المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : بنياتنا التحتية ... مطار أم درمان ... أنموذجا


كمال حامد
11-02-2006, 06:51 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

مطار أم درمان الدولي الجديد
تعقيبا على مقالتة لأحد الخبراء السودانيين
يحتج فيها على إختيار جنوب غرب أم درمان
موقعا للمطار الدولي الجديد

كقارئ حريص على متابعة الصحف السودانية فقد تابعت باهتمام بالغ مقالتي الأخ الخبير الدولي السوداني بخصوص الخيارات الطروحة لموقع المطار الجديد.
وكان واضحا منذ مقاله الأول أن اختيار الموقع الحالي 45 كلم جنوب غرب أم درمان لم يرق له. وأرجو أن يتقبل مني هذا التعقيب من مواطن سوداني عادي ليس خبيرا مثله في شئون المطارات والبنيات التحتية .وربما يكفي مقالتيه نجاحا أن جعلتا شخصا عاديا مثلي يمسك القلم ليخط هذه السطور.
وأود بادئا ذي بدء أن أوضح أنني وكمواطن سوداني أم درماني فرحت أيما فرح بهذا الإختيار ، وقد أرسلت يومها رسالة تهنئة بواسطة الهاتف السيار (الموبايل) لكل من هو من أم درمان من الأهل والأصدقاء والمعارف داخل وخارج السودان مهنئا أياهم بهذا الحدث ، قائلا لهم:مبروك ... مطار السودان الدولي الجديد 45 كلم جنوب غرب أم درمان . بل واستنكرت كيف أن حدثا تاريخيا كهذا مر بصمت دون أن ينظم أبناء أو حتى بعض أبناء أم درمان إحتفالا أو مظاهرة إبتهاج !! وكنت أراهن طوال السنوات السابقة التي ظل فيها موقع المطار في مرحلة الدراسة والمفاضلة ، أن الموقع الأفضل هو أم درمان ، بل كنت أزيد وأقول أن منطقة جنوب غرب أم درمان هي الأنسب من شمال أم درمان ، وهي الأنسب من منطقة الحاج يوسف والجزيرة.
لم يكن تعليلي مبنيا على العاطفة .... حاشا وكلا... فلا يجوز أن تكون للعاطفة مكان في مثل هذه القرارات .. وستظل العاطفة موجودة بالفرح والمباركة لأية إنجاز كبير على امتداد سوداننا الواسع المبارك دوما إن شاء الله تعالى.
كانت الأسباب والمبررات التي نسوقها هي مما شاهدناه وعشناه خلال سنوات اغترابنا بالخارج. لهذا تحفظت على العديد من النقاط التي أثارها الأخ الخبير، فقد قدر لنا أن نعايش مشاريع مطارات عملاقة تنشأ أمام أعيننا، ذهب فيها تفكير المخطط الخبير في تلك الدول عكس ماذهب إليه رأي خبيرنا الفاضل ، إلا أنه والحق يقال أن تلك المشاريع العملاقة رصدت لها ميزانيات ضخمة مفتوحة ، الأمر يجعلني وفي نهاية المطاف أوافق الأخ الخبير على أن تكلفة المشروع لن تكون في حدود المبلغ المقدر :500 مليون دولار أو تزيد قليلا ... ولكن ومع ذلك يظل خيار جنوب غرب أم درمان هو الأفضل .
وحين كتابتي هذا التعقيب ، تتداعى إلى ذاكرتي سنوات تشييد مطار الرياض الدولي المسمى :مطار الملك فهد الدولي ، والذي تم تشييده أواخر ثمانينات القرن المنصرم في المملكة العربية السعودية.
دعونا نرى كيف فكر السعوديون وهم يخططون لمطارهم الجديد. ففي تلك الفترة صار مطار الرياض القديم في وسط المدينة تماما مثل مطار الخرطوم الحالي ، مطارا مكتظ المداخل والمخارج بحركة السيارات المتداخلة مع حركة السير في طرقات المدينة ، وكنت حين أكون مسافرا كان علي الذهاب بسيارتي قبل ساعتين على الأقل من موعد السفرية لأظل أدور وأدور لما لا يقل عن الساعة بحثا عن موقف ، وربما أضطررت مرارا لإيقافها في طرقات حي السليمانية القريب من المطار ثم الذهاب راجلا .
وأنطلق السعوديون:
