع منه، ولو منع ذلك لاستحالت معرفة الشهادة به؛ إذ لا سبيل إلى معرفته قطعا بغيره، ولا تمكن المشاهدة فيه، ولو اعتبرت المشاهدة لما عرف أحد أباه ولا أمه ولا أحدا من أقاربه.
وتفصيل ذلك في المذاهب الأربعة كما لي:
- أولاً: عند الحنفية:
اشترط الحنفية لقبول الشهادة بالتسامع [ أي الاستفاضة] أن يكون النسب مشهورا.
جاء في الفتاوى الهندية: الشهادة بالشهرة في النسب وغيره بطريقتين: الحقيقية والحكمية.
أ) الحقيقية: أن تشتهر وتسمع من قوم كثير لا يتصور تواطؤهم على الكذب، ولا تشترط في هذه العدالة، ولا لفظ الشهادة بل يشترط التواتر.
ب) الحكمية: أن يشهد عنده رجلان أو رجل وامرأتان عدول بلفظ الشهادة.
فإذا لقي رجلين عدلين شهدا على نسبه وعرفا حاله وسعه أن يشهد.
ولو أن رجلا نزل بين ظهراني قوم وهم لا يعرفونه وقال: أنا فلان بن فلان، لا يسعهم أن يشهدوا على نسبه حتى يلقوا من أهل بلده رجلين عدلين فيشهدان عندهم على نسبه.
- ثانياً: عند المالكية:
الشهادة على السماع عند مالك وأصحابه جائزة في النسب المشهور المستفيض حصراً.
لكن ابن القاسم يرى أنه لا يثبت بذلك نسب، إنما يستحق به المال، إلا أن يكون أمرا مشتهرا مثل شهرة: " نافع مولى ابن عمر ".
- ثالثاً: عند الشافعية:
اشترط الشافعية استفاضة الشهرة؛ لأن النسب أمر لا مدخل للرؤية فيه، وغاية الممكن رؤية الولادة على الفراش.
لكن النسب إلى الأجداد المتوفين والقبائل القديمة لا تتحقق فيه الرؤية، فدعت الحاجة إلى اعتماد الاستفاضة، ولو من الأم قياسا على الأب.
وذكر النووي أن مما تجوز فيه الشهادة بالتسامع - وهو الاستفاضة - النسب، وقال: يجوز أن يشهد بالتسامع أن هذا الرجل ابن فلان، أو هذه المرأة - إذا عرفها بعينها - بنت فلان، أو أنهما من قبيلة كذا. ويثبت النسب من الأم بالتسامع أيضا على الأصح، وقيل: قطعا كالأب، ووجه المنع إمكان رؤية الولادة.
وينبغي في صفة التسامع أن يسمع الشاهد المشهود بنسبه، فينسب إلى ذلك الرجل أو القبيلة، والناس ينسبونه إليه.
والراجح أن المعتبر في الاستفاضة عند الشافعية أنه يشترط أن يسمعه من جمع كثير يقع العلم أو الظن القوي بخبرهم ويؤمن تواطؤهم على الكذب. قاله النووي والماوردي وهو المفهوم من كلام الشافعي.
رابعاً: عند الحنابلة:
قال الحنابلة مثل الشافعية باشتراط عدد من الشهود أو الاستفاضة بالنسبة للنسب.
جاء في المغني: وما تظاهرت به الأخبار واستقرت معرفته في قلبه شهد به، وهو ما يعلمه بالاستفاضة، وأجمع أهل العلم على صحة الشهادة بها في النسب والولادة. وكلام أحمد والخرقي يقتضي ألا تتحقق الاستفاضة حتى تكثر به الأخبار ويسمعه من عدد كثير يحصل به العلم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المراجع:
حاشية ابن عابدين 4 / 375، والفتاوى الهندية 3 / 458، وبدائع الصنائع 6 / 266، 267، ومواهب الجليل 6 / 194، وبلغة السالك 2 / 362 وما بعدها، والقوانين الفقهية لابن جزي 205، وتبصرة الحكام 1 / 349، والكافي لابن عبد البر 2 / 903 ـ 906، وتهذيب الفروق 4 / 101، 102، وجواهر الإكليل 2 / 242، 243، والتاودي مع التسولي على تحفة ابن العاصم 1 / 132 وما بعدها، وروضة الطالبين 11 / 266، وما بعدها، والمغني مع الشرح الكبير 12 / 24.
هذا والله أعلم"
http://alashraf.ws/vb/showthread.php?t=26774
"سألني أحد الأفاضل: ألا يتعارض ما ذكرته في سادساً: " حكم الانتساب إلى آل البيت كذباً " ـ وذكرت فيه وجوب حبس المدعي زوراً إلى أن يتوب.. ـ مع الحديث النبوي الشريف: " الناس مؤتمنون على أنسابهم " ؟!
الجواب:
أولاً: أجمعت جميع كتب تخريج الحديث الشريف على أن مقولة :" الناس مؤتمنون على أنسابهم " ليست بحديث مرفوع إلى النبي عليه الصلاة والسلام.
وقد ذكر أكثرها أنه قول للإمام مالك رحمه الله تعالى.
