كمال حامد
15-02-2006, 09:12 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
13/2/2005م
مشروع تحرير الطاقات وتشجيع المبادرات
بعون الله تعالى أطلق اليوم هذه المبادرة ، سائلا المولى عز وجل أن تجد لها أنصارا أوفياء مخلصين محبين لخالقهم بديع السموات والأرض .
أنصارا من الذين يؤمنون بهذه الطريقة في التفكير ، و أنصارا من الضحايا الذين يدركون أنهم ضحايا بسبب عدم وجود هذا النمط من التفكير في حياتنا ، أو من اليائسين الخائفين والمترددين خوفا من أن يكونوا ضحايا ، فتجمدت فيهم بسبب هذا الخوف والتردد والإحباط نوازع التفكير الخلاق المبدع ، وتعطلت فيهم نعمة من نعم الله العظيمة ، لأن الله تعالى وصف نفسه بأنه هو الخلاق بديع السموات والأرض.
من أجل المهمشين أطلق هذه المبادرة، لكي ندخل جميعا إلى حلبة الحياة ، ولكي يكون للتهميش في حياتنا معنى جديد نحاربه ، وتكون حربنا له هي أيضا نوع من أنواع الإبداع.
ولكي أمهد لفهم هذه المبادرة أبدأ بذكر بعض الأمثلة التي قابلت أصحابها في حياتي وعايشت مهم حالة الجمود التي تستهلك أعمارهم وتغللهم بغلالات اليأس والضجر.
المثال الأول :المكان :السودان . الموظف ع.ب ويعمل في قسم شئون الموظفين في شركة ج.ح.ص في السودان : أكمل هذا الموظف خلال سنوات عمله بهذه الشركة دراسة الكمبيوتر ودراسة البرمجة بلغة الفيزوال بيسيك Visual Basic ، ولأنه شخص فيه صفات الإبداع ، فقد بدأ يصمم برامج لإدارة شئون الموظفين بلغة الفيزوال بيسيك ، وهي برامج في غاية الروعة وتلبي كل إحتياجات ومتطلبات العمل في قسم شئون الموظفين ، بل وأكثر من ذلك ، فهي برامج متجددة ومتطورة لأن منتجها ومصممها جزء من تركيبة المكان.
هذه البرامج تقدم إحصاءات دقيقة ، ومعلومة سريعة جاهزة لكل ما يطلب منه.
إن المستفيد الأول من هذه البرامج هو : شركته التي يعمل بها ، أما المستفيد المباشر فهو : مدير إدارة شئون الموظفين.
أما السيد ع.ب فلم يستفد سوى رضا الرئيس المباشر ، وهو رضاء صامت . لم تقدر الشركة أن السيد ع.ب قد وفر لها ملايين الدينارات بهذه المبادرات وذلك خصما من قيمة تعاقدات كان من المفترض أن تتم مع شركات الكمبيوتر المتخصصة في البرامج، ولم تقدر له إدارة الشركة أنه قد أرهق فكره وعقله في إضافة ما ليس مطلوبا منه أصلا ، وبالرغم من ذلك مازال السيد ع.ب يواصل عمله قانعا وراضيا غير ساخط .
إن السيد ع.ب لم يتميز على غيره برغم ما قدم ، وفي أية لحظة يمكن أن يفصل من عمله بسبب عدم رضا مديره عنه ، وحين تأتي اللحظة التي يغادر فيها مكتبه لأية سبب من الأسباب ، سيكون قد ترك خلفه من الإبتكار ميراثا غنيا و ... مجانيا.
المثال الثاني :السودان . المهندس إ.ح.م عمل في شركة م.خ.م للصناعات ، وهي شركة حكومية .
تخرج المهندس إ.ح.م وتخصص في دراسة علوم المعادن ، وصار من النابغين البارعين فيها. ولأنه شخص فيه صفات الإبداع والإبتكار ومواجهة التحديات ، فقد قام بإختراع قالب جديد للصب بخلطة مبتكرة ، وأجرى عليه التجارب والإختبارات اللازمة ، ثم عرضها على المسئوليين الذين رحبوا بها أيما ترحيب ، وبدأوا فورا في استخدام الخلطة والتي أثبتت كفاءة عالية فائقة فنيا واقتصاديا.
