مبارك حامد
26-11-2005, 04:34 PM
الإخوة الأعزاء...استحلفكم بأغلى ما تعتقدون وتملكون . أن نقف قليلا في هذا الفضاء السرمدي لنحكي حكايا الرجل الذي هرب ... هرب لأنه يعرف الحقيقة وكيف يرويها ، هرب لأنه حاول أن يقول ولم يسمعه أحد ...العتبى له لانا تعمدنا ذلك والعتبى لنا لان بيننا من هوأجرأ منا جميعا
البروفيسور أحمد الطيب زين العابدين . من مواليد 1939م ،بغرب السودان ، تخرج في كلية التربية ببخت الرضا ، وجامعة القاهرة ،كلية الآداب قسم الاجتماع . ثم جامعة ليدز التي حصل منها على ماجستير الفنون 1976م . عمل عميدا لكلية الفنون 1981ــ1985م ، ناقد ودارس للثقافة السودانية ، قاص ـ مجموعته الأولى ( دروب قرماش ) ، ترجم للخيام عن فيتزجرالد . كاتب ، وهذا ما نعرفه عن الرجل ، غير إنسانيته المفرطة.
رابحة وحارن أبو صنقور
كان يأتزر بقطعة من الدمور المتسخ ما زادت على الثلاثة أزرع . لفها حول وسطه من الخلف وجعل طرفها الأيسر على كتفه اليمنى ، وطرفها الأيمن على كتفه اليسرى ، وعقدها عقدة محكمة حول عنقه ولفها حول جسمه النحيل فانكشفت يداه الاثنتان تماما حتى إبطيه وتعرى ظهره تماما . كان غائر العينين ، دقيق ملامح الوجه ، بأذنين كبيرتين . يلبس طاقية واسعة ممزقة ومتسخة لعلها لأبيه تنزل لتغطى نصف أذنيه ، يقف على ساقين نحيلتين ومقوستين بعض الشيء . فيبدو كرجل قزم وليس طفلا . كان هذا هو حارن ود إبراهيم . كانت تسير بجانبه رابحة بت النور وقد امتلأت برونق الصبا وبهاء الطفولة ولولا شعرها الذي امتشطته أمها جدائل ناعمة تتدلى إلى أول ظهرها ولولا ( الرحط ) لكانت غلاما آخر ـ هي ابنة عمه ( لزم ) ما زاد عمره عن الثامنة ولعله هو في التاسعة من عمره .
ظلا يسيران هذا المشوار منذ عامين أمامهما دائما عشر عنزات يعرفانها بالأسماء والألقاب ومعهن تيس عجوز صامت ملتحي ويلقبانه ( بالفكي ) وكثيرا ما يخلع حارن طاقيته ويضعها على رأس التيس وقد تخللت قرناه الطاقية الواسعة من ثقوبها الكثيرة .ويغرق الاثنان في ضحك لا ينتهي . لقد كان حارن فتى ( خاسرا ) كما كانت تسميه رابحة ابنة عمه . ولعلها تقصد ( جاسرا ) ، ولكنها كانت تموت ضحكا على كل ألاعيبه الفارغة . وتنهى ضحكتها دائما قائلة ( والله الليد الخاسر دا !!)لا يسيران على الطريق المطروق الذي يسير عليه الناس والحيوانات ولكنهما يسيران بلا هدى على العشب الجاف ينتعلان حذاءين متشابهين مثلهما تماما. ( شقيانة ) نعل مقدود من جلد واحد ، يسيران وهما يلتقطان الفراش ، والجراد والثمار البرية، والبطيخ البرى ، إلى أن يصلا الوادي الكبير . الذي تجف بطنه الآن فيصير واديا من الرمل الأبيض اللماع . تقع عليه الظلال سميكة يطيب فيها اللعب . وصلا إلي شجرة العرديب الضخمة ، متدلية الأطراف حتى صارت كعريشه خضراء كانا يسميانها البيت . بركت على الأرض . وجعل يفتش أطراف ثوبه بحثا عن أعواد الثقاب الحمراء التي خاطها في أطراف الثوب حتى لايعلم أحد أنه قد أخذها من محفظة والده العتيقة التي بها كل شيء . سعيدان ، كما يفعلان كل يوم ، وجبة من البطيخ المشوي . وتقوم هي إلى إحدى العنزات تحلبها في الوعاء النباتي ( البخسة ) التي يحتفظان بها . تضع على الحليب من ( الجبين ) فيروب بسرعة . يشربانه نهارا فيطيب النوم . كل هذا المعزات في نهاية الوادي حيث المثلث العظيم بين الجبلين ، في رغد وأمان .
