حجر الظلت
06-02-2006, 05:02 PM
الإغتيال فى الصحراء
أيمن وأشرف زملاء دراسة تخرجا من قسم المحاسبة ، أيمن من العاصمه وأشرف من الضواحي ، صديقين حميمين طرقا أبواب السفر كعادة كل الخريجين النزيهين الذين لا ينتمون للحزب ولا يحبون الواسطة .
أيمن اتجه إلى احدى دول الجزيرة العربية ، بينما صديقه صبر حتى غادر الى احدى الدول الأوربية ، مرت السنين وأيمن أرسل خطاب الى صديقه أشرف يحكى أحواله ، كيف حالك وأنت فى دولة غير اسلامية ولا تنطق العربية ، بالتأكيد سوف يكون نفس العذاب الذي أمر به الآن ، سوف أعطيك قليلاً من معاناة السودانيين في هذا البلد .
صدقنى ما سوف أقوله لا يساوى شيئاً مما نعانيه ، أول قدومك أنت تحت رحمة شخص يتحكم فيك كما يشاء ، حاولوا أن يجدوا له اسم يبرر أنه ليس سيداً وأنت لست عبداً ، تذكر عندما كنا في معسكر الخدمة العسكرية كيف أن الدخول بورقة والخروج بورقه ، نحن هنا هكذا ... العالم مادي فوق ما تتصور كل الناس أتت إلى هنا من أجل المال ، التعامل مادي بحت ، لقد نسيت لغتى الإنجليزية ونسيت كيف أكتب القصة القصيرة ، أصبح همى فقط كيف أجمع المال ، وأخلاقي أصبحت ضيقة ، وأصبحت ( جلفاً ) ولم أعد أستطع قراءة الجرائد اليومية التى كنت ألتهمها التهاماً عندما كنت فى السودان ، هل تذكر ؟ لقد أصبت بضغط الدم وهو مرض عادي هنا ، سوف يسببه لك صاحب العمل ...
الأسرة التى تعتقد أن كل مشاكلها (اتحلت ) بعد سفرك ، كل المشاكل يا أشرف ...
أبحث عن شخصيتى القديمة وقد لا تصدق بالتأكيد لكن هذه هي همومنا المشتركة ، إننى لا أريد أن أحكى عن ضياع أعيش فيه بل إننى أبحث عن نفسي ...
توالت الرسائل بين الصديقين .. وها هو أشرف يرسل رسالة إلى أيمن قائلاً :
صديقى العزيز ...
ما تحكيه فوق طاقة البشر ، أكاد لا أصدق إن حالى هنا ليس مثلك ، أنا هنا لست تحت رحمة أحد ، إن المعاملة تتم على إنني انسان ، أعمل في شركة تحكمها قوانين ولست مثلك يتحكم في أحد ، أقول لك طرفة أو قصة حدثت لي : لقد شتمنى أحدهم بأننى ( أسود) ذهبت الى الشرطة وأخذت حقى كاملاً ..
المهم يا سيدى : لقد انهيت زمالة المحاسبين القانونيين ، ودرست الكمبيوتر وأجيد السباحة داخله ومخاطبة كل العالم ..
الدوام هنا (8) ساعات ما زاد بأجر اضافي ، أي أن لي وقت ولست مثلك ( ثمانية عشر ) ساعة ..
سؤال يؤرقنى : ماذا تعملون فى هذا الدوام الطويل ؟ مع أنى أعرف أنهم شعوب استهلاكية غير صناعية ..
لقد تزوجت واحضرتها من السودان ، وهي تحضر الآن في ( هندسة الحاسب الآلي ) وقد أرسلت والدي إلى الحج هذا العام ، وأحضرت أخي ( العوض ) هل تذكره ؟ الذي كان يرعى الغنم ، ألم أقل لك إنه الوحيد الأمي في عائلتنا ، لقد أحضرته لاجراء عملية (زرع كلية ) لقد وجدنا عدد من المتبرعين ، بل ان بعض الجمعيات الخيرية ساعدت في اجراء العملية ، سوف يمكث ( العوض ) معي لمدة سنة ، وها هو الآن بعد أن تعلم الانجليزية وهو لا يجيد العربية ، لقد تلقى الانجليزية من الشارع وبدأ يضايقنى فى الكمبيوتر حتى اشتريت له جهازاً ، وأصبح يجلس الساعات الطويلة أمامه ..
عفواً لقد أطلت عليك وأنا أسرد فى حكاية ( العوض ) شقيقى ، آسف جداً لذلك ، أفكر جيداً ياصديقى أن أرسل لك لكي تأتى الى هنا ...
قرأ ( أيمن ) الرسالة وعلق ضاحكاً :
( إننى يومياً أسمع كلمة ( أسود ) ودائماً أقرأ أبيات الشاعر : صلاح أحمد إبراهيم :
هل ذقت الجوع مع الغربة
النوم على الأرض الرطبة
الأرض الميتة الصلبة
هل مشوا خلفك فى زفه
عبدٌ أسود عبدٌ أسود
بحث ( أيمن ) عن قلم كثيراً فى غرفته ، وجده بعد عناء وكتب هذه العبارة :
( إن صك العبودية اشتريته بنفسى ووقفت له فى صفوف ، قد لا أفكر فى زيارتك لأنه تم اغتيالى ولا فرق بينى وبين ( العوض ) الذي اغتيل بالحضارة ، اننى ابحث عن نفسى لم أجدها .. ولن أجدها ...