لم ينل المهندس إ.ح.م سوى الرضا ، ولم يعجبه هذا الأمر ، فطلب تقديم مكافأة مالية له مقابل إستخدام خلطته ، إلأ أنهم ردوا عليه بالقول أنه إنما كان يؤدي واجبه الوظيفي.
قام المهندس إ.ح.م والذي كان فيما يبدو ذا روح قتالية برفع دعوى مطالبة بالتعويض ضد حكومة السودان. إستمرت الدعوى أكثر من عشر سنوات ، وكسبها أخيرا وعوضته المحكمة مبلغا من المال لا يساوي حجم معاناته ولا حجم ما دره إبتكاره من فوائد.
قال القاضي في حيثيات نطق الحكم : بعد أن أدركنا ما قمتم بتقديمه يا مهندس إ.ح.م للسودان ، حكمنا لكم بهذا التعويض , وأنا آسف أن القانون لا يتيح للمحكمة تعويضا أكثر من ذلك ، و أضعاف ذلك ما كتيرة عليك يا مهندس إ.ح.م.
الحالة الثالثة :السودان . حالة المهندس صابر.
المهندس صابر أيوب له خبرة في التسويق والمبيعات لمدة لا تقل عن خمسة عشر عاما .إلتحق المهندس صابر بالعمل ورأس ماله خبرته وحماسه ورغبته في الإتقان في الشركة الحكومية التي وفقه الله تعالى للعمل بها.
وفي المصنع الجديد للشركة تم تعيين المهندس صابر مديرا للتسويق مسئولا عن تسويق سلعة جديدة على السوق السوداني ، وجديدة على العاملين بالمصنع ، وعليه أن يفاوض ويروج لهذه السلعة.
طرح المهندس صابر على المهندسين فكرته ، وهي أنه يرغب في البدء في تصميم برنامج بالكمبيوتر لحساب تقديرات التكاليف ومن ثم تجهيز عروض الأسعار. ولقي من مجموعة المهندسين بالمصنع تجاوبا كبيرا ، وبدء يتلقى منهم المعلومات فيما يتعلق بمستهلكات الإنتاج .... كمياتها ومعدلاتها . وفي جوانب أخرى من المواد الخام حين لم يجد لدى المهندسين ما يروي غليله لم يتوقف ولم يعطل المهندس صابر حقيقة أن مكاتب الشركة لم تكن مجهزة بوسائل الإتصال من هاتف وإنترنت ، فانطلق وبدأ في التردد على محلات ألإنترنت في الشوارع ، باذلا المال من جيبه والجهد والساعات في البحث وتجميع المعلومات والمراسلات للحصول على الإسعار. وكان حين يحصل على المعلومات يحضر إلى المكتب ويبدأ في تصنيفها في جهاز الكمبيوتر لديه في المكتب ، ومستأنسا تارة أخرى باراء زملائه من المهندسين ، ومتنقلا بملف مشروع البرنامج من المكتب إلى البيت مواصلا العمل فيه حتى الساعة الثانية صباحا في بعض الأحيان ، وخلال ايام الجمع مرات أخرى. تحول هذا المشروع إلى تحدي ذهني للمهندس صابر ، وأبتكر خلاله العديد من المعادلات ، وكان تصميم بعض المعادلات يستغرق منه أحيانا الثلاث أيام بل والإسبوع أحيانا أخرى حتى يتأكد أن المعادلة ظبطت وأنها تجاوب على كل الإحتمالات المطلوبة بنجاح ، بل وبلغ من شدة تكريسه لنفسه لهذا التحدي الذهني أنه كان أحيانا وعندما يكتمل التصميم النهائي لإحدى المعادلات كان لا يتمالك نفسه من الفرحة فكان يتصل بزوجته هاتفيا من المكتب لينقل لها البشارة: ظبطت .. ظبطت.
ورويدا رويدا بدأت الملامح النهائية للمشروع في الظهور ، وبعد أربع أشهر من البحث والجهد العقلي والعمل المستمر في جهاز الكمبيوتر لمدة لا يقل معدلها عن 12 ساعة يوميا بكل ما فيها من إرهاق عقلي وعضلي لعضلات الكتف والساعدين والعيون .... أكتمل البرنامج وصار جاهزا .