بدأت تدندن لنفسها وهي تسير باتجاه العنزات تغني ( الجراري ) كما تغنيه الكبيرات وعندما اتجهت إلي العرديبة عائدة ، كان صوتها يملأ الوادي . وعندما وصلت العريشة الخضراء ( البيت ) كانت ما تزال تغني ولم يتمالك هو نفسه فخرج يلقاها وهو يرقص في حماسه وطرب عنيفين يصفق بكلتا يديه ويحمحم ، يقفز إلى أعلى فتطير الطاقية من فوق رأسه . جعل يضطرب كعفريت صغير وهي تغني وتضحك وهو يحمحم ويضطرب حتى سقطت طاقيته علي الأرض . فكشفت عن رأس قرعاء شديدة اللمعان فضاع غناؤها في ضحك عميق مستمر جعلها تمسك بطنها بكلتا يديها . وهو مازال علي حاله من الاضطراب والحمحمة والقفز وتسقط على الأرض تتلوي من الضحك ، فيهدأ يلتقط طاقيته وهو يشاركها الضحك فكان الوادي كله يضحك معها ملأ الدنيا مزاحا وضحكا ..هدأ قليلا ثم قال :
( حي يالله .. انتي وكت تغني كيف دي ..أني بمسكني الغمزيزي ..امنشوطن كلا كلا )
وآني تمسكني ام فريحانه .. عودي بالله منك يا حارن ) كانا دائما يملآن الوادي بغضاضة وجودهما وببراءة نفسيهما ومرح الصبا أدنته منها في طهر طفولتها وقالت له في عطف كبير ( تعال خليني نشرب لي فنجان من جبنتك دي ) وبسرعة رفعت الطاقية لتقبله علي رأسه الاقرع ) فأفلت منها قائلا : ( تكيفتي ؟؟ تاني ما تقول ليا أبوصنقور وكت تزعلي ؟ ) فتجيبه :
( لالا يا أبوصنقور ) يضحكان ويجلسان قبالة بعضهم البعض لوجبة البطيخ البري المشوي .. وما أن يبدأا حتى يركز حارن بصره بعيدا باتجاه القرية ، كأنه يرقب حدثا مرعبا . نظرة هي مزيج من الدهشة والغضب . تسأله وهي تتلفت ما الخبر ؟
- الداهي الهوان دي جايي تاني .
- واتا شن غردك بيه ؟
- والله مانخلي .. في الخور دي يا اني يا هو .
- حارن ما تبقى خطوان وخاسر متل دي ، الوادي هيل الله ولا هيلك ؟ ولم يمكن حارن حمدا ومعزاته الثلاث من دخول الوادي ـ التقاه بعيدا عن العرديبة .. وصف معزاته ( جربانات ) ووصفه حمد بأنه أبوصنقور عادم الصوفة .واشتبك الاثنان وقد وقعا على العشب الجاف .. والأشواك الاصقة مثل الحسكنيت والضريسة .