طبيعة المنطقة: تم إختيار صحراوية خالية تماما من القرى، بل وخالية من أية نوع من أنواع التواجد السكاني على مسافة لا تقل عن 55 كلم شمال شرق الرياض ، علما أن هذه البعد كان من أقصى شمال الرياض وليس من مركز المدينة. وتم مراعاة أن تكون معزولة عن تجمعات القرى والمدن الصغيرة الممتدة كالعقد المنظوم سواء شمال الرياض على طريق الرياض القصيم ، أو غرب الرياض على طريق الرياض الطائف ، أو جنوب الرياض على طريق الرياض الخرج الجنوب. تمثل كل هذه الطرق الداخلية نماذج مشابهة لحالات طريق الخرطوم مدني مرورا بكل قرى الجزيرة . ولا يعتبر إستغلال الطرق القومية الداخلية واعتبارها جزءا من طريق المطار الجديد ميزة إيجابيةعلى الإطلاق ، بل تم السعي لبناء الطريق المنفرد الواسع الممتد من المطار مباشرة إلى قلب العاصمة دون أية عوائق وعلى مدى 55 كيلومترا ، وفي مخارج معينة يلتقي طريق المطار وعبر الجسور العلوية بطريق العاصمة الدائري والذي يلف المدينة ويمكنك من الوصول مباشرة لأقرب مكان تود الوصول إليه ، أو الذهاب مباشرة نحو الطرق السفرية المؤدية نحو مدن جنوب أو غرب أو شرق العاصمة دون عناء الدخول لمركز البلد المزدحم.
إن الحكمة في ذلك واضحة تماما: أن المطار الجديد والذي سيخدم مستقبلا لعشرات السنين يجب أن تتيح هندسة طرقه من مداخل ومخارج الوصول الحر والمباشر إليه من أية مكان بالعاصمة مباشرة دون الإضطرار للمرور في شبكة الطرق القومية الأخرى والمعاناة مما بها من تقلبات ومفاجئات غير متوقعة في حركة السير من إزدحام واختناقات . وحين كنت مقيما في الرياض العملاقة والتي تقارب مساحتها الـ 2400 كلم مربع ، كان بإمكاني وبالرغم من بعد المطار برمجة وقت وصولي إليه بدقة مسافرا كنت أم مستقبلا لتوفر المداخل والمخارج المؤدية إلى طريق المطار المباشر المستقل عن كل ما عداه.
هل يمكننا أن نحلم بوضع كهذا ونحن نعبر طريق الخرطوم مدني المزدحم بالشاحنات والسيارات والقرى وصولا للمطار الجديد لمجرد توفير تكلفة 45 كيلومتر من السفلتة؟؟ خاصة إذا وضعنا في إعتبارنا أن مشروعا كهذا لا يجب النظر إليه كمجرد محطة لمغادرة أو وصول للركاب مهما كان عددهم ، بل يجب أن يكون النافذة الأكثر فاعلية للتصدير والإستيراد لمختلف أنواع البضائع التي تحتاج طبيعتها لخدمة النقل الجوي ، مثل صادرات اللحوم المبردة والخضروات والفواكه و ..... الزهور!! نعم .. الزهور ... كم منا يعلم أن دخل هولندا من صادرات الزهور أعلى من دخل المملكة العربية السعودية من صادرات البترول ؟!
السيطرة الأمنية : ربما يغيب عن ذهن البعض أن مشروعا كهذا ومهما بلغت ضخامته لا بد أن يكون مصمما بحيث يكون قابلا لأقصى درجات الإتقان في المراقبة والسيطرة الأمنية ، وهذا لن يتأتى إلا إن يكون هذا المطار معزولا عن كل شيئ و كل مكان ... قريبا من كل شيئ وكل مكان .. ولن يتأتى هذا إلا بتبني أحدث أنظمة الطرق والكباري والأنفاق. بهذه الترتيبات يكون المطار قريبا قرب سهولة ويسر في الوصول والدخول والمغادرة ، وإن تباعدت المسافات.
أما ما ذكره الأخ الخبير من ضرورة قرب مكان المطار من مقرات الهيئات الدبلوماسية والمنظمات الدولية وأماكن عمل وسكن العاملين بها ، فأرجو أن تسمحوا لي بإطلاق آهة وزفرة تعجب وحسرة !!! فهل بلغ بنا الحال أن نفكر براحة هذه الجهات ونحن نخطط لمشاريعنا الإستراتيجية ، أم الواجب أن نفكر في مصلحة محمد صالح وأدروب ودينق وآدم والعوض وكمال والخير ؟
إن الحي الأبعد من مطار الرياض هو الحي الدبلوماسي الواقع غرب المدينة حيث تم تجميع مقرات السفارات ومساكن العاملين عليها. تم تصميم هذا الحي أيضا في منطقة مغلقة ذات أبواب ومداخل وخارج محددة تسهيلا للمراقبة والسيطرة الأمنية ، بل أن هذه المنطقة من حيث جودة الأرض هي الأكثر صعوبة من حيث التضاريس والصخور ، إلا أن فنون المعمار والهندسة المدنية الحديثة جعلتها الحي الأكثر جمالا في المدينة وصارت حتى الصخور جزءا من ديكور وجماليات المكان ، وليت المخطط في عاصمتنا يسعى لوضع مماثل بدلا من التشتت الحالي في مقرات السفارات والمنظمات.