تحولت عملية تجهيز عروض الأسعار من مجموعة عمليات حسابية شاقة ومكررة ومتنوعة وطويلة إلى عملية سهلة ميسرة تتم في دقائق فقط هي الدقائق الكافية لإدخال البيانات الخاصة بمواصفات المنتج المطلوبة إضافة لآخر أسعار المواد الخام ومستلزمات الأنتاج.
وبعد كل هذا المجهود والذي لم يتلق المهندس صابر عليه أية مكافأة مادية أو معنوية ولا حتى كلمة شكر ظهرت فجأة مشكلة لم تكن في الحسبان.
لقد ظهر ما يسمى بالمستثمر الأجنبي.
وفوجئ مهندس صابر بمدير الشركة يدخل إلى مكتبه ويطلب منه بلهجة آمرة أن يدخل نسخة من برنامج تجهيز عروض الأسعار لأنه (المدير) لديه إجتماع مهم.
صعق المهندس صابر لحظتها ، وكانت أول خاطرة تبادرت إلى ذهنه:هل قمت بكل هذا المجهود عبر كل هذه الشهور لكي يأتي مدير الشركة ويستلم نسخة من البرنامج ليستخدمها في التفاوض وأتحول أنا إلى عاطل في مكتبي ؟ أليس لمثل هذا اليوم قد تعبت وساهرت الليالي لتأسيس عمل وإنجاز فكرة لم يطلبها مني أحد أصلا وحين تحين ساعة استخدامها والإستفادة منها فكل ما هو مطلوب مني أن أقوم بتسليمها طائعا مختارا ؟! لم أجد التقدير المهني ، ولم أتلق حتى مكافأة مالية رمزية .... أفلا أنال حتى سعادة استخدام ما تعبت من أجله حين تحين اللحظة ؟
طلب المهندس صابر من المدير أن يرافقه ، فهذا عمله أولا ، ثانيا البرنامج هو الذي قام بتصميمه وتعلل بأن لا أحد حتى الآن يعرف تشغيله . وبدأت مجادلة طويلة ومرهقة بين المهندس صابر والمدير العام وافق في ختامها المدير العام على مضض أن يرافقه مهندس صابر لمقابلة المستثمر الإجنبي ، وفي ذلك اللقاء شاهد المستثمر الأجنبي عرضا تفصيليا تم إشباعه فيه بالبيانات و الأرقام لا المشروبات والطعام كما جرت العادة مع كثير من المستثمرين الذين يأتون لهذا البلد الناسو طيبين ومضيافين ويعتقد الكثير منهم أن المبالغة في الأكرام والدعوات هي السبيل لكسب عقل وقلب المستثمر.
وأقتنع المستثمر وتحمس، وبدأ تشكيل الشركة ، إلا أن المهندس صابر وجد نفسه مستبعدا من جميع إجتماعات التأسيس ، ووجد نفسه معزولا ، وبدأ يحس بدنو مصيره المحتوم ، خاصة وقد تناهي إلى سمعه أن المدير العام غاضب وأنه قد وصفه بأنه عنيد وأنه لا بد أن يدفع الثمن.
وحين بدأت الشركة الجديدة تحت إدارة المستثمر وجد المهندس صابر نفسه مستوعبا في وضع لا يعلم ما هو ، وعلم أن المستثمر قد قام بتعيين مدير للتسويق من بني جلدته ، وبدأ يسمع بتحركات مدير التسويق الجديد في السوق . أما هو فقد ظل قابعا محتارا مغموما في مكتبه لا يدري ما هي وظيفته في ظل الوضع الجديد. لم ينهوا خدماته لعدم وجود المبرر ولأن جميع زملائه يعلمون عطائه ، ولكنه لأنه عنيد لم يستوعب في وظيفة واضحة وترك في حالة من العطالة المقنعة.