وتدخلت رابحة لتفض الشجار . ورجع حمد بعد أن خلف في رأس حارن جرحا عميقا وهو نتيجة عضة ، اعتبرها حارن سامة لان حمد في اعتقاده سعران . سمع الكبار ( بالشكلة ) وكان جزاء حمد أن ادخل المدرسة وخلا الوادي لحارن وابنة عمه . وازدهرت شجرة العرديب مرة أخرى وامتلأ الوادي بهجة ومرحا إلى أن قالت له ربوح يوما بعد صمت ملئ أنها لن تأتي غدا . حاول دون جدوى أن يعرف السبب . ولم تأتي غدا ولا بعد الغد . وفي اليوم الثالث عاد إلى البيت عصرا ومعه المعزات ليرى أين هي رابحة . دخل البيت ليجد أمه وعدد ليس بالقليل من نساء الحلة يشربن القهوة في عريشه زوجة عمه والدة رابحة ـ وكانت رابحة مسجاة على ظهرها على برش أحمر على السرير مغطاة بفركه حمراء ..ما أن رأته حتى غطت وجهها فجرى نحوها وجلس على حافة السرير في لهفة أضحكت النسوة ـ ربوح وراكي ـ وراكي يا ربوح ؟!!! .. مورودة ولا شنو ؟! فأجابته أمه في حرج .. والنساء يضحكن من غفلته .. أختك موروده خليها أمشى ألعب مع العيال .. وبعد أربعين يوما عادت إليه وكان قد خرج مبكرا بالمعزات وما أن رآها حتى أجفل جاريا يستقبلها يضحك ويقفز ويحمحم ولكنها لم تغني له ـ ولم تبتسم كعادتها ولم تملأ الوادي غناء ـ كان الفرح قد انتزع من صدرها إلى الأبدـ عادت طفلة نحيلة صفراء قليلة الحديث ..لا تجرى وراء الفراش والجراد ..صار هو المتحدث الراقص الجاري الذي يشوي البطيخ ويحلب العنزات كأن شيئا حميما بينهما قد سقط وهكذا استمر الحال عاما بحاله وفي نهاية يوم قائظ وكانا جالسين تحت العرديبة . جلست تنظر إليه مليا وهو يغني ملء فيه ـ قفز على رجليه حمحم ورقص وهي تنظر إليه نظرة ساهمة مشفقة ، حانية . جلس وقد أرهقه مراحه .. وقال ـ حي يا قلبي .. ربوح انتي عجزت خلاص .. عجزت كلا كلا ..ضحكت حتى دمعت عيناها .. ثم صمتت لحين .. وقالت له فى هدوء حكمة العجائز ( أنا تانى خلاص ما جايه السرحة صمت مليا .. لم يقل شيئا كأنه يتوقع مثل هذا اليوم .. تطلع إليها وقد سالت علي خديه دمعتان كبيرتان ـ فبكت هي الأخرى بصوت مرتفع واختلطت علي خديها دموع الفرح التي لم تجف مع دموع الحزن علي فراق هذا الوادي الممرع وهذا المناخ الحبيب .
تقاطبت الأشياء وتباعد الناس وتفرق الجمع وتشتت الشمل ، أما هي رابحة ، فبقيت بالدار ، كبرت بسرعة مذهلة استدارت أشياؤها ، انفتل عودها ، ثم استقام . وشغلت بها البادية قبل القرية . سحرت الخلق كبارها قبل الصغار ، هام بها الناس تغنى بها الزكران والإناث . كل هذا وحارن بعيد فهو الآن راعي المال الكبير ، راعي ابل والده وعمه . صبي صلب بلا شارب ولا لحية . ورأسه صارت معمعمة ولكن دون شعر . وكانت هذه مصيبة فهو الأقرع مايزال ، ابوصلعة ابوصنقور عند صحابه فآثر الإيغال في الفيافي شمالا إلي ( الجزو ) وجنوبا إلي ( الطويشة ) لا يمر بالديار إلا مرور الرعاة الكرام ، القرية التي بقي بها حمد الذي عمل كاتبا بالدونكي فصار ( حمد أفندي ) عند العربان ، وقد وصل أمر تعلقه برابحة إلي حارن .