كتبه : الطائف إبراهيم
فى : 31/12/2005م
أيمن وأشرف زملاء دراسة تخرجا من قسم المحاسبة ، أيمن من العاصمه وأشرف من الضواحي ، صديقين حميمين طرقا أبواب السفر كعادة كل الخريجين النزيهين الذين لا ينتمون للحزب ولا يحبون الواسطة .
أيمن اتجه إلى احدى دول الجزيرة العربية ، بينما صديقه صبر حتى غادر الى احدى الدول الأوربية ، مرت السنين وأيمن أرسل خطاب الى صديقه أشرف يحكى أحواله ، كيف حالك وأنت فى دولة غير اسلامية ولا تنطق العربية ، بالتأكيد سوف يكون نفس العذاب الذي أمر به الآن ، سوف أعطيك قليلاً من معاناة السودانيين في هذا البلد .
صدقنى ما سوف أقوله لا يساوى شيئاً مما نعانيه ، أول قدومك أنت تحت رحمة شخص يتحكم فيك كما يشاء ، حاولوا أن يجدوا له اسم يبرر أنه ليس سيداً وأنت لست عبداً ، تذكر عندما كنا في معسكر الخدمة العسكرية كيف أن الدخول بورقة والخروج بورقه ، نحن هنا هكذا ... العالم مادي فوق ما تتصور كل الناس أتت إلى هنا من أجل المال ، التعامل مادي بحت ، لقد نسيت لغتى الإنجليزية ونسيت كيف أكتب القصة القصيرة ، أصبح همى فقط كيف أجمع المال ، وأخلاقي أصبحت ضيقة ، وأصبحت ( جلفاً ) ولم أعد أستطع قراءة الجرائد اليومية التى كنت ألتهمها التهاماً عندما كنت فى السودان ، هل تذكر ؟ لقد أصبت بضغط الدم وهو مرض عادي هنا ، سوف يسببه لك صاحب العمل ...
الأسرة التى تعتقد أن كل مشاكلها (اتحلت ) بعد سفرك ، كل المشاكل يا أشرف ...
أبحث عن شخصيتى القديمة وقد لا تصدق بالتأكيد لكن هذه هي همومنا المشتركة ، إننى لا أريد أن أحكى عن ضياع أعيش فيه بل إننى أبحث عن نفسي ...
توالت الرسائل بين الصديقين .. وها هو أشرف يرسل رسالة إلى أيمن قائلاً :
صديقى العزيز ...
ما تحكيه فوق طاقة البشر ، أكاد لا أصدق إن حالى هنا ليس مثلك ، أنا هنا لست تحت رحمة أحد ، إن المعاملة تتم على إنني انسان ، أعمل في شركة تحكمها قوانين ولست مثلك يتحكم في أحد ، أقول لك طرفة أو قصة حدثت لي : لقد شتمنى أحدهم بأننى ( أسود) ذهبت الى الشرطة وأخذت حقى كاملاً ..
المهم يا سيدى : لقد انهيت زمالة المحاسبين القانونيين ، ودرست الكمبيوتر وأجيد السباحة داخله ومخاطبة كل العالم ..
الدوام هنا (8) ساعات ما زاد بأجر اضافي ، أي أن لي وقت ولست مثلك ( ثمانية عشر ) ساعة ..
سؤال يؤرقنى : ماذا تعملون فى هذا الدوام الطويل ؟ مع أنى أعرف أنهم شعوب استهلاكية غير صناعية ..
لقد تزوجت واحضرتها من السودان ، وهي تحضر الآن في ( هندسة الحاسب الآلي ) وقد أرسلت والدي إلى الحج هذا العام ، وأحضرت أخي ( العوض ) هل تذكره ؟ الذي كان يرعى الغنم ، ألم أقل لك إنه الوحيد الأمي في عائلتنا ، لقد أحضرته لاجراء عملية (زرع كلية ) لقد وجدنا عدد من المتبرعين ، بل ان بعض الجمعيات الخيرية ساعدت في اجراء العملية ، سوف يمكث ( العوض ) معي لمدة سنة ، وها هو الآن بعد أن تعلم الانجليزية وهو لا يجيد العربية ، لقد تلقى الانجليزية من الشارع وبدأ يضايقنى فى الكمبيوتر حتى اشتريت له جهازاً ، وأصبح يجلس الساعات الطويلة أمامه ..
عفواً لقد أطلت عليك وأنا أسرد فى حكاية ( العوض ) شقيقى ، آسف جداً لذلك ، أفكر جيداً ياصديقى أن أرسل لك لكي تأتى الى هنا ...
قرأ ( أيمن ) الرسالة وعلق ضاحكاً :
( إننى يومياً أسمع كلمة ( أسود ) ودائماً أقرأ أبيات الشاعر : صلاح أحمد إبراهيم :
هل ذقت الجوع مع الغربة
النوم على الأرض الرطبة
الأرض الميتة الصلبة
هل مشوا خلفك فى زفه
عبدٌ أسود عبدٌ أسود
بحث ( أيمن ) عن قلم كثيراً فى غرفته ، وجده بعد عناء وكتب هذه العبارة :
( إن صك العبودية اشتريته بنفسى ووقفت له فى صفوف ، قد لا أفكر فى زيارتك لأنه تم اغتيالى ولا فرق بينى وبين ( العوض ) الذي اغتيل بالحضارة ، اننى ابحث عن نفسى لم أجدها .. ولن أجدها ...
كتبه : الطائف إبراهيم
فى : 31/12/2005م