وجاءت الصدمة الكبرى حين أخبروه ذات يوم أن مدير التسويق الخاص بالمستثمر سيحضر إليه في مكتبه حاملا مواصفات مشروع جديد والمطلوب منه أن يقوم بتجهيز التكاليف بواسطة البرنامج ويسلمها له ، وأن مدير التسويق المعين من قبل المستثمر هو الذي سيتولى عملية الإتصال بالعملاء.
شعر المهندس صابر بالدم يغلي في عروقه ، وانتابه إحساس عميق بالخذلان والجحود ، ولم يصدق أنه بعد كل هذه الشهور من التعب فإن كل ما عليه أن يقوم بتسليم خلاصة تعبه مجانا هكذا وياليت ذلك كان للإدارة السودانية ، بل لإدارة أجنبية ولمدير تسويق أجنبي يأتي الآن ليحصل على كل تعبه ومجهوده العقلي بل ونتائج أبحاثه واتصالاته مجانا هكذا ، وبل وحتى دون أن يعرف مهندس صابر موقعه من الإعراب.
. ولم تمر دقائق حتى تلقى المهندس صابر إتصالا هاتفيا من نظيره الإجنبي يخبره فيه بلهجة واثقة أنني في طريقي إليك لتجهيز عرض الأسعر وأرجو أن تكون في انتظاري.
لم يتمالك المهندس صابر نفسه ، وبهدوء عاصف طلب من نظيره ، أو بالأحرى ممن ورث مكانه غنيمة باردة ، طلب منه ألا يحضر.
سال مدير التسويق الأجنبي مستغربا : لماذا ؟ رد مهندس صابر قائلا : لا توجد علاقة بيني وبينك . رد وريثه الأجنبي : موش فاهم !!! عقب صابر قائلا: موش مسئوليتي أن تفهم . وانتهت المحادثة . كان المهندس صابر في تلك اللحظات القاتمة يستخدم مع نفسه منطقا بسيطا واضحا : طالما كان هذا أسلوبهم معي ، فعلى الآخر الأجنبي الذي ورث مكاني أن يأتي بجهده وحساباته وخبراته ، ولست بالذي يمنح نفسه وعقله غنيمة باردة.
ولم تمر بضع دقائق حتى كان المهندس صابر يتلقى إنذارا مكتوبا بأن يقوم بتسليم نسخة من برنامج التكاليف وتجهيز عروض الأسعار الخاص بالمصنع في جهاز الكمبيوتر الخاص بالمستثمر الأجنبي خلال 4 ساعات فقط. حينها فقط أدرك مهندس صابر أنه قد تلقى مكافأته على مبادرته وتعبه واجتهاده .... تلقاها ضغينة وكرها من مديره السوداني لأنه قاوم محاولته سحب البرنامج والسيطرة عليه بأسلوب ينضح بالمكر والتنكر واستغلال نفوذ المنصب ، وتلقاها الآن إنذارا يجرده حتى من الملكية الفعلية أو حتى الفكرية لعمله و جهده العقلي بل ويرسل ضده رسالة تحريضية للمستثمر أن : هذا متمرد ومعاند ... وأعطيناه إنذارا.
فهم المهندس صابر كل ذلك لكنه ظل مستعصما برفضه لائذا بكبرياءه الجريح . ولم تمر سوى أيام حتى كان مديره السوداني يتصل به هاتفيا ويبلغه بلهجة واضحة الجفاء تنضح بالتشفي :الجماعة ديل فصلوك ... ما عاوزنك.
ضحك المهندس صابر قائلا : فصلوني من شنو ؟ هي وظيفتي كانت عندهم شنو عشان يفصلوني منها ؟ رد مديره : ما عارف .
معقول إنت مديري طول الفترة الفاتت دي وحسه ما تعرف حتى وظيفتي شنو؟ رد من كان مديره قائلا : تعال استلم خطابك.
و إلى أن نواصل سرد بعض النماذج في حلقة قادمة ، أرجو من كل يرى أنه قد بدأ في فهم بعض مقاصد المبادرة ويرغب في المساهمة في صياغة المبادرة التقدم باقتراحاته.
إنها مبادرة للجميع ويملكها الجميع وليس لها مالك . نريد أن يكون مالكها العقل السوداني الجديد.