في إحدى زياراته القليلة وهو يسقي إبله بالدونكي رآها واقفة مع حمد ، فلم يتمالك نفسه واعترضها وهي تحمل جرة الماء علي رأسها صرخ في وجهها وفرقع سوطه أمامها ـ لم تغير مشيتها وقالت له في اقتضاب شديد ( اضربني يا ولد عمي ) فتراجع أمام حزمها الشديد وفي المساء كان في ( المدى ) هو والرعاة وقد تماسكوا من الأكتاف في رقصة ( التويا ) وتغنى حارن :
هن اتنين بنات خالات
لاقاهن الزول أبوشنيبات
أداها خمسين قالتلو مافي حساب
أداها جنيه صرتا في القرقاب
عرف الناس معنى العتاب الجارح ومن المقصود وذاعت الأغنية ثم أرسل حارن أباه إلي عمه ليحسم هذا الأمر قبل السفر ولكن أباه أخبره في حزم الوالدين انها رفضته لأنه هجاها قال له : البت قالت اتا عيبتها . وغني ذلك المساء معتذرا لربوح قال شعرا عظيما نادما ولكن كل ما قالته عندما رددته لها صويحباتها .. مسكين الراعي العوير أبو صنقور
خرج هذه المرة خروج الكبار يسوق الإبل إلي الصعيد ـ صعيد مصر ـ معه خمس من أشجع الرعيان برفقة تاجر من آل شنقيط .. هذا درب الأربعين الذي به يحلم بكل أهواله وكان الهول الأعظم عند مداخل الريف قريبا من أدندان زارهم وهم يعدون الشاي ود الحاج وما كانوا يعرفونه طلب في هدوء أن يقتاد الإبل وذكرهم بأنه ساق من ابل فلان وفلان وفلان ممن يعرفون وأنه ود الحاج . وكان ذلك تبجحا عظيما ولما اعترض حارن أن الإبل لنسوة يطلبن مصاغا من مصر وأنهم لا يستطيعون التفريط في حق الحريم . أناخ ود الحاج بعيره وأطلق عيارا في الهواء بقصد التخويف . ولكن حارنا لم يمهله ليعيد تعمير السلاح وخّر ود الحاج صريعا وجاء العسكر وأطلق سراح الرعاة فود الحاج معروف .. وملأت القصة البادية وعندما عاد كانت البادية ترقص الجراري علي ذكر بطولته :
معاهن الشريف
الخمسة شالوا الريف
ما فوقهن الضعيفِ
ابوالقليب رجيف
المصري ودالريف
ضرب وجه تخويف
حارن أخويا حريف
قام عجل التهديف
يوم الحرابة تقيف
ما بنفع التوصيف
غنتها له أمه بصوت رخيم . كان جالسا ( متحكرا ) يداعب بأصابعه سوطه الذي استراح علي فخذيه . قام إلى دارها من توه وقد امتلأ عاطفة جياشة رأى أمامه الوادي الكبير العرديبة والظل الوارف الوديع دخل دار عمه وكانوا جميعا هناك في العريشة.
- سلام ناس البيت
وردت عليه السلام ـ وصمت الباقون في توجس ورهبة .. ولم يصدقوا ما يشاهدون ـ مرحب حارن ـ مرحب سيد الغمزيزي ـ حباب ست ( ام فريحانه ) .
وانجر الجميع ضاحكين فضج الوادي الكبير بالضحك والحبور ضحكت كل البادية من بعد واشتعلت البادية شعرا وغناء لقد كن ذلك هو عرس المبدعين . رابحة وحارن ابوصنقور
البروفيسور أحمد الطيب زين العابدين . من مواليد 1939م ،بغرب السودان ، تخرج في كلية التربية ببخت الرضا ، وجامعة القاهرة ،كلية الآداب قسم الاجتماع . ثم جامعة ليدز التي حصل منها على ماجستير الفنون 1976م . عمل عميدا لكلية الفنون 1981ــ1985م ، ناقد ودارس للثقافة السودانية ، قاص ـ مجموعته الأولى ( دروب قرماش ) ، ترجم للخيام عن فيتزجرالد . كاتب ، وهذا ما نعرفه عن الرجل ، غير إنسانيته المفرطة.
رابحة وحارن أبو صنقور
كان يأتزر بقطعة من الدمور المتسخ ما زادت على الثلاثة أزرع . لفها حول وسطه من الخلف وجعل طرفها الأيسر على كتفه اليمنى ، وطرفها الأيمن على كتفه اليسرى ، وعقدها عقدة محكمة حول عنقه ولفها حول جسمه النحيل فانكشفت يداه الاثنتان تماما حتى إبطيه وتعرى ظهره تماما . كان غائر العينين ، دقيق ملامح الوجه ، بأذنين كبيرتين . يلبس طاقية واسعة ممزقة ومتسخة لعلها لأبيه تنزل لتغطى نصف أذنيه ، يقف على ساقين نحيلتين ومقوستين بعض الشيء . فيبدو كرجل قزم وليس طفلا . كان هذا هو حارن ود إبراهيم . كانت تسير بجانبه رابحة بت النور وقد امتلأت برونق الصبا وبهاء الطفولة ولولا شعرها الذي امتشطته أمها جدائل ناعمة تتدلى إلى أول ظهرها ولولا ( الرحط ) لكانت غلاما آخر ـ هي ابنة عمه ( لزم ) ما زاد عمره عن الثامنة ولعله هو في التاسعة من عمره .
