حجر الظلت
01-05-2005, 02:30 PM
العيد الخرطومي (1)
30 يناير 2005م جعفر عباس
أعتذر عن توقفي عن الكتابة لبضعة أيام، فقد كنت في السودان الشقيق، لزيارة أمي وأهلي وقضاء عيد الأضحى معهم، وشاء القضاء ان أصل إلى الخرطوم في مساء يوم العيد نفسه، بعد أن اضطربت حساباتي وحسابات غيري بعد أن أعلن في "اللحظات الأخيرة" أن العيد سيكون يوم الخميس (قبل الماضي)، وليس الجمعة كما كنا نتوقع، وفي مطار الخرطوم لم أجد أثرا للسلام الذي ظل حديث وسائل الإعلام على مدى نحو شهرين: دخلت صالة القادمين وأحسست بأن الحرب التي انتهت في جنوب البلاد، ستشتعل في المطار، فقد كان في الصالة مئات الأشخاص، وكل مجموعة منهم تتعارك مع حفنة من الموظفين الذين يرتدون ملابس شركات الطيران.. وأول ما فكرت فيه هو الهرب من المطار، وكانت هناك طائرة إثيوبية جاثمة على مقربة من صالة القدوم واقترحت على أم الجعافر أن نطلب اللجوء السياسي في إثيوبيا فرارا من جحيم المطار، ولكنها كانت أكثر عقلانية وقالت إن عليّ أن أستغل سواد بشرتي وأعلن عبر المايكروفون الداخلي أنني عضو في الحركة الشعبية لتحرير السودان التي يتزعمها الدكتور جون قرنق وأضمن بذلك أنه ما من شخص سيتجرأ على الاقتراب مني.. وبينما نحن منزوون في ركن في الصالة اقترب مني جماعة أعرفهم يعملون في قطر والكويت والإمارات، ولم أستبشر خيرا بذلك، فقد كانت عيونهم تقدح شررا.. السوداني - بصفة عامة - طيب ومسالم، ولكنه ما إن يغضب (وهو عموما سريع الاشتعال) حتى يتحول إلى وحش كاسر!.. وقف الجماعة قبالتي، ولم يقولوا كل عام وأنت بخير أو أي صيغة من صيغ التحية المتعارف عليها، بل انفجروا بصوت واحد: شايف المساخر والبهدلة دي؟ يعجبك حالنا؟ قلت لهم في أدب شديد إنني لست عضوا في أي حزب سياسي ولست مسؤولا عن اتفاقية السلام ولا فشل أو نجاح مشاريع التنمية،.. وإنني أيضا من المهمشين الذين لا كلمة لهم في أي شأن من شؤون البلاد! ولكنهم قاطعوني بفظاظة: سلام إيه وزفت إيه؟ وصلنا البلاد منذ يومين ولكن أمتعتنا لم تصل وصلينا صلاة العيد بملابس مستعارة.. بل إن أهلنا استقبلوا العيد بملابس قديمة لأننا كنا قد وعدناهم بملابس جديدة وجميلة، وضاع نصف إجازاتنا ونحن نأتي إلى المطار بحثا عن أمتعتنا! أكتب عن هذا العبث! قلت لهم: بالتأكيد أتيتم الخرطوم على متن طائرات عربية! قالوا: نعم،.. قلت: "تستأهلوا يا أغبياء".. مما بين نحو ثلاثين شركة طيران عربية هناك فقط اثنتان أو ثلاث تحترم ركابها وتعاملهم كبشر.. أنا شخصيا أفضل أن أسافر إلى الخرطوم عن طريق جوهانسبيرج لتفادي التعامل مع شركات طيران عربية معينة!.. على كل حال ربك ستر ووصلت أمتعتي وغادرت المطار في زمن قياسي لا يتجاوز الأربع ساعات.. وكانت حركة المرور سلسة ووصلنا البيت الذي يبعد عن المطار بنحو عشرين كيلومترا بعد ساعة ونصف الساعة.. وكنت من قبل أحسب أن دول الخليج هي الرائدة عالميا في مجال الفوضى المرورية، ولكن - وبدون فخر - فإننا في السودان نتفوق عليها في هذا المجال، وربما نأتي في المرتبة الثانية بعد لبنان حيث لا يعترف أحد بإشارات المرور.