ودمتم في حفظ الخالق بديع السموات والأرض
13/2/2005م
مشروع تحرير الطاقات وتشجيع المبادرات
بعون الله تعالى أطلق اليوم هذه المبادرة ، سائلا المولى عز وجل أن تجد لها أنصارا أوفياء مخلصين محبين لخالقهم بديع السموات والأرض .
أنصارا من الذين يؤمنون بهذه الطريقة في التفكير ، و أنصارا من الضحايا الذين يدركون أنهم ضحايا بسبب عدم وجود هذا النمط من التفكير في حياتنا ، أو من اليائسين الخائفين والمترددين خوفا من أن يكونوا ضحايا ، فتجمدت فيهم بسبب هذا الخوف والتردد والإحباط نوازع التفكير الخلاق المبدع ، وتعطلت فيهم نعمة من نعم الله العظيمة ، لأن الله تعالى وصف نفسه بأنه هو الخلاق بديع السموات والأرض.
من أجل المهمشين أطلق هذه المبادرة، لكي ندخل جميعا إلى حلبة الحياة ، ولكي يكون للتهميش في حياتنا معنى جديد نحاربه ، وتكون حربنا له هي أيضا نوع من أنواع الإبداع.
ولكي أمهد لفهم هذه المبادرة أبدأ بذكر بعض الأمثلة التي قابلت أصحابها في حياتي وعايشت مهم حالة الجمود التي تستهلك أعمارهم وتغللهم بغلالات اليأس والضجر.
المثال الأول :المكان :السودان . الموظف ع.ب ويعمل في قسم شئون الموظفين في شركة ج.ح.ص في السودان : أكمل هذا الموظف خلال سنوات عمله بهذه الشركة دراسة الكمبيوتر ودراسة البرمجة بلغة الفيزوال بيسيك Visual Basic ، ولأنه شخص فيه صفات الإبداع ، فقد بدأ يصمم برامج لإدارة شئون الموظفين بلغة الفيزوال بيسيك ، وهي برامج في غاية الروعة وتلبي كل إحتياجات ومتطلبات العمل في قسم شئون الموظفين ، بل وأكثر من ذلك ، فهي برامج متجددة ومتطورة لأن منتجها ومصممها جزء من تركيبة المكان.
هذه البرامج تقدم إحصاءات دقيقة ، ومعلومة سريعة جاهزة لكل ما يطلب منه.
إن المستفيد الأول من هذه البرامج هو : شركته التي يعمل بها ، أما المستفيد المباشر فهو : مدير إدارة شئون الموظفين.
أما السيد ع.ب فلم يستفد سوى رضا الرئيس المباشر ، وهو رضاء صامت . لم تقدر الشركة أن السيد ع.ب قد وفر لها ملايين الدينارات بهذه المبادرات وذلك خصما من قيمة تعاقدات كان من المفترض أن تتم مع شركات الكمبيوتر المتخصصة في البرامج، ولم تقدر له إدارة الشركة أنه قد أرهق فكره وعقله في إضافة ما ليس مطلوبا منه أصلا ، وبالرغم من ذلك مازال السيد ع.ب يواصل عمله قانعا وراضيا غير ساخط .
إن السيد ع.ب لم يتميز على غيره برغم ما قدم ، وفي أية لحظة يمكن أن يفصل من عمله بسبب عدم رضا مديره عنه ، وحين تأتي اللحظة التي يغادر فيها مكتبه لأية سبب من الأسباب ، سيكون قد ترك خلفه من الإبتكار ميراثا غنيا و ... مجانيا.
المثال الثاني :السودان . المهندس إ.ح.م عمل في شركة م.خ.م للصناعات ، وهي شركة حكومية .
تخرج المهندس إ.ح.م وتخصص في دراسة علوم المعادن ، وصار من النابغين البارعين فيها. ولأنه شخص فيه صفات الإبداع والإبتكار ومواجهة التحديات ، فقد قام بإختراع قالب جديد للصب بخلطة مبتكرة ، وأجرى عليه التجارب والإختبارات اللازمة ، ثم عرضها على المسئوليين الذين رحبوا بها أيما ترحيب ، وبدأوا فورا في استخدام الخلطة والتي أثبتت كفاءة عالية فائقة فنيا واقتصاديا.