الأمن الجوي والحوادث:وهذه مسألة بدهية تعرف بالتأمل والملاحظة للأحداث والوقائع ، فأصعب المراحل في السفرية الجوية هي مرحلة الإقلاع والهبوط ، وهي مرحلة يتجاوز الخطر فيها مساحة المطار مهما كانت واسعة ليشمل جميع المساحات والأراضي المجاورة والتي يطلق عليها حرم المطار ، وليس بعيدا عنا حادث طائرة الإنتنوف التي سقطت داخل المدرج خلال إقلاعها متجهة للفاشر. قدر الله ولطف فلم يتأخر الحادث ثوان كانت كفيلة بجعل سقوط الطائرة على أحياء الخرطوم أو بحري التي نشاهدها تحتنا حين تقلع الطائرة من مطار الخرطوم الحالي ، بل يستطيع المرء التعرف على الشوارع وبيوت بعينها أحيانا !! ولنا أن نتصور كيف سيكون الحال والطائرة تقلع من منطقة الجزيرة الأكثر إزدحاما بالقرى والسكان في السودان ؟
دعك من هذا ، فإن الواقع المعاش حاليا يقول أن العديد من هذه القرى بدأت تتحول إلى مدن صغيرة تتمدد وتلتحم ببعضها بعضا وذلك بسبب الحاجة المتزايدة للإسكان في هذه المناطق لقيام المناطق الصناعية والإستثمارات مثل جياد ومجمع الصناعات الدوائية وغيرها ومناطق التنقيب عن البترول في أبو جن .... و لا أحسب أننا نرجم بالغيب أو نرمي القول جزافا إذا قلنا أنه لن يمر سوى عقدين إلى ثلاث عقود من الزمن إن شاء الله تعالى إلا وتكون مدنا صغيرة مثل الجديد والشقلة والمسعودية والنوبة والمسيد مجرد أسماء لأحياء سكنية في مدينة ضخمة ممتدة على عشرات الكيلومترات في طريق مدني الخرطوم ، بل أزيد وأقول أن بعض القلق قد إنتابني حين قرأت في الصحف أن موقع المطار الجديد 45 كلم جنوب أم درمان و 13 كلم غرب جبل الأولياء ، فقلت:ليتهم زادوها وجعلوها لا تقل عن 30 كلم غرب جبل أولياء ، فماذا تعني 13 كلم في حسابات التمدد العمراني ؟ ... وفي العديد من الدول أوقفوا التمدد العمراني في حدود معينة حتى لا تزحف المدن من جديد مخترقة الحواجز الخلوية بينها وبين المطار.
أما بقية النقاط التي أثارها خبيرنا الفاضل إعتراضا على تكاليفها الإضافية مثل ضرورة تشييد طريق مرور سريع وخط الضغط العالي وأنبوب الوقود وخلافه مما يمكن تجنبه بتشييد المطار في منطقة الجزيرة إعتمادا على تسهيلات موجودة ... فأقول إن النقطة الجوهرية التي ينبغي أن نستهدي بها هنا ليست مجرد التكلفة المادية فقط ... بل هي الهدف الذي نبتغيه من مشاريع البنيات التحتية الضخمة مثل هذا المشروع.
إن مثل هذا المشروع ضخم ومحوري تلحق به العديد من مشاريع البنيات التحتية المكملة والخادمة له وبشكل مستقل ضمانا للفاعلية القصوى في التشغيل ، وواضعين في إعتبارنا كذلك تزايد ضغوط الإستهلاك مستقبلا على ما هو موجود حاليا من بنيات تحتية على قلتها، لتزايد حاجات السكان والصناعة والزراعة . ولو كانت التكاليف هي الهاجس الوحيد لربما قال قائل أن من الأفضل توفير حتى تكلفة الـ 500 مليون دولار وتوجيهها إلى أولويات أخرى.
عندما بنى غيرنا بنوا وهم يفكرون لمدة 50 عاما للأمام. وحين غادرت الرياض نهائيا عام 1999 بعد ما لا يقل عن 10 أعوام من إفتتاح المطار الجديد ، كانت لا تزال هناك عدة صالات إحتياطية جديدة مغلقة لم تستخدم ... لكنهم يعلمون أنه حين يأتي اليوم الذي يحتاجونها فيه فلن يكونون مضطرين لمشروع توسعة جديد ... أو ربما نقل المطار إلى مكان آخر.
أوافق الخبير السوداني في نقطة مهمة ، لن تكون 500 مليون دولار كافية ، وهي لن تكون كافية حتى لو كان المطار في الجزيرة ، و في كل الأحوال أبارك لنفسي وللأخ الخبير ... مطار أم درمان الدولي الجديد إن شاء الله تعالى.