ظلا يسيران هذا المشوار منذ عامين أمامهما دائما عشر عنزات يعرفانها بالأسماء والألقاب ومعهن تيس عجوز صامت ملتحي ويلقبانه ( بالفكي ) وكثيرا ما يخلع حارن طاقيته ويضعها على رأس التيس وقد تخللت قرناه الطاقية الواسعة من ثقوبها الكثيرة .ويغرق الاثنان في ضحك لا ينتهي . لقد كان حارن فتى ( خاسرا ) كما كانت تسميه رابحة ابنة عمه . ولعلها تقصد ( جاسرا ) ، ولكنها كانت تموت ضحكا على كل ألاعيبه الفارغة . وتنهى ضحكتها دائما قائلة ( والله الليد الخاسر دا !!)لا يسيران على الطريق المطروق الذي يسير عليه الناس والحيوانات ولكنهما يسيران بلا هدى على العشب الجاف ينتعلان حذاءين متشابهين مثلهما تماما. ( شقيانة ) نعل مقدود من جلد واحد ، يسيران وهما يلتقطان الفراش ، والجراد والثمار البرية، والبطيخ البرى ، إلى أن يصلا الوادي الكبير . الذي تجف بطنه الآن فيصير واديا من الرمل الأبيض اللماع . تقع عليه الظلال سميكة يطيب فيها اللعب . وصلا إلي شجرة العرديب الضخمة ، متدلية الأطراف حتى صارت كعريشه خضراء كانا يسميانها البيت . بركت على الأرض . وجعل يفتش أطراف ثوبه بحثا عن أعواد الثقاب الحمراء التي خاطها في أطراف الثوب حتى لايعلم أحد أنه قد أخذها من محفظة والده العتيقة التي بها كل شيء . سعيدان ، كما يفعلان كل يوم ، وجبة من البطيخ المشوي . وتقوم هي إلى إحدى العنزات تحلبها في الوعاء النباتي ( البخسة ) التي يحتفظان بها . تضع على الحليب من ( الجبين ) فيروب بسرعة . يشربانه نهارا فيطيب النوم . كل هذا المعزات في نهاية الوادي حيث المثلث العظيم بين الجبلين ، في رغد وأمان .
بدأت تدندن لنفسها وهي تسير باتجاه العنزات تغني ( الجراري ) كما تغنيه الكبيرات وعندما اتجهت إلي العرديبة عائدة ، كان صوتها يملأ الوادي . وعندما وصلت العريشة الخضراء ( البيت ) كانت ما تزال تغني ولم يتمالك هو نفسه فخرج يلقاها وهو يرقص في حماسه وطرب عنيفين يصفق بكلتا يديه ويحمحم ، يقفز إلى أعلى فتطير الطاقية من فوق رأسه . جعل يضطرب كعفريت صغير وهي تغني وتضحك وهو يحمحم ويضطرب حتى سقطت طاقيته علي الأرض . فكشفت عن رأس قرعاء شديدة اللمعان فضاع غناؤها في ضحك عميق مستمر جعلها تمسك بطنها بكلتا يديها . وهو مازال علي حاله من الاضطراب والحمحمة والقفز وتسقط على الأرض تتلوي من الضحك ، فيهدأ يلتقط طاقيته وهو يشاركها الضحك فكان الوادي كله يضحك معها ملأ الدنيا مزاحا وضحكا ..هدأ قليلا ثم قال :
( حي يالله .. انتي وكت تغني كيف دي ..أني بمسكني الغمزيزي ..امنشوطن كلا كلا )
وآني تمسكني ام فريحانه .. عودي بالله منك يا حارن ) كانا دائما يملآن الوادي بغضاضة وجودهما وببراءة نفسيهما ومرح الصبا أدنته منها في طهر طفولتها وقالت له في عطف كبير ( تعال خليني نشرب لي فنجان من جبنتك دي ) وبسرعة رفعت الطاقية لتقبله علي رأسه الاقرع ) فأفلت منها قائلا : ( تكيفتي ؟؟ تاني ما تقول ليا أبوصنقور وكت تزعلي ؟ ) فتجيبه :
( لالا يا أبوصنقور ) يضحكان ويجلسان قبالة بعضهم البعض لوجبة البطيخ البري المشوي .. وما أن يبدأا حتى يركز حارن بصره بعيدا باتجاه القرية ، كأنه يرقب حدثا مرعبا . نظرة هي مزيج من الدهشة والغضب . تسأله وهي تتلفت ما الخبر ؟
- الداهي الهوان دي جايي تاني .