لم ينل المهندس إ.ح.م سوى الرضا ، ولم يعجبه هذا الأمر ، فطلب تقديم مكافأة مالية له مقابل إستخدام خلطته ، إلأ أنهم ردوا عليه بالقول أنه إنما كان يؤدي واجبه الوظيفي.
قام المهندس إ.ح.م والذي كان فيما يبدو ذا روح قتالية برفع دعوى مطالبة بالتعويض ضد حكومة السودان. إستمرت الدعوى أكثر من عشر سنوات ، وكسبها أخيرا وعوضته المحكمة مبلغا من المال لا يساوي حجم معاناته ولا حجم ما دره إبتكاره من فوائد.
قال القاضي في حيثيات نطق الحكم : بعد أن أدركنا ما قمتم بتقديمه يا مهندس إ.ح.م للسودان ، حكمنا لكم بهذا التعويض , وأنا آسف أن القانون لا يتيح للمحكمة تعويضا أكثر من ذلك ، و أضعاف ذلك ما كتيرة عليك يا مهندس إ.ح.م.
الحالة الثالثة :السودان . حالة المهندس صابر.
المهندس صابر أيوب له خبرة في التسويق والمبيعات لمدة لا تقل عن خمسة عشر عاما .إلتحق المهندس صابر بالعمل ورأس ماله خبرته وحماسه ورغبته في الإتقان في الشركة الحكومية التي وفقه الله تعالى للعمل بها.
وفي المصنع الجديد للشركة تم تعيين المهندس صابر مديرا للتسويق مسئولا عن تسويق سلعة جديدة على السوق السوداني ، وجديدة على العاملين بالمصنع ، وعليه أن يفاوض ويروج لهذه السلعة.
طرح المهندس صابر على المهندسين فكرته ، وهي أنه يرغب في البدء في تصميم برنامج بالكمبيوتر لحساب تقديرات التكاليف ومن ثم تجهيز عروض الأسعار. ولقي من مجموعة المهندسين بالمصنع تجاوبا كبيرا ، وبدء يتلقى منهم المعلومات فيما يتعلق بمستهلكات الإنتاج .... كمياتها ومعدلاتها . وفي جوانب أخرى من المواد الخام حين لم يجد لدى المهندسين ما يروي غليله لم يتوقف ولم يعطل المهندس صابر حقيقة أن مكاتب الشركة لم تكن مجهزة بوسائل الإتصال من هاتف وإنترنت ، فانطلق وبدأ في التردد على محلات ألإنترنت في الشوارع ، باذلا المال من جيبه والجهد والساعات في البحث وتجميع المعلومات والمراسلات للحصول على الإسعار. وكان حين يحصل على المعلومات يحضر إلى المكتب ويبدأ في تصنيفها في جهاز الكمبيوتر لديه في المكتب ، ومستأنسا تارة أخرى باراء زملائه من المهندسين ، ومتنقلا بملف مشروع البرنامج من المكتب إلى البيت مواصلا العمل فيه حتى الساعة الثانية صباحا في بعض الأحيان ، وخلال ايام الجمع مرات أخرى. تحول هذا المشروع إلى تحدي ذهني للمهندس صابر ، وأبتكر خلاله العديد من المعادلات ، وكان تصميم بعض المعادلات يستغرق منه أحيانا الثلاث أيام بل والإسبوع أحيانا أخرى حتى يتأكد أن المعادلة ظبطت وأنها تجاوب على كل الإحتمالات المطلوبة بنجاح ، بل وبلغ من شدة تكريسه لنفسه لهذا التحدي الذهني أنه كان أحيانا وعندما يكتمل التصميم النهائي لإحدى المعادلات كان لا يتمالك نفسه من الفرحة فكان يتصل بزوجته هاتفيا من المكتب لينقل لها البشارة: ظبطت .. ظبطت.
ورويدا رويدا بدأت الملامح النهائية للمشروع في الظهور ، وبعد أربع أشهر من البحث والجهد العقلي والعمل المستمر في جهاز الكمبيوتر لمدة لا يقل معدلها عن 12 ساعة يوميا بكل ما فيها من إرهاق عقلي وعضلي لعضلات الكتف والساعدين والعيون .... أكتمل البرنامج وصار جاهزا .
