حجر الظلت
01-05-2005, 02:30 PM
العيد الخرطومي (2)
31 يناير 2005م جعفر عباس
رغم أن طائرتنا غادرت الدوحة في موعدها صباح يوم عيد الأضحى الماضي، إلا أنني لم أصل بيتنا إلا في نحو الثامنة مساء.. يعني لو سافرت إلى نيويورك لقضاء العيد هناك لوصلت إلى الفندق في مدة أقصر من تلك التي تطلبها سفري من الدوحة إلى بيتنا في الخرطوم، وكان ذلك لأن شركات الطيران العربية نقلت آلاف الركاب إلى الخرطوم بدون أمتعتهم فاقتحموا المطار واحتلوه محتجين، وتلك من بشائر التحول الديمقراطي عندنا: حرية الاحتجاج باتت مكفولة، ولكن شركات الطيران العربية تبقى "عربية"، سميكة الجلد لا يؤثر فيها احتجاج أو شكوى! وبمجرد لقاء الأهل كان تعب الرحلة قد زال.. وعلى طول الطريق من المطار إلى البيت كانت رائحة الشواء تتسلل إلى خياشيمي حتى حسبت أن الخرطوم بأكملها تحولت إلى مطعم للباربكيو (وهو اسم الدلع للحم المشوي.. لاحظ أن كلمة شواء أخف على اللسان والأذن من باربكيو ولكن للعولمة أحكام!)،.. ودخلت على أمي وكان العتاب والبكاء ثم الأوامر الديكتاتورية المعتادة بعد أن وضعوا صينية الطعام أمامي: خذ هذه.. وهذه.. وتناول شيئا من هذا الصحن وذاك! قلت لها: شبعت يا يو (أمي باللغة النوبية)، وليس في بطني مكان للمزيد من الطعام،.. ولكنها قررت أنني "هيكل عظمي" وبحاجة إلى تغذية جيدة، وهذا موال سمعته مئات المرات.. ثم أمرت بالشربوت، وهو منقوع التمر ويشربونه في السودان في عيد الأضحى بزعم أنه يمنع الاضطرابات الهضمية التي يسببها الإكثار من اللحم! طيب يا أمي، لماذا تسببين لي اضطرابات هضمية (وأنا مش ناقص) ثم تسقينني ما يمنعها (بعد حدوثها)؟ لا فائدة من مثل هذا المنطق مع أمي لأنها لم تسمع بالعولمة أو كوندوليسا رايس التي صارت وزيرة خارجية الولايات المتحدة منذ بضعة أيام وقالت إن أول زيارة خارجية لها ستكون إلى السودان.. طبعا بغرض أن تُرينا العين الحمراء! وربما كان الشربوت يزيل عسر الهضم عند البعض ولكنه يسبب لي أشياء لا أتمناها حتى لأرييل شارون،.. وشربت الشربوت ورجلي فوق رقبتي، ولزمت دورة المياه لثلاثة أيام لأن قولوني متحضر ومتعولم ولا يقبل الأشياء "البلدية".
وكان أجمل ما في عيدي الخرطومي هو أنني لم أشاهد التلفزيون قط ولم أقرأ جريدة.. وناشرو الصحف في السودان حساسون ومتحضرون ويحترمون مشاعر الجمهور ولهذا فإن الصحف السودانية توقفت عن الصدور خمسة أيام متتالية، مما ساعد على تهدئة قولوني، فالشربوت إذا اجتمع مع وسائل الإعلام تكون النتيجة كارثة هضمية.. يا للسعادة: 8 أيام لا تسمع فيها خطبة لزعيم عربي ولا تعرف ماذا فعل الله بإياد علاوي ولا حنان عشراوي، ولا تسمع مريم نور وهي تتكلم عن فوائد وجبة الفطور بالبيتي فور.. والأهم من كل ذلك أن تستمتع بالتوقف عن الكتابة.. تنام وتصحو دون أن تفكر في "موضوع" أو مدخل لمقال.. واستمتعت أيضا بالحديث المتواصل باللغة النوبية بعد أن كاد لساني يصدأ من ممارسة الكتابة والكلام بلغات "أجنبية".. وأقول لكم ما قلته عشرات المرات في الخرطوم خلال العيد: كريق آنجا نَلَنا .. وهي دعاء نوبي بأن يعيد الله العيد عليكم وأنتم أحياء.
