عبوهاب
26-10-2005, 11:20 AM
قبل أكثر من 2400 سنة قامت أعظم الحضارات النوبية على وادي النيل والتي شهدت عبر تاريخها الطويل الكثير من الأحداث التاريخية الهامة والتي أثرت بلا شك في تكوين حاضر السودان اليوم, فقد تفاعلت مع حضارات أخرى متأثرة ومؤثرة فيها فلم تكن أبداً في عزلة عن ما حولها بل كانت منفتحة على العالم من حولها سواء بدافع المطامع أو استراتيجية للمحافظة على كيانها وعزتها, فالانفتاح وتقبل الآخر يعني الديمومة والبقاء عكس العزلة والانزواء فإنه يقضي على الحضارات ويدفنها في مقبرة التاريخ وشاهد على ذلك الحضارة الإسلامية وترحيبها بكل الحضارات التي مرت عليها خلال مسيرتها الطويلة كالفارسية والرومانية والهندية , ورغم أن الفارق بين الحضارة النوبية والإسلامية في الغاية من الاندماج إلا أن النتيجة تظل هي التميز والبقاء.
لعل من أميز التزاوجات التي شهدتها الحضارة النوبية هي ارتباطها مع الحضارة المصرية وهذا التزاوج الشرعي كانت تحكمه ظروف وعوامل جغرافية ودينية, فالنيل كان ومازال شريان حياة يغذى كلاهما ويمثل خط سير طبيعي لكل التوجهات سواء من الشمال إلى الجنوب أو العكس. أما انفتاح النوبة على الحضارة الرومانية فإنه كان لإغراض استراتيجية بحتة وذلك أن الرومان ابان حكمهم على مصر في عهد اوغسطين لزم عليهم تأمين حدود إمبراطوريتهم من الجنوب الذي كان مباحاً لهجمات النوبيين والبجة من الجنوب الشرقي مراراً وتكراراً, ورغم أن تلك الهجمات لم تكن لتشكل خطراً نسبة لمحدوديتها إلا أن الرد عليها كان مكلفاً وهدراً للمال لكثرتها لذلك فكان الاتفاق والهدنة هو الحل الأسلم فنشأت علاقة المصلحة وهي عدم غزو النوبة مقابل التزامهم بحدودهم الشمالية. ومما يبدو أن الإمبراطورية الرومانية لم يكن لها أطماع في بلاد النوبيين لانشغالها في تأمين إمبراطوريتهم أكثر من كسب أراضي جديدة, كما أنهم كانوا يكتفون بالذهب والعبيد بدلا عن حكم إقليم صعب المراس جغرافياً .
كان النوبة يعتقدون في أن مصر هي جزء أصيل منهم, لذا لم يألوا جهداً في غزوها حتى تمكنوا من السيطرة عليها لأكثر من خمسون عاما (الأسرة الخامسة والعشرين) وكان ذلك على يد الملك بعانخي وابنه تهارقا, وقد يكون السبب في اعتقاد النوبة أن مصر تابعة لمملكتهم هو ما حاول بعض المؤرخين والباحثين إثباته بعد تحليل دم المومياوات من أن الفراعنة هم أصلاً عرب مهاجرين من حضرموت والتي كانت لها هجرات قديمة مع بلاد السودان والحبشة فاختلطوا بالدم الزنجي قبل وصولهم شمال الوادي (أنور الرفاعي, قصة الحضارة في الوطن العربي, ص 57).
إذاً وجود العرب واختلاطهم واندماجهم في أرض السودان والحبشة قد سبق دخول الإسلام مما مهد ووضع أرضية قوية لانتشاره وقبوله بكل سهولة, فعندما دخل عبدالله بن أبي السرح بلاد النوبة مرسلا من عمر بن العاص والي مصر وجد مقاومة عسكرية لم يكن يتوقعها مما اضطره لعقد اتفاقية عرفت باسم (اتفاقية البقط) أو كما هي بالفرنسية Pacte والشاهد أن تلك التسمية ليست عربية بأي حال قد نرجعها إلى أصلها اللاتيني وذلك من أثر الثقافة الرومانية على الإقليم ويبدو أنها معروفة لكلا الطرفين خصوصاً النوبة الذين قد يكونوا سبق واستخدموها قبلاً في اتفاقيتهم مع الرومان. وأهمية تلك الاتفاقية تكمن في تأريخها لبداية دخول الإسلام بلاد السودان غير أن البعض يرى أن الإسلام في السودان قد سبق تلك الاتفاقية ذلك أن بنودها كانت تتضمن العناية بمسجد (مسجد دنقلا العجوز) ونظافته مما يدل على وجود من يرتاده قبلاً وهذا لا يقلل من الدور الذي لعبته الاتفاقية حيث تخلف بعدها بعض المسلمين العرب وآثروا الاستقرار بعد طول حروب خاصة أن الدولة الإسلامية كانت في أوج مجدها وكثرة فتوحاتها.