تحولت عملية تجهيز عروض الأسعار من مجموعة عمليات حسابية شاقة ومكررة ومتنوعة وطويلة إلى عملية سهلة ميسرة تتم في دقائق فقط هي الدقائق الكافية لإدخال البيانات الخاصة بمواصفات المنتج المطلوبة إضافة لآخر أسعار المواد الخام ومستلزمات الأنتاج.
وبعد كل هذا المجهود والذي لم يتلق المهندس صابر عليه أية مكافأة مادية أو معنوية ولا حتى كلمة شكر ظهرت فجأة مشكلة لم تكن في الحسبان.
لقد ظهر ما يسمى بالمستثمر الأجنبي.
وفوجئ مهندس صابر بمدير الشركة يدخل إلى مكتبه ويطلب منه بلهجة آمرة أن يدخل نسخة من برنامج تجهيز عروض الأسعار لأنه (المدير) لديه إجتماع مهم.
صعق المهندس صابر لحظتها ، وكانت أول خاطرة تبادرت إلى ذهنه:هل قمت بكل هذا المجهود عبر كل هذه الشهور لكي يأتي مدير الشركة ويستلم نسخة من البرنامج ليستخدمها في التفاوض وأتحول أنا إلى عاطل في مكتبي ؟ أليس لمثل هذا اليوم قد تعبت وساهرت الليالي لتأسيس عمل وإنجاز فكرة لم يطلبها مني أحد أصلا وحين تحين ساعة استخدامها والإستفادة منها فكل ما هو مطلوب مني أن أقوم بتسليمها طائعا مختارا ؟! لم أجد التقدير المهني ، ولم أتلق حتى مكافأة مالية رمزية .... أفلا أنال حتى سعادة استخدام ما تعبت من أجله حين تحين اللحظة ؟
طلب المهندس صابر من المدير أن يرافقه ، فهذا عمله أولا ، ثانيا البرنامج هو الذي قام بتصميمه وتعلل بأن لا أحد حتى الآن يعرف تشغيله . وبدأت مجادلة طويلة ومرهقة بين المهندس صابر والمدير العام وافق في ختامها المدير العام على مضض أن يرافقه مهندس صابر لمقابلة المستثمر الإجنبي ، وفي ذلك اللقاء شاهد المستثمر الأجنبي عرضا تفصيليا تم إشباعه فيه بالبيانات و الأرقام لا المشروبات والطعام كما جرت العادة مع كثير من المستثمرين الذين يأتون لهذا البلد الناسو طيبين ومضيافين ويعتقد الكثير منهم أن المبالغة في الأكرام والدعوات هي السبيل لكسب عقل وقلب المستثمر.
وأقتنع المستثمر وتحمس، وبدأ تشكيل الشركة ، إلا أن المهندس صابر وجد نفسه مستبعدا من جميع إجتماعات التأسيس ، ووجد نفسه معزولا ، وبدأ يحس بدنو مصيره المحتوم ، خاصة وقد تناهي إلى سمعه أن المدير العام غاضب وأنه قد وصفه بأنه عنيد وأنه لا بد أن يدفع الثمن.
وحين بدأت الشركة الجديدة تحت إدارة المستثمر وجد المهندس صابر نفسه مستوعبا في وضع لا يعلم ما هو ، وعلم أن المستثمر قد قام بتعيين مدير للتسويق من بني جلدته ، وبدأ يسمع بتحركات مدير التسويق الجديد في السوق . أما هو فقد ظل قابعا محتارا مغموما في مكتبه لا يدري ما هي وظيفته في ظل الوضع الجديد. لم ينهوا خدماته لعدم وجود المبرر ولأن جميع زملائه يعلمون عطائه ، ولكنه لأنه عنيد لم يستوعب في وظيفة واضحة وترك في حالة من العطالة المقنعة.