الوطن
الأحد 20 ذو الحجة 1425هـ الموافق 30 يناير 2005م العدد (1584) السنة الخامسة
30 يناير 2005م جعفر عباس
أعتذر عن توقفي عن الكتابة لبضعة أيام، فقد كنت في السودان الشقيق، لزيارة أمي وأهلي وقضاء عيد الأضحى معهم، وشاء القضاء ان أصل إلى الخرطوم في مساء يوم العيد نفسه، بعد أن اضطربت حساباتي وحسابات غيري بعد أن أعلن في "اللحظات الأخيرة" أن العيد سيكون يوم الخميس (قبل الماضي)، وليس الجمعة كما كنا نتوقع، وفي مطار الخرطوم لم أجد أثرا للسلام الذي ظل حديث وسائل الإعلام على مدى نحو شهرين: دخلت صالة القادمين وأحسست بأن الحرب التي انتهت في جنوب البلاد، ستشتعل في المطار، فقد كان في الصالة مئات الأشخاص، وكل مجموعة منهم تتعارك مع حفنة من الموظفين الذين يرتدون ملابس شركات الطيران.. وأول ما فكرت فيه هو الهرب من المطار، وكانت هناك طائرة إثيوبية جاثمة على مقربة من صالة القدوم واقترحت على أم الجعافر أن نطلب اللجوء السياسي في إثيوبيا فرارا من جحيم المطار، ولكنها كانت أكثر عقلانية وقالت إن عليّ أن أستغل سواد بشرتي وأعلن عبر المايكروفون الداخلي أنني عضو في الحركة الشعبية لتحرير السودان التي يتزعمها الدكتور جون قرنق وأضمن بذلك أنه ما من شخص سيتجرأ على الاقتراب مني.. وبينما نحن منزوون في ركن في الصالة اقترب مني جماعة أعرفهم يعملون في قطر والكويت والإمارات، ولم أستبشر خيرا بذلك، فقد كانت عيونهم تقدح شررا.. السوداني - بصفة عامة - طيب ومسالم، ولكنه ما إن يغضب (وهو عموما سريع الاشتعال) حتى يتحول إلى وحش كاسر!.. وقف الجماعة قبالتي، ولم يقولوا كل عام وأنت بخير أو أي صيغة من صيغ التحية المتعارف عليها، بل انفجروا بصوت واحد: شايف المساخر والبهدلة دي؟ يعجبك حالنا؟ قلت لهم في أدب شديد إنني لست عضوا في أي حزب سياسي ولست مسؤولا عن اتفاقية السلام ولا فشل أو نجاح مشاريع التنمية،.. وإنني أيضا من المهمشين الذين لا كلمة لهم في أي شأن من شؤون البلاد! ولكنهم قاطعوني بفظاظة: سلام إيه وزفت إيه؟ وصلنا البلاد منذ يومين ولكن أمتعتنا لم تصل وصلينا صلاة العيد بملابس مستعارة.. بل إن أهلنا استقبلوا العيد بملابس قديمة لأننا كنا قد وعدناهم بملابس جديدة وجميلة، وضاع نصف إجازاتنا ونحن نأتي إلى المطار بحثا عن أمتعتنا! أكتب عن هذا العبث! قلت لهم: بالتأكيد أتيتم الخرطوم على متن طائرات عربية! قالوا: نعم،.. قلت: "تستأهلوا يا أغبياء".. مما بين نحو ثلاثين شركة طيران عربية هناك فقط اثنتان أو ثلاث تحترم ركابها وتعاملهم كبشر.. أنا شخصيا أفضل أن أسافر إلى الخرطوم عن طريق جوهانسبيرج لتفادي التعامل مع شركات طيران عربية معينة!.. على كل حال ربك ستر ووصلت أمتعتي وغادرت المطار في زمن قياسي لا يتجاوز الأربع ساعات.. وكانت حركة المرور سلسة ووصلنا البيت الذي يبعد عن المطار بنحو عشرين كيلومترا بعد ساعة ونصف الساعة.. وكنت من قبل أحسب أن دول الخليج هي الرائدة عالميا في مجال الفوضى المرورية، ولكن - وبدون فخر - فإننا في السودان نتفوق عليها في هذا المجال، وربما نأتي في المرتبة الثانية بعد لبنان حيث لا يعترف أحد بإشارات المرور.
الوطن
الأحد 20 ذو الحجة 1425هـ الموافق 30 يناير 2005م العدد (1584) السنة الخامسة