- واتا شن غردك بيه ؟
- والله مانخلي .. في الخور دي يا اني يا هو .
- حارن ما تبقى خطوان وخاسر متل دي ، الوادي هيل الله ولا هيلك ؟ ولم يمكن حارن حمدا ومعزاته الثلاث من دخول الوادي ـ التقاه بعيدا عن العرديبة .. وصف معزاته ( جربانات ) ووصفه حمد بأنه أبوصنقور عادم الصوفة .واشتبك الاثنان وقد وقعا على العشب الجاف .. والأشواك الاصقة مثل الحسكنيت والضريسة .
وتدخلت رابحة لتفض الشجار . ورجع حمد بعد أن خلف في رأس حارن جرحا عميقا وهو نتيجة عضة ، اعتبرها حارن سامة لان حمد في اعتقاده سعران . سمع الكبار ( بالشكلة ) وكان جزاء حمد أن ادخل المدرسة وخلا الوادي لحارن وابنة عمه . وازدهرت شجرة العرديب مرة أخرى وامتلأ الوادي بهجة ومرحا إلى أن قالت له ربوح يوما بعد صمت ملئ أنها لن تأتي غدا . حاول دون جدوى أن يعرف السبب . ولم تأتي غدا ولا بعد الغد . وفي اليوم الثالث عاد إلى البيت عصرا ومعه المعزات ليرى أين هي رابحة . دخل البيت ليجد أمه وعدد ليس بالقليل من نساء الحلة يشربن القهوة في عريشه زوجة عمه والدة رابحة ـ وكانت رابحة مسجاة على ظهرها على برش أحمر على السرير مغطاة بفركه حمراء ..ما أن رأته حتى غطت وجهها فجرى نحوها وجلس على حافة السرير في لهفة أضحكت النسوة ـ ربوح وراكي ـ وراكي يا ربوح ؟!!! .. مورودة ولا شنو ؟! فأجابته أمه في حرج .. والنساء يضحكن من غفلته .. أختك موروده خليها أمشى ألعب مع العيال .. وبعد أربعين يوما عادت إليه وكان قد خرج مبكرا بالمعزات وما أن رآها حتى أجفل جاريا يستقبلها يضحك ويقفز ويحمحم ولكنها لم تغني له ـ ولم تبتسم كعادتها ولم تملأ الوادي غناء ـ كان الفرح قد انتزع من صدرها إلى الأبدـ عادت طفلة نحيلة صفراء قليلة الحديث ..لا تجرى وراء الفراش والجراد ..صار هو المتحدث الراقص الجاري الذي يشوي البطيخ ويحلب العنزات كأن شيئا حميما بينهما قد سقط وهكذا استمر الحال عاما بحاله وفي نهاية يوم قائظ وكانا جالسين تحت العرديبة . جلست تنظر إليه مليا وهو يغني ملء فيه ـ قفز على رجليه حمحم ورقص وهي تنظر إليه نظرة ساهمة مشفقة ، حانية . جلس وقد أرهقه مراحه .. وقال ـ حي يا قلبي .. ربوح انتي عجزت خلاص .. عجزت كلا كلا ..ضحكت حتى دمعت عيناها .. ثم صمتت لحين .. وقالت له فى هدوء حكمة العجائز ( أنا تانى خلاص ما جايه السرحة صمت مليا .. لم يقل شيئا كأنه يتوقع مثل هذا اليوم .. تطلع إليها وقد سالت علي خديه دمعتان كبيرتان ـ فبكت هي الأخرى بصوت مرتفع واختلطت علي خديها دموع الفرح التي لم تجف مع دموع الحزن علي فراق هذا الوادي الممرع وهذا المناخ الحبيب .