هذه الثلاث حضارات خاصة الإسلامية أثرت الثقافة السودانية بالكثير من القيم والعادات ظهرت جلية في الشخصية السودانية بتميزها في عاداتها وسلوكها ولغتها (اللغة العربية الفطرية كلغة أم وكثير من المفردات الفرعونية ككلمة عنقريب أي سرير) إضافة إلى ماجادت به الثقافة الزنجية التي ظلت محتفظة لزمن طويل بملامحها الرمزية الغامضة وصخب إيقاعاتها ذلك ما يتبدى لنا في الأساطير الشعبية وبعض المعتقدات التي مازالت تمثل قيماً أصيلة في مجتمعنا الحاضر .
ونواصل,,,,
لعل من أميز التزاوجات التي شهدتها الحضارة النوبية هي ارتباطها مع الحضارة المصرية وهذا التزاوج الشرعي كانت تحكمه ظروف وعوامل جغرافية ودينية, فالنيل كان ومازال شريان حياة يغذى كلاهما ويمثل خط سير طبيعي لكل التوجهات سواء من الشمال إلى الجنوب أو العكس. أما انفتاح النوبة على الحضارة الرومانية فإنه كان لإغراض استراتيجية بحتة وذلك أن الرومان ابان حكمهم على مصر في عهد اوغسطين لزم عليهم تأمين حدود إمبراطوريتهم من الجنوب الذي كان مباحاً لهجمات النوبيين والبجة من الجنوب الشرقي مراراً وتكراراً, ورغم أن تلك الهجمات لم تكن لتشكل خطراً نسبة لمحدوديتها إلا أن الرد عليها كان مكلفاً وهدراً للمال لكثرتها لذلك فكان الاتفاق والهدنة هو الحل الأسلم فنشأت علاقة المصلحة وهي عدم غزو النوبة مقابل التزامهم بحدودهم الشمالية. ومما يبدو أن الإمبراطورية الرومانية لم يكن لها أطماع في بلاد النوبيين لانشغالها في تأمين إمبراطوريتهم أكثر من كسب أراضي جديدة, كما أنهم كانوا يكتفون بالذهب والعبيد بدلا عن حكم إقليم صعب المراس جغرافياً .
كان النوبة يعتقدون في أن مصر هي جزء أصيل منهم, لذا لم يألوا جهداً في غزوها حتى تمكنوا من السيطرة عليها لأكثر من خمسون عاما (الأسرة الخامسة والعشرين) وكان ذلك على يد الملك بعانخي وابنه تهارقا, وقد يكون السبب في اعتقاد النوبة أن مصر تابعة لمملكتهم هو ما حاول بعض المؤرخين والباحثين إثباته بعد تحليل دم المومياوات من أن الفراعنة هم أصلاً عرب مهاجرين من حضرموت والتي كانت لها هجرات قديمة مع بلاد السودان والحبشة فاختلطوا بالدم الزنجي قبل وصولهم شمال الوادي (أنور الرفاعي, قصة الحضارة في الوطن العربي, ص 57).
إذاً وجود العرب واختلاطهم واندماجهم في أرض السودان والحبشة قد سبق دخول الإسلام مما مهد ووضع أرضية قوية لانتشاره وقبوله بكل سهولة, فعندما دخل عبدالله بن أبي السرح بلاد النوبة مرسلا من عمر بن العاص والي مصر وجد مقاومة عسكرية لم يكن يتوقعها مما اضطره لعقد اتفاقية عرفت باسم (اتفاقية البقط) أو كما هي بالفرنسية Pacte والشاهد أن تلك التسمية ليست عربية بأي حال قد نرجعها إلى أصلها اللاتيني وذلك من أثر الثقافة الرومانية على الإقليم ويبدو أنها معروفة لكلا الطرفين خصوصاً النوبة الذين قد يكونوا سبق واستخدموها قبلاً في اتفاقيتهم مع الرومان. وأهمية تلك الاتفاقية تكمن في تأريخها لبداية دخول الإسلام بلاد السودان غير أن البعض يرى أن الإسلام في السودان قد سبق تلك الاتفاقية ذلك أن بنودها كانت تتضمن العناية بمسجد (مسجد دنقلا العجوز) ونظافته مما يدل على وجود من يرتاده قبلاً وهذا لا يقلل من الدور الذي لعبته الاتفاقية حيث تخلف بعدها بعض المسلمين العرب وآثروا الاستقرار بعد طول حروب خاصة أن الدولة الإسلامية كانت في أوج مجدها وكثرة فتوحاتها.
هذه الثلاث حضارات خاصة الإسلامية أثرت الثقافة السودانية بالكثير من القيم والعادات ظهرت جلية في الشخصية السودانية بتميزها في عاداتها وسلوكها ولغتها (اللغة العربية الفطرية كلغة أم وكثير من المفردات الفرعونية ككلمة عنقريب أي سرير) إضافة إلى ماجادت به الثقافة الزنجية التي ظلت محتفظة لزمن طويل بملامحها الرمزية الغامضة وصخب إيقاعاتها ذلك ما يتبدى لنا في الأساطير الشعبية وبعض المعتقدات التي مازالت تمثل قيماً أصيلة في مجتمعنا الحاضر .
ونواصل,,,,