كمال حامد
مدينة جياد الصناعية

حجر الظلت
11-02-2006, 07:18 PM
الأخ كمال حامد ...
تشكر على هذا المقال القيم ونحن دائما نشجع النقاش الجاد في مثل هذه الأمور الهامة التي تمس المواطن السوداني في موارده الشحيحة ..
ولي عودة إلى المقال إن شاء الله ..

نورس السودان
11-02-2006, 09:59 PM
عفوا اعزائنا

حتى تكتمل الصورة
نحتاج رأى الخبير السودانى الذى لم يذكر اسمه
ولا ما قاله ..
ولنا عودة ..
كما للنوارس ..

Al-Shaygi
12-02-2006, 06:26 AM
وحين كتابتي هذا التعقيب ، تتداعى إلى ذاكرتي سنوات تشييد مطار الرياض الدولي المسمى :مطار الملك فهد الدولي ، والذي تم تشييده أواخر ثمانينات القرن المنصرم في المملكة العربية السعودية.


1. مطار الملك خالد الدولي وليس الملك فهد.
2. أفتتح المطار في مطلع الثمانينات وليس أواخرها (1984).

كمال حامد
12-02-2006, 06:48 AM
أشكرك على التصحيح في الإسم و التاريخ أخ الشايقي

الفاتح ود مرتضي
12-02-2006, 11:24 AM
الأخ/ كمال حامد
بعد التحية
مشكوور على هذه النظرة الثاقبة وعلى هذا التنوير .. وأشارك من كل قلبي أهلي المجاورين للمطار ( المتوقع) الفرحة ......

فتفتيت الخدمات على الاقاليم والقرى مطلب وطني تنموي.. .

وليت حلم المطار يتحول إلى حقيقة تتفق مع المواصفات العالمية وليس مدخلا للنهب والسلب المدعوم بآراء الخبراء.

نشارك أهالي الشقلة والصالحة والجموعية الفرحة

asim
13-02-2006, 08:11 AM
الاخ كمال
تحية واحترام
الموضوع لا ينفصل اساسا من برامج التنمية لذلك لا احد يستطيع الحكم علي الموضوع من غير الاطلاع علي خطة التنمية .
وانا جد متاكد ان ليس لدينا اي خطة كالمعتاد الارتجال هو الاساس .

اسماعيل
14-02-2006, 01:19 AM
تحية حب وتقدير الى شخصك المفضال
عزيزى هذا الموضوع يهم كل سودانى واتمنى من اللة العلى العظيم
ان يوفقك طرح مثل هذة المواضيع الشيقة التى تهم مصلحة الوطن
وفقك اللة وسدد خطاك