الوطن
الاثنين 21 ذو الحجة 1425هـ الموافق 31 يناير 2005م العدد (1585) السنة الخامسة
31 يناير 2005م جعفر عباس
رغم أن طائرتنا غادرت الدوحة في موعدها صباح يوم عيد الأضحى الماضي، إلا أنني لم أصل بيتنا إلا في نحو الثامنة مساء.. يعني لو سافرت إلى نيويورك لقضاء العيد هناك لوصلت إلى الفندق في مدة أقصر من تلك التي تطلبها سفري من الدوحة إلى بيتنا في الخرطوم، وكان ذلك لأن شركات الطيران العربية نقلت آلاف الركاب إلى الخرطوم بدون أمتعتهم فاقتحموا المطار واحتلوه محتجين، وتلك من بشائر التحول الديمقراطي عندنا: حرية الاحتجاج باتت مكفولة، ولكن شركات الطيران العربية تبقى "عربية"، سميكة الجلد لا يؤثر فيها احتجاج أو شكوى! وبمجرد لقاء الأهل كان تعب الرحلة قد زال.. وعلى طول الطريق من المطار إلى البيت كانت رائحة الشواء تتسلل إلى خياشيمي حتى حسبت أن الخرطوم بأكملها تحولت إلى مطعم للباربكيو (وهو اسم الدلع للحم المشوي.. لاحظ أن كلمة شواء أخف على اللسان والأذن من باربكيو ولكن للعولمة أحكام!)،.. ودخلت على أمي وكان العتاب والبكاء ثم الأوامر الديكتاتورية المعتادة بعد أن وضعوا صينية الطعام أمامي: خذ هذه.. وهذه.. وتناول شيئا من هذا الصحن وذاك! قلت لها: شبعت يا يو (أمي باللغة النوبية)، وليس في بطني مكان للمزيد من الطعام،.. ولكنها قررت أنني "هيكل عظمي" وبحاجة إلى تغذية جيدة، وهذا موال سمعته مئات المرات.. ثم أمرت بالشربوت، وهو منقوع التمر ويشربونه في السودان في عيد الأضحى بزعم أنه يمنع الاضطرابات الهضمية التي يسببها الإكثار من اللحم! طيب يا أمي، لماذا تسببين لي اضطرابات هضمية (وأنا مش ناقص) ثم تسقينني ما يمنعها (بعد حدوثها)؟ لا فائدة من مثل هذا المنطق مع أمي لأنها لم تسمع بالعولمة أو كوندوليسا رايس التي صارت وزيرة خارجية الولايات المتحدة منذ بضعة أيام وقالت إن أول زيارة خارجية لها ستكون إلى السودان.. طبعا بغرض أن تُرينا العين الحمراء! وربما كان الشربوت يزيل عسر الهضم عند البعض ولكنه يسبب لي أشياء لا أتمناها حتى لأرييل شارون،.. وشربت الشربوت ورجلي فوق رقبتي، ولزمت دورة المياه لثلاثة أيام لأن قولوني متحضر ومتعولم ولا يقبل الأشياء "البلدية".
وكان أجمل ما في عيدي الخرطومي هو أنني لم أشاهد التلفزيون قط ولم أقرأ جريدة.. وناشرو الصحف في السودان حساسون ومتحضرون ويحترمون مشاعر الجمهور ولهذا فإن الصحف السودانية توقفت عن الصدور خمسة أيام متتالية، مما ساعد على تهدئة قولوني، فالشربوت إذا اجتمع مع وسائل الإعلام تكون النتيجة كارثة هضمية.. يا للسعادة: 8 أيام لا تسمع فيها خطبة لزعيم عربي ولا تعرف ماذا فعل الله بإياد علاوي ولا حنان عشراوي، ولا تسمع مريم نور وهي تتكلم عن فوائد وجبة الفطور بالبيتي فور.. والأهم من كل ذلك أن تستمتع بالتوقف عن الكتابة.. تنام وتصحو دون أن تفكر في "موضوع" أو مدخل لمقال.. واستمتعت أيضا بالحديث المتواصل باللغة النوبية بعد أن كاد لساني يصدأ من ممارسة الكتابة والكلام بلغات "أجنبية".. وأقول لكم ما قلته عشرات المرات في الخرطوم خلال العيد: كريق آنجا نَلَنا .. وهي دعاء نوبي بأن يعيد الله العيد عليكم وأنتم أحياء.
الوطن
الاثنين 21 ذو الحجة 1425هـ الموافق 31 يناير 2005م العدد (1585) السنة الخامسة