[انظر: المقاصد الحسنة للسخاوي، وكشف الخفا للعجلوني].
ثانياً: شرح القاعدة: القاعدة واضحة وسهلة وهي: نقبل دعوى كل شخص بانتسابه لأبيه فلان وجده فلان وعائلته الفلانية دون اشتراط وجود شهود يشهدون على ذلك.
وبما أن الحكم على الشيء فرع عن تصوره: ينبغي أن نتذكر أن ذلك القول كان في زمن لم تعرف فيه بطاقات الأحوال المدنية الشخصية (الهوية الشخصية) ولا جواز السفر ولا الدفتر العائلي..
ثالثاً: قاعدة (الناس مؤتمنون على أنسابهم) فيها تفصيل:
- فإذا كان لا يترتب على ذكر النسب أثر شرعي: من إعطاء حق لغير أهله، أو بميراث، أو بعقد نسبة، أو بزواج.. ونحو ذلك: فإن الناس مؤتمنون على أنسابهم.
- أما إذا كان له أثر فلا بد من الإثبات، لا سيما إذا كان مخالفاً لما هو شائع متواتر عند الناس.
[انظر: التمهيد لشرح كتاب التوحيد، لصالح آل الشيخ].
رابعاً: يُفهم من كلام آل الشيخ أنه يخرج من هذه قاعدة (الناس مؤتمنون على أنسابهم) : كل الذين يدعون شرفاً بنسبهم غير الثابت، سواء كان ادعاؤهم الشرف بالانتساب إلى آل البيت النبوي أم إلى الأنصار أم إلى أي قبيلة يحمل الانتماء إليها شرفاً ما.
قال الشنقيطي في شرح زاد المستقنع: " وقد تحصل الدعوى لشيءٍ عظيمٍ كريم كأن يدعي نسبه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أو إلى الأنصار وغيرهم ممن لهم فضل ومكان، والأصل أن الناس مؤتمنون على أنسابهم إلا من ادعى الشرف.
فإن من ادعى الشرف والانتساب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أو إلى من لهم الفضل كالأنصار ونحوهم ممن لهم حق في الإسلام، فإنه لا تقبل منه الدعوى مجردة.
لكن لو كان يعلم بشهادة العدول من قرابته الذين يأتمنهم في دينه، حيث قالوا له: نحن من آل البيت، أو عندنا ما يثبت أننا من آل البيت.. فإن من حقه أن يبني على شهادة من يثق بهم.
فلا يقبل من أحد أن يدعي النسب والشرف إلا أذا أثبت، والإثبات يكون:
1- بالشجرة -كما هو معلوم- التي يعرفها أهل الخبرة.
2- ويكون بشهادة العدول أن فلاناً من آل فلان، ويكون آل فلان قد ثبت نسبتهم إلى آل رسول الله صلى الله عليه وسلم.
3- وقد يكون الإثبات بما يسميه العلماء: شهادة السماع، وشهادة السماع هي: أن يعرف بين الناس أن البيت الفلاني أو الفخذ الفلاني أو القبيلة الفلانية تنسب إلى كذا وكذا.
فإذا اشتهر بين الناس أن هذا البيت من آل البيت فإنه يلحق ويحكم بثبوت نسبه بهذه الشهادة، وهذه التي يسميها العلماء: شهادة السماع، يعني يتسامع الناس في بيئة أو حي أو قبيلة أو جماعة بأن بني فلان من آل النبي صلى الله عليه وسلم، أو بني فلان من آل البيت، فيحكم بهذه الشهادة.
وقد ذكر غير واحد من العلماء رحمهم الله أن شهادة السماع حجة في النسب، وشهادة السماع هي أن يستفيض في البيئة أو المجتمع أو بين الناس الذي يعيش بينهم نسبة هذه الجماعة أو هذا الفرد إلى تلك الجماعة وحينئذٍ يحكم بهذا ويعمل به، كما هو معلوم في باب الشهادات ".
انتهى كلام الشنقيطي رحمه الله تعالى.
وهذا الاستثناء الذي ذكره الإمام الشنقيطي كان قد عبر عنه السادة الشافعية بقاعدة جليلة تكتب بماء الذهب حيث يقولون: صحيح أن الناس مؤتمنون على أنسابهم.. ولكن: مَن ائتمن على شيءٍ رُجِعَ إليه فيما عليه لا فيما له.
يقول شيخ الإسلام زكريا الأنصاري في كتابه أسنى المطالب: " قيل: ومن ائتمن على شيءٍ رجع إليه فيه. قلت: إنما ذلك فيما عليه لا فيما له ولو ثبت نسبه بإقراره لاستحقَّ المسطور الذي أقر فيه لشخص مسمى منسوب بدعواه أنه ذلك المسمى والمنسوب وليس كذلك بل لا بد من معرفته بذلك بالبينة ".
قلت:
وعلى هذا ونحن في زمن فسدت فيه الذمم، وكثر فيه أدعياء كل شيء، فلنعد في هذا الزمان إلى تطبيق القاعدة الجليلة:
مَن ائتمن على شيءٍ: رُجِعَ إليه فيما عليه، لا فيما له.