وجاءت الصدمة الكبرى حين أخبروه ذات يوم أن مدير التسويق الخاص بالمستثمر سيحضر إليه في مكتبه حاملا مواصفات مشروع جديد والمطلوب منه أن يقوم بتجهيز التكاليف بواسطة البرنامج ويسلمها له ، وأن مدير التسويق المعين من قبل المستثمر هو الذي سيتولى عملية الإتصال بالعملاء.
شعر المهندس صابر بالدم يغلي في عروقه ، وانتابه إحساس عميق بالخذلان والجحود ، ولم يصدق أنه بعد كل هذه الشهور من التعب فإن كل ما عليه أن يقوم بتسليم خلاصة تعبه مجانا هكذا وياليت ذلك كان للإدارة السودانية ، بل لإدارة أجنبية ولمدير تسويق أجنبي يأتي الآن ليحصل على كل تعبه ومجهوده العقلي بل ونتائج أبحاثه واتصالاته مجانا هكذا ، وبل وحتى دون أن يعرف مهندس صابر موقعه من الإعراب.
. ولم تمر دقائق حتى تلقى المهندس صابر إتصالا هاتفيا من نظيره الإجنبي يخبره فيه بلهجة واثقة أنني في طريقي إليك لتجهيز عرض الأسعر وأرجو أن تكون في انتظاري.
لم يتمالك المهندس صابر نفسه ، وبهدوء عاصف طلب من نظيره ، أو بالأحرى ممن ورث مكانه غنيمة باردة ، طلب منه ألا يحضر.
سال مدير التسويق الأجنبي مستغربا : لماذا ؟ رد مهندس صابر قائلا : لا توجد علاقة بيني وبينك . رد وريثه الأجنبي : موش فاهم !!! عقب صابر قائلا: موش مسئوليتي أن تفهم . وانتهت المحادثة . كان المهندس صابر في تلك اللحظات القاتمة يستخدم مع نفسه منطقا بسيطا واضحا : طالما كان هذا أسلوبهم معي ، فعلى الآخر الأجنبي الذي ورث مكاني أن يأتي بجهده وحساباته وخبراته ، ولست بالذي يمنح نفسه وعقله غنيمة باردة.
ولم تمر بضع دقائق حتى كان المهندس صابر يتلقى إنذارا مكتوبا بأن يقوم بتسليم نسخة من برنامج التكاليف وتجهيز عروض الأسعار الخاص بالمصنع في جهاز الكمبيوتر الخاص بالمستثمر الأجنبي خلال 4 ساعات فقط. حينها فقط أدرك مهندس صابر أنه قد تلقى مكافأته على مبادرته وتعبه واجتهاده .... تلقاها ضغينة وكرها من مديره السوداني لأنه قاوم محاولته سحب البرنامج والسيطرة عليه بأسلوب ينضح بالمكر والتنكر واستغلال نفوذ المنصب ، وتلقاها الآن إنذارا يجرده حتى من الملكية الفعلية أو حتى الفكرية لعمله و جهده العقلي بل ويرسل ضده رسالة تحريضية للمستثمر أن : هذا متمرد ومعاند ... وأعطيناه إنذارا.
فهم المهندس صابر كل ذلك لكنه ظل مستعصما برفضه لائذا بكبرياءه الجريح . ولم تمر سوى أيام حتى كان مديره السوداني يتصل به هاتفيا ويبلغه بلهجة واضحة الجفاء تنضح بالتشفي :الجماعة ديل فصلوك ... ما عاوزنك.
ضحك المهندس صابر قائلا : فصلوني من شنو ؟ هي وظيفتي كانت عندهم شنو عشان يفصلوني منها ؟ رد مديره : ما عارف .
معقول إنت مديري طول الفترة الفاتت دي وحسه ما تعرف حتى وظيفتي شنو؟ رد من كان مديره قائلا : تعال استلم خطابك.
و إلى أن نواصل سرد بعض النماذج في حلقة قادمة ، أرجو من كل يرى أنه قد بدأ في فهم بعض مقاصد المبادرة ويرغب في المساهمة في صياغة المبادرة التقدم باقتراحاته.
إنها مبادرة للجميع ويملكها الجميع وليس لها مالك . نريد أن يكون مالكها العقل السوداني الجديد.
ودمتم في حفظ الخالق بديع السموات والأرض