تقاطبت الأشياء وتباعد الناس وتفرق الجمع وتشتت الشمل ، أما هي رابحة ، فبقيت بالدار ، كبرت بسرعة مذهلة استدارت أشياؤها ، انفتل عودها ، ثم استقام . وشغلت بها البادية قبل القرية . سحرت الخلق كبارها قبل الصغار ، هام بها الناس تغنى بها الزكران والإناث . كل هذا وحارن بعيد فهو الآن راعي المال الكبير ، راعي ابل والده وعمه . صبي صلب بلا شارب ولا لحية . ورأسه صارت معمعمة ولكن دون شعر . وكانت هذه مصيبة فهو الأقرع مايزال ، ابوصلعة ابوصنقور عند صحابه فآثر الإيغال في الفيافي شمالا إلي ( الجزو ) وجنوبا إلي ( الطويشة ) لا يمر بالديار إلا مرور الرعاة الكرام ، القرية التي بقي بها حمد الذي عمل كاتبا بالدونكي فصار ( حمد أفندي ) عند العربان ، وقد وصل أمر تعلقه برابحة إلي حارن .
في إحدى زياراته القليلة وهو يسقي إبله بالدونكي رآها واقفة مع حمد ، فلم يتمالك نفسه واعترضها وهي تحمل جرة الماء علي رأسها صرخ في وجهها وفرقع سوطه أمامها ـ لم تغير مشيتها وقالت له في اقتضاب شديد ( اضربني يا ولد عمي ) فتراجع أمام حزمها الشديد وفي المساء كان في ( المدى ) هو والرعاة وقد تماسكوا من الأكتاف في رقصة ( التويا ) وتغنى حارن :
هن اتنين بنات خالات
لاقاهن الزول أبوشنيبات
أداها خمسين قالتلو مافي حساب
أداها جنيه صرتا في القرقاب
عرف الناس معنى العتاب الجارح ومن المقصود وذاعت الأغنية ثم أرسل حارن أباه إلي عمه ليحسم هذا الأمر قبل السفر ولكن أباه أخبره في حزم الوالدين انها رفضته لأنه هجاها قال له : البت قالت اتا عيبتها . وغني ذلك المساء معتذرا لربوح قال شعرا عظيما نادما ولكن كل ما قالته عندما رددته لها صويحباتها .. مسكين الراعي العوير أبو صنقور
خرج هذه المرة خروج الكبار يسوق الإبل إلي الصعيد ـ صعيد مصر ـ معه خمس من أشجع الرعيان برفقة تاجر من آل شنقيط .. هذا درب الأربعين الذي به يحلم بكل أهواله وكان الهول الأعظم عند مداخل الريف قريبا من أدندان زارهم وهم يعدون الشاي ود الحاج وما كانوا يعرفونه طلب في هدوء أن يقتاد الإبل وذكرهم بأنه ساق من ابل فلان وفلان وفلان ممن يعرفون وأنه ود الحاج . وكان ذلك تبجحا عظيما ولما اعترض حارن أن الإبل لنسوة يطلبن مصاغا من مصر وأنهم لا يستطيعون التفريط في حق الحريم . أناخ ود الحاج بعيره وأطلق عيارا في الهواء بقصد التخويف . ولكن حارنا لم يمهله ليعيد تعمير السلاح وخّر ود الحاج صريعا وجاء العسكر وأطلق سراح الرعاة فود الحاج معروف .. وملأت القصة البادية وعندما عاد كانت البادية ترقص الجراري علي ذكر بطولته :
معاهن الشريف
الخمسة شالوا الريف
ما فوقهن الضعيفِ
ابوالقليب رجيف
المصري ودالريف
ضرب وجه تخويف
حارن أخويا حريف
قام عجل التهديف
يوم الحرابة تقيف
ما بنفع التوصيف
غنتها له أمه بصوت رخيم . كان جالسا ( متحكرا ) يداعب بأصابعه سوطه الذي استراح علي فخذيه . قام إلى دارها من توه وقد امتلأ عاطفة جياشة رأى أمامه الوادي الكبير العرديبة والظل الوارف الوديع دخل دار عمه وكانوا جميعا هناك في العريشة.
- سلام ناس البيت
وردت عليه السلام ـ وصمت الباقون في توجس ورهبة .. ولم يصدقوا ما يشاهدون ـ مرحب حارن ـ مرحب سيد الغمزيزي ـ حباب ست ( ام فريحانه ) .
وانجر الجميع ضاحكين فضج الوادي الكبير بالضحك والحبور ضحكت كل البادية من بعد واشتعلت البادية شعرا وغناء لقد كن ذلك هو عرس المبدعين . رابحة وحارن ابوصنقور