-----
وبناء على تضييق وتخصيص السادة العلماء العمل بقاعدة: " الناس مؤتمنون على أنسابهم " بقاعدة:
المؤتمَن على شيء رُجِعَ إليه فيما عليه لا فيما له
فإن الفقهاء الأربعة تحدثوا عن السماع والشهرة كأحد الأدلة على صحة دعوى النسب.
وذلك بحسب التفصيل التالي:
ذهب جمهور الفقهاء إلى أن النسب يثبت بالشهادة بالسماع للضرورة.
قال ابن المنذر: أما النسب فلا أعلم أحدا من أهل العلم منع منه، ولو منع ذلك لاستحالت معرفة الشهادة به؛ إذ لا سبيل إلى معرفته قطعا بغيره، ولا تمكن المشاهدة فيه، ولو اعتبرت المشاهدة لما عرف أحد أباه ولا أمه ولا أحدا من أقاربه.
وتفصيل ذلك في المذاهب الأربعة كما لي:
- أولاً: عند الحنفية:
اشترط الحنفية لقبول الشهادة بالتسامع [ أي الاستفاضة] أن يكون النسب مشهورا.
جاء في الفتاوى الهندية: الشهادة بالشهرة في النسب وغيره بطريقتين: الحقيقية والحكمية.
أ) الحقيقية: أن تشتهر وتسمع من قوم كثير لا يتصور تواطؤهم على الكذب، ولا تشترط في هذه العدالة، ولا لفظ الشهادة بل يشترط التواتر.
ب) الحكمية: أن يشهد عنده رجلان أو رجل وامرأتان عدول بلفظ الشهادة.
فإذا لقي رجلين عدلين شهدا على نسبه وعرفا حاله وسعه أن يشهد.
ولو أن رجلا نزل بين ظهراني قوم وهم لا يعرفونه وقال: أنا فلان بن فلان، لا يسعهم أن يشهدوا على نسبه حتى يلقوا من أهل بلده رجلين عدلين فيشهدان عندهم على نسبه.
- ثانياً: عند المالكية:
الشهادة على السماع عند مالك وأصحابه جائزة في النسب المشهور المستفيض حصراً.
لكن ابن القاسم يرى أنه لا يثبت بذلك نسب، إنما يستحق به المال، إلا أن يكون أمرا مشتهرا مثل شهرة: " نافع مولى ابن عمر ".
- ثالثاً: عند الشافعية:
اشترط الشافعية استفاضة الشهرة؛ لأن النسب أمر لا مدخل للرؤية فيه، وغاية الممكن رؤية الولادة على الفراش.
لكن النسب إلى الأجداد المتوفين والقبائل القديمة لا تتحقق فيه الرؤية، فدعت الحاجة إلى اعتماد الاستفاضة، ولو من الأم قياسا على الأب.
وذكر النووي أن مما تجوز فيه الشهادة بالتسامع - وهو الاستفاضة - النسب، وقال: يجوز أن يشهد بالتسامع أن هذا الرجل ابن فلان، أو هذه المرأة - إذا عرفها بعينها - بنت فلان، أو أنهما من قبيلة كذا. ويثبت النسب من الأم بالتسامع أيضا على الأصح، وقيل: قطعا كالأب، ووجه المنع إمكان رؤية الولادة.
وينبغي في صفة التسامع أن يسمع الشاهد المشهود بنسبه، فينسب إلى ذلك الرجل أو القبيلة، والناس ينسبونه إليه.
والراجح أن المعتبر في الاستفاضة عند الشافعية أنه يشترط أن يسمعه من جمع كثير يقع العلم أو الظن القوي بخبرهم ويؤمن تواطؤهم على الكذب. قاله النووي والماوردي وهو المفهوم من كلام الشافعي.
رابعاً: عند الحنابلة:
قال الحنابلة مثل الشافعية باشتراط عدد من الشهود أو الاستفاضة بالنسبة للنسب.
جاء في المغني: وما تظاهرت به الأخبار واستقرت معرفته في قلبه شهد به، وهو ما يعلمه بالاستفاضة، وأجمع أهل العلم على صحة الشهادة بها في النسب والولادة. وكلام أحمد والخرقي يقتضي ألا تتحقق الاستفاضة حتى تكثر به الأخبار ويسمعه من عدد كثير يحصل به العلم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المراجع:
حاشية ابن عابدين 4 / 375، والفتاوى الهندية 3 / 458، وبدائع الصنائع 6 / 266، 267، ومواهب الجليل 6 / 194، وبلغة السالك 2 / 362 وما بعدها، والقوانين الفقهية لابن جزي 205، وتبصرة الحكام 1 / 349، والكافي لابن عبد البر 2 / 903 ـ 906، وتهذيب الفروق 4 / 101، 102، وجواهر الإكليل 2 / 242، 243، والتاودي مع التسولي على تحفة ابن العاصم 1 / 132 وما بعدها، وروضة الطالبين 11 / 266، وما بعدها، والمغني مع الشرح الكبير 12 / 24.
هذا والله أعلم"
http://alashraf.ws/vb/showthread.php?t=26774